العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

الفلسطينيون وخطاب الوحدة الوطنية

بقلم: رمزي بارود

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠٢٢ - 02:00

في‭ ‬مؤتمر‭ ‬إسطنبول‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬والنشطاء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬معًا‭ ‬لمناقشة‭ ‬سبل‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬مشتركة‭ ‬عن‭ ‬فلسطين،‭ ‬أعلن‭ ‬عضو‭ ‬فلسطيني‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬مداخلة‭ ‬مقتضبة‭ ‬ولكنها‭ ‬نارية‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬هنودًا‭ ‬حمر‮»‬‭.‬

كانت‭ ‬الإشارة‭ ‬قديمة‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬وقد‭ ‬نُسبت‭ ‬إلى‭ ‬الزعيم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬السابق‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات‭ ‬خلال‭ ‬مقابلة‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬في‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬احتجازه‭ ‬ومحاصرته‭ ‬بالقوة،‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بعامين،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬اجتياح‭ ‬المدينة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المكتظة‭ ‬بالسكان‭.‬

قال‭ ‬رئيس‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ورئيس‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المقابلة‭: ‬‮«‬إنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬اجتثاث‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬صامدين‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أضاف‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬فشلت‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬علينا‭... ‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬هنودا‭ ‬حمر‮»‬‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نية‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إهانة‭ ‬السكان‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الأصليين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البيان،‭ ‬الذي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُخرج‭ ‬من‭ ‬سياقه،‭ ‬بالكاد‭ ‬يعكس‭ ‬التضامن‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ونضالات‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬نضالات‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أن‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬زعيم‭ ‬فلسطيني‭ ‬أقام‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬لقد‭ ‬ربط‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬النشطاء‭ ‬عرفات‭ ‬بوعيهم‭ ‬الأول‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينخرطوا‭ ‬في‭ ‬حركات‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬فلسطين‭.‬

ما‭ ‬فاجأني‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬تناقل‭ ‬ذلك‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬إسطنبول‭ ‬بأن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ليسوا‭ ‬‮«‬هنودا‭ ‬حمر‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬استدعي‭ ‬تصفيق‭ ‬الجمهور،‭ ‬والذي‭ ‬توقف‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬أعلن‭ ‬منظم‭ ‬المؤتمر،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسطيني‭ ‬مرموق،‭ ‬محبطًا،‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ليسوا‭ ‬‮«‬حمرا‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬‮«‬هنودا‮»‬‭. ‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬هم‭ ‬ليسوا‭ ‬كذلك‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الهنود‭ ‬الحمر‭ ‬هم‭ ‬الحلفاء‭ ‬الطبيعيون‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مثل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مجتمعات‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين،‭ ‬الذين‭ ‬دعموا‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحرية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الحادث‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬بسيطًا‭ ‬أو‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬اختيار‭ ‬للكلمات‭ ‬يمثل‭ ‬تحديًا‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬يواجه‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وهم‭ ‬يحاولون‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬خطاب‭ ‬جديد‭ ‬حول‭ ‬التحرير‭.‬

منذ‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬كان‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يقاتل‭ ‬على‭ ‬جبهتين‭ ‬مختلفتين‭: ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والفصل‭ ‬العنصري‭. ‬

لكي‭ ‬ينجح‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العدالة،‭ ‬يجب‭ ‬عليهم‭ ‬أيضًا‭ ‬استعادة‭ ‬خطاب‭ ‬موحد،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لإعادة‭ ‬ربط‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬المجزأة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬إعادة‭ ‬تأسيس‭ ‬خطوط‭ ‬التضامن‭ ‬للتواصل‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

أقول‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬تأسيس‮»‬،‭ ‬لأن‭ ‬فلسطين‭ ‬كانت‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النضالات‭ ‬الوطنية‭ ‬والسكان‭ ‬الأصليين‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬نتيجة‭ ‬عشوائية‭.‬

طوال‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬خاضت‭ ‬الشعوب‭ ‬حروب‭ ‬التحرير‭ ‬الضارية‭ ‬عبر‭ ‬القارات،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬هزيمة‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬مثل‭ ‬كوبا‭ ‬وفيتنام‭ ‬والجزائر،‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الاستعمار‭ ‬الحقيقي‭.‬

تعتبر‭ ‬فلسطين‭ ‬حالة‭ ‬معقدة‭ ‬للإمبريالية‭ ‬الغربية‭ ‬والاستعمار‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وقد‭ ‬وجدت‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الدعم‭ ‬والمؤازرة‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬التحرر‭ ‬والنضال‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬فلسطين‭ ‬ولاتزال‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬خير‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬الغرب،‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬والفصل‭ ‬العنصري،‭ ‬والنفاق،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كانت‭ ‬دائما‭ ‬تمثل‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬لمقاومة‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانعتاق‭ ‬والتحرر‭. ‬

اشتهرت‭ ‬فصائل‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومثقفوها‭ ‬ونشطاؤها‭ ‬وهم‭ ‬يحظون‭ ‬بالتقدير‭ ‬والاحترام‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬كسفراء‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

بعد‭ ‬مرور‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬اغتياله‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الموساد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬سيارة‭ ‬مفخخة‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬حصل‭ ‬الروائي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬اللوتس‭ ‬السنوية‭ ‬للأدب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬اتحاد‭ ‬الكتاب‭ ‬الآسيويين‭ ‬والأفارقة‭ ‬تجسيدا‭ ‬للنضال‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬القارتين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬فلسطين‭ ‬رابطًا‭ ‬ماديًّا‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عملت‭ ‬أيضًا‭ ‬كحلقة‭ ‬وصل‭ ‬فكرية‭ ‬وتضامنية‭. ‬لعبت‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬خاضت‭ ‬أيضًا‭ ‬حروب‭ ‬التحرير‭ ‬الوطنية‭ ‬المؤلمة‭ ‬والبطولية‭ ‬الخاصة‭ ‬بها،‭ ‬دورًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬في‭ ‬مركزية‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية‭ ‬للدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬والآسيوية‭.‬

دعمت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬غير‭ ‬العربية‭ ‬القضايا‭ ‬العربية‭ ‬الجماعية،‭ ‬وخاصة‭ ‬فلسطين،‭ ‬كما‭ ‬دفعت‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬عزل‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ودعمت‭ ‬حركات‭ ‬المقاطعة‭ ‬العربية،‭ ‬واستضافت‭ ‬مكاتب‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومقاتليها‭. ‬عندما‭ ‬بدأت‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬أولوياتها‭ ‬السياسية،‭ ‬حذت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬للأسف‭ ‬ولكن‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مفاجئ،‭ ‬حذوها‭.‬

أثرت‭ ‬التغيرات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬لصالح‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬بشكل‭ ‬عميق‭ ‬وسلبي‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬فلسطين‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وبقية‭ ‬العالم‭.‬

كما‭ ‬أنها‭ ‬قسمت‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وأضفت‭ ‬الطابع‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحددها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭. ‬وُضعت‭ ‬غزة‭ ‬تحت‭ ‬حصار‭ ‬دائم،‭ ‬وتم‭ ‬تقسيم‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المستوطنات‭ ‬اليهودية‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬ونقاط‭ ‬التفتيش‭ ‬العسكرية،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬ابتلاع‭ ‬القدس‭ ‬بالكامل‭ ‬وأصبح‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬ضحايا‭ ‬لدولة‭ ‬بوليسية‭ ‬عرفت‭ ‬نفسها‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬عنصرية‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬تخلى‭ ‬عنها‭ ‬العالم‭ ‬وزادت‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬قمعهم‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬هالتهم‭ ‬أحداث‭ ‬جسيمة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬سيطرتهم،‭ ‬انقلب‭ ‬بعض‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ضد‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬عصر‭ ‬الشقاق‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬الفئوية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬وحماس‭ ‬ورام‭ ‬الله‭ ‬وغزة‭. ‬وعلى‭ ‬نفس‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الخطورة‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬تخدم‭ ‬المصالح‭ ‬الضيقة،‭ ‬فإن‭ ‬الخطابات‭ ‬المؤقتة‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬تبنتها‭ ‬القيادات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لا‭ ‬تحكمها‭ ‬أي‭ ‬استراتيجية‭ ‬جماعية‭ ‬أو‭ ‬رواية‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭.‬

عندما‭ ‬تمت‭ ‬الإطاحة‭ ‬بمنظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الغزو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والحرب‭ ‬المدمرة،‭ ‬تغيرت‭ ‬طبيعة‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭. ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬مقرا‭ ‬لها،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬نفسها‭ ‬كقائد‭ ‬لحركة‭ ‬التحرير‭ ‬بأي‭ ‬معنى‭ ‬عملي‭.‬

جاءت‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو‭ ‬المبرمة‭ ‬سنة‭ ‬1993‭ ‬كنتاج‭ ‬عن‭ ‬النفي‭ ‬السياسي‭ ‬وحالة‭ ‬التهميش‭ ‬اللاحقة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬أبرزت‭ ‬اتجاهًا‭ ‬قائمًا‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬حرب‭ ‬التحرير‭ ‬الفعلية‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التحرر‭ ‬الجماعي،‭ ‬والوضع‭ ‬الزائف،‭ ‬والأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬الاستسلام‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التفاوض‭.‬

أصبح‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬الآن‭ ‬مألوفًا‭ ‬ومعترفًا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أقل‭ ‬بحثًا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬تركت‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬مع‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائماً‭ ‬لعقود‭ ‬قبل‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو‭ ‬سنة‭ ‬1993‭. ‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يدركون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬محررة‭ ‬جديدة‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مهمة‭ ‬سهلة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬عملية‭ ‬عشوائية‭.‬

إن‭ ‬التداعيات‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬أوسلو،‭ ‬واللغة‭ ‬الفئوية،‭ ‬والخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإقليمي‭ ‬لمختلف‭ ‬المجتمعات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ترك‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بأدوات‭ ‬محدودة‭ ‬للتعبير‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬أولويات‭ ‬العصر‭ ‬الجديد‭. ‬فالوحدة‭ ‬ليست‭ ‬وثيقة‭ ‬سياسية‭ ‬ولا‭ ‬تضامنا‭ ‬دوليا‭.‬

إن‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬عملية‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لغة‭ ‬يجب‭ ‬التحدث‭ ‬بها‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬وجرأة‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬الجديدة،‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬هم‭ ‬أمريكيون‭ ‬أصليون،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬نزوعهم‭ ‬المفترض‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يتم‭ ‬القضاء‭ ‬عليهم‭ ‬ومحوهم‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬كبريائهم‭ ‬ومرونتهم‭ ‬وسعيهم‭ ‬المستمر‭ ‬لتحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬والعدالة‭.‬

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//