العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

آفاق الدعم الاقتصادي الخليجي لدول الشرق الأوسط.. رؤية غربية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠٢٢ - 02:00

زخر‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬بالتحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والنامية‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬تداعيات‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والطاقة‭ ‬نتيجة‭ ‬لحرب‭ ‬أوكرانيا؛‭ ‬ارتفعت‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬وتوقّع‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬يتباطأ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬6%‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬2%‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬وهو‭ ‬أضعف‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭.‬

وبشكل‭ ‬خاص،‭ ‬تبدو‭ ‬آثار‭ ‬تلك‭ ‬المتغيرات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬ورغم‭ ‬توقعات‭ ‬‮«‬البنك‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬للمنطقة‭ ‬بأن‭ ‬تشهد‭ ‬معدلَ‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬يبلغ‭ ‬5.5%‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬أي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي،‭ ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يخفي‭ ‬أنماطًا‭ ‬غير‭ ‬متساوية‭ ‬لبلدان‭ ‬المنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬وصول‭ ‬متوسط‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬6‭.‬9%‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تشهد‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬معدلًا‭ ‬أقل‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭.‬1%،‭ ‬سينخفض‭ ‬إلى‭ ‬2‭.‬7%‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023‭. ‬وعليه،‭ ‬رأى‭ ‬‮«‬البنك‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬بلدان‭ ‬المنطقة‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬‮«‬مسارات‭ ‬نمو‭ ‬متباينة‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬الدول‭ ‬المصدرة‭ ‬للطاقة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬تقدم‭ ‬فرصًا‭ ‬لتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬مالي‭ ‬قوي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬غيرها‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطًا‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬تحملها‭ ‬فواتير‭ ‬استيراد‭ ‬أعلى‭ ‬للأغذية‭ ‬والطاقة؛‭ ‬وانخفاض‭ ‬قيمة‭ ‬عملاتها‭ ‬المحلية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬أصبح‭ ‬واضحًا‭ ‬دور‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬ثراءً‭ ‬بالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬تقديمها‭ ‬المساعدة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬صعوبات‭ ‬مالية‭. ‬وبتقديم‭ ‬دراسة‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬وُصِف‭ ‬بـ«دبلوماسية‭ ‬الإنقاذ‮»‬،‭ ‬أوضح‭ ‬‮«‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬قدمت‭ ‬حزمَ‭ ‬إنقاذ‭ ‬ضخمة‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تكابد‭ ‬ضائقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وغيرها‭. ‬ورغم‭ ‬التاريخ‭ ‬الطويل‭ ‬للدعم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الخليجي،‭ ‬فإن‭ ‬نقص‭ ‬البيانات‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬إدراك‭ ‬الحجم‭ ‬الحقيقي‭ ‬لتدخلات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الخليجية،‭ ‬أو‭ ‬تقييم‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

ووفقا‭ ‬للدراسة،‭ ‬فإنه‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬الماضية‭ ‬طوّرت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬حزمة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية؛‭ ‬لتشكيل‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬في‭ ‬منطقتها‮»‬،‭ ‬وأدت‭ ‬‮«‬دورًا‭ ‬فريدًا‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬البلدان‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬بما‭ ‬وصف‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجم‭ ‬مُقارنة‭ ‬بالمقدم‭ ‬من‭ ‬المانحين‭ ‬الغربيين،‭ ‬ومتعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬التقليديين‮»‬‭. ‬وبين‭ ‬عامي‭ ‬1974‭ ‬و2022،‭ ‬وزّعت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬231‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬17‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وما‭ ‬وراءه،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‮»‬،‭ (‬81‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭). ‬وبشكل‭ ‬كبير،‭ ‬يرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬السرعة‭ ‬والحجم‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬للخليج‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬بهما‭ ‬الدعم،‭ ‬عبر‭ ‬إيداع‭ ‬ودائع‭ ‬بالبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬ومخصصات‭ ‬الطاقة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمنظمات‭ ‬المالية‭ ‬الغربية‭ ‬أو‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭. ‬

وفي‭ ‬تفصيل‭ ‬لذلك،‭ ‬تأتي‭ ‬السعودية‭ ‬كأكبر‭ ‬مانح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أنها‭ ‬الدولة‭ ‬الخليجية‭ ‬الأقوى‭ ‬اقتصاديًّا‭. ‬وبين‭ ‬عامي‭ ‬1974‭-‬2010‭ ‬مثلت‭ ‬72%‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬المانحين،‭ ‬تليها‭ ‬الإمارات‭ (‬13%‭)‬،‭ ‬والكويت‭ (‬12%‭)‬،‭ ‬وقطر‭ (‬3%‭). ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬بين‭ ‬2011‭-‬2022،‭ ‬ارتفعت‭ ‬الأسهم‭ ‬الإماراتية‭ ‬والقطرية‭ ‬إلى‭ ‬33%‭ ‬و11%‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬السعودية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المساهم‭ ‬الأكبر‭.‬

ومع‭ ‬حدوث‭ ‬تحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬لدى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية؛‭ ‬حدث‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬الدعم‭ ‬المقدم‭. ‬وأوضح‭ ‬‮«‬تشيلسي‭ ‬دولاني‮»‬،‭ ‬و«روري‭ ‬جونز‮»‬،‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬جورنال‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وجّهت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمارات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬صناديق‭ ‬الثروة‭ ‬السيادية‭ ‬لديها،‭ ‬خاصة‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬ومثال‭ ‬ذلك‭ ‬استثمار‭ ‬‮«‬الإمارات‮»‬،‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬والبنوك‭ ‬والأسمدة‭ ‬المصرية‭. ‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬لاحظت‭ ‬‮«‬كارين‭ ‬يونغ‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬مركز‭ ‬سياسة‭ ‬الطاقة‮»‬،‭ ‬وجود‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الخليجية‭ ‬من‭ ‬‮«‬التحويلات‭ ‬المالية‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التركيز‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الأصول‭ ‬في‭ ‬البلدان»؛‭ ‬لتقديم‭ ‬آفاق‭ ‬أكبر‭ ‬للأمن‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬حيث‭ ‬يساعد‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬البلد‭ ‬المستفيد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬أمن‭ ‬تجاري‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬ويضمن‭ ‬تقديم‭ ‬آفاق‭ ‬أكبر‭ ‬لتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬للدولة‭ ‬الخليجية‭ ‬المانحة‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬لعدم‭ ‬اليقين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬أشار‭ ‬‮«‬المعهد‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬وتداعيات‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬التضخم‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬الإقليمي‭ ‬على‭ ‬تدخلات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الخليجية‭. ‬وأوضح‭ ‬‮«‬باتريك‭ ‬كوران‮»‬،‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬تيليمر‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ضعيفة‭ ‬بالفعل‭ ‬بسبب‭ ‬الزيادة‭ ‬البطيئة‭ ‬للديون‭ ‬تواجه‭ ‬الآن‭ ‬صدمات‭ ‬خارجية‭ ‬لم‭ ‬تواجهها‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬‮«‬يتعين‭ ‬عليها‭ ‬العمل‭ ‬لإيجاد‭ ‬طرق‭ ‬بديلة‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجاتها‭ ‬التمويلية‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬قدّمت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬دعمًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬وذكرت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬نيويورك‭ ‬تايمز‮»‬،‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022،‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬تلقت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬22‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬عبر‭ ‬تعهدات‭ ‬استثمارية‭ ‬من‭ ‬الخليج‭. ‬وأودعت‭ ‬‮«‬الرياض‮»‬،‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬بالبنك‭ ‬المركزي‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬مارس،‭ ‬ليصل‭ ‬إجمالي‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬للقاهرة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭. ‬وأشار‭ ‬‮«‬دولاني‮»‬،‭ ‬و«جونز‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تعهد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بتقديم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬مليارات‭ ‬دولار؛‭ ‬لدعم‭ ‬باكستان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفيضانات‭ ‬المدمرة‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬المساعدات‭ ‬المالية‭ ‬الخليجية‭ ‬المقدَّمة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1974،‭ ‬أكّدت‭ ‬الدراسة،‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬تلقت‭ ‬35%‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدعم،‭ ‬يليها‭ ‬العراق‭ (‬29%‭)‬،‭ ‬باكستان‭ (‬12%‭)‬،‭ ‬المغرب‭ (‬6%‭)‬،‭ ‬اليمن‭ (‬5%‭)‬،‭ ‬ولبنان‭ (‬4%‭)‬،‭ ‬السودان،‭ ‬والأردن‭ (‬3%‭). ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الدعم‭ ‬وتزايد‭ ‬المزايا‭ ‬التي‭ ‬تجنيها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬العائدات‭ ‬الهائلة‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬أكّد‭ ‬‮«‬ديفيد‭ ‬باتر‮»‬‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬الملكي‭ ‬للشؤون‭ ‬الدولية،‭ ‬أن‭ ‬تخصيص‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بعض‭ ‬أموالها‭ ‬لحلفائها‭ ‬الإقليميين‭ ‬الأشد‭ ‬احتياجًا‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مشكلة‭. ‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬المزايا‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭. ‬وأكّد‭ ‬‮«‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المساعدات‭ ‬المالية‭ ‬تسمح‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬‮«‬بتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‮»‬،‭ ‬و«حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬للمنطقة‮»‬‭. ‬واستشهد‭ ‬‮«‬الحسن‮»‬،‭ ‬و«لونز‮»‬‭ ‬بثلاثة‭ ‬أمثلة‭ ‬رئيسية‭ ‬عزّزت‭ ‬فيها‭ ‬مساعدات‭ ‬الدعم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المصالح‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج؛‭ ‬منها‭ ‬أولًا‭: ‬تقديم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬للعراق‭ ‬‮«‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬حزم‭ ‬الإنقاذ‭ ‬والإغاثة‮»‬،‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬1980-1988؛‭ ‬لمواجهة‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬نوايا‭ ‬طهران‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979‭. ‬ثانيًا‭: ‬خلال‭ ‬‮«‬اللحظة‭ ‬التاريخية‮»‬‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬للكويت‭ ‬عام‭ ‬1990،‭ ‬استخدمت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الإنقاذ‭ ‬والدعم؛‭ ‬‮«‬لحشد‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭ ‬لتحرير‭ ‬الكويت‮»‬،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬وباكستان‭ ‬والمغرب‭. ‬وفي‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كان‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬لدول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬سُمي‭ ‬بثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬واضحًا،‭ ‬حيث‭ ‬قدمت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬52‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬والسودان‭ ‬والأردن‭ ‬والمغرب‭ ‬وباكستان‭ ‬واليمن؛‭ ‬لضمان‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬بها‭.‬

ومع‭ ‬تعرض‭ ‬اقتصاد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬حاليًا‭ ‬لصدمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى،‭ ‬أشارت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الخليجية‮»‬،‭ ‬‭. ‬ووفقا‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬المحللين،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬المانحة‭ ‬تعلّمت‭ ‬من‭ ‬تجاربها‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬وعدّلت‭ ‬دبلوماسيتها‭ ‬المالية‭. ‬وأكّد‭ ‬‮«‬الحسن‮»‬،‭ ‬و«لونز‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عقلانية‭ ‬وحيطة‭ ‬وقابلًا‭ ‬للانعكاس‭ ‬والتغيير،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تخصيصها‭ ‬بمبالغ‭ ‬أصغر‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭.‬

وتتطلب‭ ‬مناقشة‭ ‬طبيعة‭ ‬المساعدات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬للمنطقة،‭ ‬تقدير‭ ‬حجم‭ ‬تأثير‭ ‬المساعدات‭ ‬المالية‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬لأخرى،‭ ‬فالدعم‭ ‬المقدم‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬والصين‭ ‬هو‭ ‬الأبرز‭. ‬وبخصوص‭ ‬وصول‭ ‬نظام‭ ‬التمويل‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أكّد‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2022،‭ ‬أنه‭ ‬قدم‭ ‬قرضًا‭ ‬بقيمة‭ ‬3‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬لمصر‭. ‬والتزم‭ ‬‮«‬البنك‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬بتقديم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬للمنطقة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬يونيو‭ ‬2021‭ ‬و2022،‭ ‬ووُجِّهَت‭ ‬4.1‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬للبلدان‭ ‬متوسطة‭ ‬الدخل،‭ ‬و814‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬صندوق‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدولية‭ ‬للتنمية،‭ ‬و80‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أخرى‭ ‬خُصِّصت‭ ‬للتنمية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬وتقدم‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬ونظيراتها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأخرى،‭ ‬مبالغ‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يُلاحَظ‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬أكثر‭ ‬ترددًا‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬نفس‭ ‬النهج‭ ‬المباشر‭ ‬للمساعدات‭ ‬المالية‭ ‬الذي‭ ‬تبنته‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬النتائج‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬أقل‭ ‬تأثيرًا‭ ‬ونفوذًا‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬المالية‭ ‬المستقبلية‭ ‬للدول‭ ‬المتلقية‭ ‬للمساعدات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬رأى‭ ‬‮«‬الحسن‮»‬،‭ ‬و«لونز‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الإنقاذ‭ ‬والمساعدات‭ ‬الخليجية‭ ‬ستستمر‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬‮«‬تداعيات‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‮»‬‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬وأشارا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لطالما‭ ‬تُدعى‭ ‬بانتظام‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الغربية؛‭ ‬لمساعدة‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات،‭ ‬فيما‭ ‬لاحظا‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تطالب‭ ‬بضمان‭ ‬أمنها‭ ‬والمصالح‭ ‬السياسية‭ ‬بشكل‭ ‬مستقل‭ ‬عن‭ ‬الأولويات‭ ‬الغربية،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الفكرة‭ ‬القائلة‭ ‬بأن‭ ‬شركاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمنيين‭ ‬سيسعون‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬التصرف‭ ‬واستقلال‭ ‬سياستهم‭.‬

وبالفعل،‭ ‬تعد‭ ‬‮«‬الصين‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬الجهات‭ ‬المانحة‭ ‬الناشئة‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق،‭ ‬اتفقت‭ ‬على‭ ‬عقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصفقات‭ ‬مع‭ ‬نحو‭ ‬72‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬وإفريقيا؛‭ ‬لتعاون‭ ‬اقتصادي‭ ‬أوثق‭. ‬وأشار‭ ‬‮«‬تشارلز‭ ‬دن‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسة‭ ‬السياسات‮»‬،‭ ‬أنه‭ ‬بحلول‭ ‬يناير‭ ‬2021،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وُزّع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬123‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬مشروعات‭ ‬المبادرة‭. ‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬الانكماش‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬لـ«بكين‮»‬،‭ ‬أفاد‭ ‬‮«‬جون‭ ‬كالابريس‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬معهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬المبادرة‭ ‬‮«‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬متعددة‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬مسؤولي‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬بـ«عملية‭ ‬إعادة‭ ‬تقويم‮»‬‭ ‬لاستكشاف‭ ‬سبل‭ ‬جعل‭ ‬المبادرة‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭. ‬ومع‭ ‬تدهور‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الشريكة‭ ‬بالمبادرة،‭ ‬وتراجع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المشروعات‭ ‬التي‭ ‬ستُموَّل،‭ ‬فمن‭ ‬غير‭ ‬المؤكد‭ ‬اتضاح‭ ‬مدى‭ ‬التأثير‭ ‬المستقبلي‭ ‬لتلك‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭.‬

على‭ ‬العموم،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬المكاسب‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجيو‭-‬اقتصادية‮»‬،‭ ‬للمساعدات‭ ‬الخليجية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬أيّة‭ ‬مبادرات‭ ‬تتم‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬ومع‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬المساعدات‭ ‬هذا‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحدي‭ ‬الممارسات‭ ‬التنموية‭ ‬والمالية‭ ‬الراسخة‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬الغرب،‭ ‬فقد‭ ‬أضاف‭ ‬‮«‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‮»‬،‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الإنقاذ‭ ‬والإغاثة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬استهدافًا‭ ‬وأقل‭ ‬نطاقًا»؛‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ستظل‭ ‬مدفوعة‭ ‬برغبة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مصالحها‭ ‬واستقرارها‭ ‬الإقليمي‭ ‬ونموها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتأكيد‭ ‬مدى‭ ‬استقلال‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬،‭ ‬و«أوروبا‮»‬،‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬إقليمي‭ ‬جيوسياسي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بأسرها‭.‬

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//