العدد : ١٦٥١٣ - الجمعة ٠٩ يونيو ٢٠٢٣ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٥١٣ - الجمعة ٠٩ يونيو ٢٠٢٣ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

[email protected]

متى تكون غربي الهوى

بعد‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬تبدأ‭ ‬معركة‭ ‬امتحانات‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬العامة‭ ‬وكعادتي‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬سأتحدث‭ ‬عن‭ ‬أمور‭ ‬تتعلق‭ ‬بمصير‭ ‬شبابنا‭ ‬المتطلع‭ ‬للتعليم‭ ‬العالي،‭ ‬لأنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬قرار‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬أي‭ ‬إنسان‭ ‬مازال‭ ‬يتلقى‭ ‬العلم‭ ‬هو‭: ‬ماذا‭ ‬أدرس‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الجامعية؟‭ ‬ولماذا؟‭ ‬وهل‭ ‬أنا‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬مادة‭ ‬ما،‭ ‬وراغب‭ ‬في‭ ‬دراستها؟‭ ‬وأين؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬ستفتحها‭ ‬لي‭ ‬دراسة‭ ‬تلك‭ ‬المادة؟‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنني‭ ‬أرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭ ‬أن‭ ‬يجلسوا‭ ‬مع‭ ‬عيالهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكملوا‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬ببضعة‭ ‬أشهر،‭ ‬للتحاور‭ ‬طويلا،‭ ‬واستعراض‭ ‬الخارطة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬وقدرات‭ ‬وميول‭ ‬الولد‭ ‬أو‭ ‬البنت،‭ ‬وحصر‭ ‬مجالات‭ ‬التخصص‭ ‬المرغوب‭ ‬فيها،‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬خيارات‭ ‬ومسارات،‭ ‬ثم‭ ‬إحصاء‭ ‬تكاليفها‭ ‬المالية،‭ ‬ثم‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬بحث‭ ‬وتقص‭ ‬مكثفة‭ ‬لكافة‭ ‬جوانب‭ ‬المسألة،‭ ‬وشخصيا‭ ‬فإن‭ ‬الجانب‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬مارست‭ ‬فيه‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬الأبوية،‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬لعيالي‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬غربية‭.‬

وبحمد‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬عقدة‭ ‬دونية‭ ‬تجاه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أجنبي،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬احتكاكي‭ ‬بالأجانب،‭ ‬زادني‭ ‬اقتناعًا‭ ‬بأنني‭ ‬وغيري‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬نتفوق‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ولكن‭ ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬التعليم‭ ‬‮«‬يفتح‭ ‬الله‮»‬‭. ‬فالتعليم‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬المتقدمة‭ ‬أساس‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬‮«‬إبراء‭ ‬ذمة‮»‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬فقوامه‭ ‬المعلبات‭ ‬ذات‭ ‬الصلاحية‭ ‬المنتهية،‭ ‬فلماذا‭ ‬تريد‭ ‬لعيالك‭ ‬أو‭ ‬لغيرهم‭ ‬أن‭ ‬يحرزوا‭ ‬تقدير‭ ‬‮«‬ممتاز‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬لأنهم‭ ‬يحفظون‭ ‬معلقة‭ ‬لبيد‭ ‬أو‭ ‬زهير‭ ‬أو‭ ‬طرفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬واحدا‭ ‬على‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬معانيها‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬لي؟

أنا‭ ‬نتاج‭ ‬جامعة‭ ‬عربية،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنني‭ ‬أعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬عصاميًّا،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬حصيلتي‭ ‬المعرفية‭ ‬أتت‭ ‬بجهد‭ ‬ذاتي،‭ ‬بعد‭ ‬مغادرة‭ ‬كرسي‭ ‬الدراسة،‭ ‬فقد‭ ‬تخرجت‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬مسلحًا‭ ‬ببكالوريوس‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬بمرتبة‭ ‬الشرف،‭ ‬وعندما‭ ‬دخلت‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬إنجليزيتي‭ ‬بمرتبة‭ ‬‮«‬القرف‮»‬،‭ ‬وطفقت‭ ‬أتعلم‭ ‬تلك‭ ‬اللغة‭ ‬بالإكثار‭ ‬من‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬نتاجها‭ ‬من‭ ‬أدب‭ ‬وفكر،‭ ‬واكتشفت‭ ‬بعد‭ ‬الإبحار‭ ‬في‭ ‬دنيا‭ ‬الكتب‭ ‬عموما،‭ ‬أنني‭ ‬أحمل‭ ‬بكالوريوس‭ ‬في‭ ‬الأمية‭ ‬المعرفية،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬درست‭ ‬فيها،‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬أيامنا‭ ‬صنو‭ ‬جامعة‭ ‬كيمبريدج‭ ‬البريطانية،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬التلقين‭ ‬و«الحفظ‮»‬‭ ‬سبيلي‭ ‬وسبيل‭ ‬غيري‭ ‬للنجاح‭ ‬فيها‭.  ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬أهم‭ ‬محطة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الإنسان‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنني‭ ‬أنصح‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يستشيرني‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬إلحاق‭ ‬عياله‭ ‬بالجامعات،‭ ‬أن‭ ‬يبتعد‭ ‬بهم‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لأن‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬القيمة‭ ‬محدودة‭ ‬العدد‭ ‬جدا،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬الإمكانات‭ ‬المادية،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يخطط‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬ومنذ‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يرزق‭ ‬فيها‭ ‬بمولود‭ ‬لـ«ميزانية‮»‬‭ ‬دراسته‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬‮«‬الخارج‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬مرد‭ ‬ذلك‭ ‬سوء‭ ‬الظن‭ ‬بالأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬بالنظام‭ ‬التعليمي‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬يجرد‭ ‬الأستاذ‭ ‬من‭ ‬المبادرة‭ ‬والتجديد‭ ‬والخروج‭ ‬عن‭ ‬القوالب‭ ‬الجامدة،‭ ‬فالجامعات‭ ‬تدار‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تدار‭ ‬بها‭ ‬إدارات‭ ‬المجاري‭ ‬أو‭ ‬الأراضي‭: ‬هرَم‭ ‬إداري‭ ‬هرِم‭ (‬بكسر‭ ‬الراء‭) ‬وأخطبوطي‭ ‬كل‭ ‬همه‭ ‬تقصي‭ ‬الالتزام‭ ‬باللائحة،‭ ‬واللوائح‭ ‬كما‭ ‬نعلم،‭ ‬درع‭ ‬العاجز‭ ‬ذي‭ ‬الفهم‭ ‬المحدود‭ ‬والقاصر،‭ ‬ولا‭ ‬يعجبهم‭ ‬في‭ ‬اللوائح‭ ‬إلا‭ ‬‮«‬لفت‭ ‬النظر‮»‬‭ ‬و«الاستيضاح‮»‬‭ ‬و«مجالس‭ ‬التأديب‮»‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬يستطيع‭ ‬موظف‭ ‬ساقط‭ ‬في‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية،‭ ‬ويعمل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أي‭ ‬جامعة‭ ‬أن‭ ‬ينشف‭ ‬ريق‭ ‬البروفيسورات،‭ ‬الذين‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتعلمون‭ ‬أساليب‭ ‬المشي‭ ‬على‭ ‬العجين،‭ ‬لضمان‭ ‬وصول‭ ‬الراتب‭ ‬سالما‭ ‬إلى‭ ‬الجيوب‭.‬

‭ ‬وكما‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬بأسا‭ ‬في‭ ‬تلقي‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأجنبية،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬بأسًا‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ ‬بهجرة‭ ‬العقول،‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬عجول،‭ ‬فـ«العقل‮»‬‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الرعاية‭ ‬والتقدير‭ ‬والأوكسجين‭ ‬وتخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬كي‭ ‬يقوم‭ ‬بواجبه،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يتوافر‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬العقل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬البيئة‭ ‬والمناخ‭ ‬الملائمين،‭ ‬ودول‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص‭ ‬تحتضن‭ ‬العقول‭ ‬والمواهب‭. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الوارد‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬مجدي‭ ‬يعقوب‭ ‬وزويل‭ ‬وأسامة‭ ‬الباز‭ ‬والطيب‭ ‬صالح‭ ‬ملء‭ ‬السمع‭ ‬والبصر‭ ‬لو‭ ‬اكتفوا‭ ‬بما‭ ‬تلقوه‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية؟‭ ‬‮«‬كلك‭ ‬نظر‮»‬‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news