العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ابتذال جوائز نوبل

حزنت‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬امرأة‭ ‬كانت‭ ‬تؤلف‭ ‬مقطوعات‭ ‬موسيقية‭ ‬لم‭ ‬يستمع‭ ‬إليها‭ ‬أحد،‭ ‬وكتبت‭ ‬روايات‭ ‬لم‭ ‬يقرأها‭ ‬أحد،‭ ‬نالت‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب،‭ ‬وأكاد‭ ‬أجزم‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬النمساوية‭ ‬‮«‬مغمورة‮»‬‭ ‬لأنني‭ ‬قرأت‭ ‬معظم‭ ‬الروايات‭ ‬‮«‬اللي‭ ‬عليها‭ ‬القيمة‮»‬‭ ‬لكتاب‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬القارات،‭ ‬أو‭ ‬سمعت‭ ‬بها،‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لقراءتها‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬فعندما‭ ‬نال‭ ‬الروائي‭ ‬المصري‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬تلك‭ ‬الجائزة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬85‭% ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬سمعوا‭ ‬به،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬نحو‭ ‬80‭ ‬مليوناً‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وفوقهم‭ ‬نحو‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬أمي‭ ‬يحملون‭ ‬درجات‭ ‬جامعية‭ ‬ويحسبون‭ ‬أن‭ ‬محفوظ‭ ‬هو‭ ‬مدرب‭ ‬فريق‭ ‬الأشبال‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬دمنهور‭. ‬المهم‭ ‬قلت‭ ‬‮«‬مبروك‮»‬‭ ‬لتلك‭ ‬السيدة‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬قلبي،‭ ‬فقد‭ ‬فتح‭ ‬نيلها‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب‭ ‬أبواب‭ ‬الأمل‭ ‬أمامي،‭ ‬فلدي‭ ‬رواية‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬كتابتها‭ ‬قبل‭ ‬25‭ ‬عاماً‭ ‬وأعدت‭ ‬قراءتها‭ ‬مؤخراً،‭ ‬ودخلت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬دورة‭ ‬المياه‭ ‬للتخلص‭ ‬منها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬العيون،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظي‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬مشغولة‮»‬،‭ ‬ونجا‭ ‬مشروع‭ ‬روايتي‭ ‬من‭ ‬الإعدام‭ ‬غرقاً‭ ‬في‭ ‬السايفون‭ (‬أرجو‭ ‬من‭ ‬المصححين‭ ‬عدم‭ ‬إعادة‭ ‬كتابتها‭ ‬بعد‭ ‬حذف‭ ‬الألف‭ ‬التي‭ ‬تلي‭ ‬حرف‭ ‬السين‭.. ‬لأن‭ ‬تلك‭ ‬الألف‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬الأصل‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬عدم‭ ‬كتابتها‭ ‬بالواو‭ ‬بعد‭ ‬الفاء‭).. ‬وسأكملها‭ ‬فور‭ ‬الفراغ‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬وأرسلها‭ ‬إلى‭ ‬لجنة‭ ‬نوبل‭ ‬كي‭ ‬تنظر‭ ‬فيها‭ ‬السنة‭ ‬المقبلة‭.‬

جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للأدب‭ ‬والسلام‭ ‬صارت‭ ‬مسخرة،‭ ‬فقد‭ ‬فاز‭ ‬بها‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬مثلا‭ ‬شخص‭ ‬اسمه‭ ‬بوب‭ ‬ديلان،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تسمع‭ ‬به‭ ‬فـ‮«‬خير‭ ‬وبركة‭ ‬وأمك‭ ‬راضية‭ ‬عليك‮»‬،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬ينتج‭ ‬شيئا‭ ‬يستحق‭ ‬مسمى‭ ‬أدب‭. ‬صحيح‭ ‬أنه‭ ‬يكتب‭ ‬شعرا‭ ‬ولكنه‭ ‬شعر‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬أوو‭ ‬بيبي‭. ‬آي‭ ‬لآف‭ ‬يو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تسمعه‭ ‬من‭ ‬حناجر‭ ‬المطربين‭ ‬الأمريكان‭. ‬يعني‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬يفوز‭ ‬شعبولا‭ ‬أيضا‭ ‬بتلك‭ ‬الجائزة،‭ ‬لو‭ ‬قام‭ ‬بإعادة‭ ‬طرح‭ ‬رائعته‭ ‬التي‭ ‬بحب‭ ‬عمرو‭ ‬موسى‭ ‬واكره‭ ‬إسرائيل‭ ‬بجعلها‭ (‬اكره‭ ‬عمرو‭ ‬موسى‭ ‬وبحب‭ ‬إسرائيل‭).‬

أما‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬بط‭ ‬كبدي‮»‬‭ ‬وفقع‭ ‬مرارتي،‭ ‬ونقخ‭ ‬قولوني‭ ‬فهو‭ ‬منح‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬للسيدة‭ ‬ونغاري‭ ‬ماتاي‭ ‬من‭ ‬كينيا‭.. ‬والله‭ ‬لو‭ ‬منحوها‭ ‬لفلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬لكان‭ ‬ذلك‭ ‬بارداً‭ ‬على‭ ‬قلبي‭.. ‬نالت‭ ‬ماتاي‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭ ‬لأنها‭ ‬زرعت‭ ‬بضعة‭ ‬أشجار‭.. ‬حسناً‭ ‬ثلاثين‭ ‬مليون‭ ‬شجرة‭... ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬زراعة‭ ‬الأشجار‭ ‬تعود‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬بالملايين‭ ‬لغادرت‭ ‬المدرسة‭ ‬مبكراً‭ ‬وظللت‭ ‬في‭ ‬بلدتي‭ ‬الصغيرة‭ ‬‮«‬بدين‮»‬‭ ‬تلك‭ ‬الجزيرة‭ ‬التي‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الجهات‭ ‬لأتفرغ‭ ‬للزراعة‭. ‬وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬أنني‭ ‬أحب‭ ‬الخضرة‭ ‬كثيراً‭. ‬أحب‭ ‬الخضرة‭ ‬والماء‭ ‬والوجه‭ ‬الحسن‭. ‬والماء‭ ‬متوافر‭ ‬في‭ ‬‮«‬الخليج‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ظللت‭ ‬أعيش‭ ‬على‭ ‬شواطئه‭ ‬طوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭. ‬والوجه‭ ‬الحسن؟‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭! ‬نظرة‭ ‬مني‭ ‬إلى‭ ‬المرآة‭ ‬تكفي،‭ ‬ويا‭ ‬أرض‭ ‬احفظي‭ ‬ما‭ ‬عليك‭!! ‬والخضرة؟‭ ‬عندي‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬نباتات‭ ‬ظل‭ ‬تجعلك‭ ‬تحسب‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬‮«‬مشتل‮»‬‭.. ‬وعندي‭ ‬في‭ ‬فناء‭ ‬البيت‭ ‬زهور‭ ‬وصبار‭ ‬وشجيرات‭ ‬جميلة‭ ‬ونعناع‭ ‬وبقدونس‭.. ‬أحب‭ ‬النعناع‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأكره‭ ‬البقدونس‭ ‬ولكن‭ ‬قبلت‭ ‬بزراعته‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬لأن‭ ‬زوجتي‭ ‬قالت‭ ‬إن‭ ‬بديل‭ ‬البقدونس‭ ‬سيكون‭ ‬الكوسا،‭ ‬والنوم‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬تنبت‭ ‬فيه‭ ‬الكوسا‭ ‬أقسى‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬من‭ ‬الجلوس‭ ‬أمام‭ ‬ناقة‭ ‬أو‭ ‬شعبولا‭.‬

ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬ما‭ ‬علاقة‭ ‬الأشجار‭ ‬بالسلام؟‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬قالته‭ ‬أكاديمية‭ ‬نوبل‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬تعتبر‭ ‬خدمة‭ ‬للسلام‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقنع‭ ‬شخصاً‭ ‬معرفته‭ ‬بقضايا‭ ‬الصراعات‭ ‬والسلام‭ ‬مثل‭ ‬معرفة‭ ‬المطربة **** بمسائل‭ ‬الحلال‭ ‬والحرام‭.. ‬ولكن‭ ‬نيلها‭ ‬الجائزة‭ ‬يفتح‭ ‬فرصاً‭ ‬كثيرة‭ ‬أمامكم‭ ‬أيها‭ ‬القراء‭. ‬جزء‭ ‬منكم‭ ‬يتخصص‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬السمك‭ ‬وإعادته‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬‮«‬حماية‭ ‬للبيئة‭ ‬البحرية‮»‬،‭ ‬وبعضكم‭ ‬يشتري‭ ‬كل‭ ‬أشرطة‭ ‬نانسي‭ ‬وهيفا‭ ‬وأليسا‭ ‬وروبي‭.. ‬إلخ‭ ‬ويلقي‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الميت‭ ‬منعاً‭ ‬لاتساع‭ ‬ثقب‭ ‬الأوزون‭. ‬بس‭ ‬إياك‭ ‬تقول‭ ‬في‭ ‬بيونسيه‭ ‬أو‭ ‬جاستن‭ ‬بيبر‭ ‬أو‭ ‬ليدي‭ ‬غاغا‭ ‬كلاما‭ ‬مسيئا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يضعك‭ ‬الأمريكان‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬الأشرار‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//