العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أخطاء القيادات الكردية لم تتوقف

على‭ ‬مدى‭ ‬عدة‭ ‬عقود،‭ ‬ومنذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فيها‭ ‬الأقلية‭ ‬الكردية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬وإيران‭ ‬وتركيا،‭ ‬فإن‭ ‬الفصائل‭ ‬الكردية‭ ‬المسلحة‭ ‬لم‭ ‬تتعلم‭ ‬من‭ ‬أخطائها‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬والضرر‭ ‬الفادح‭ ‬بأبناء‭ ‬جلدتها،‭ ‬فطوال‭ ‬تلك‭ ‬العقود‭ ‬وخلال‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع‭ ‬عمدت‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬إلى‭ ‬رهن‭ ‬قراراتها‭ ‬للقوى‭ ‬الخارجية‭ ‬ذات‭ ‬المصلحة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬إضرارا‭ ‬بمصالح‭ ‬أوطانها‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬أرضها،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مثلا‭ ‬حين‭ ‬تحالفت‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬العراقية‭ ‬مع‭ ‬شاه‭ ‬إيران‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬رضا‭ ‬بهلوي‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ومع‭ ‬الغزاة‭ ‬الأمريكان‭ ‬والقوى‭ ‬الخارجية‭ ‬الأخرى،‭ ‬وعلى‭ ‬حساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬العراقية‭ ‬والتي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬مصلحة‭ ‬الأقلية‭ ‬الكردية‭ ‬أيضا‭ ‬باعتبارهم‭ ‬مواطنين‭ ‬عراقيين،‭ ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬نجده‭ ‬الآن‭ ‬جليا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية‭ ‬اتي‭ ‬وضعت‭ ‬بيضها‭ ‬بأكمله‭ ‬في‭ ‬السلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬وإنما‭ ‬تفتيت‭ ‬سوريا‭.‬

تعويل‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬لهذه‭ ‬القيادات‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬جعبتها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬لا‭ ‬تهمها‭ ‬سوى‭ ‬مصالحها‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حين‭ ‬خططت‭ ‬ونفذت‭ ‬جريمة‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬وإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬حيث‭ ‬وفرت‭ ‬‮«‬الأمن‮»‬‭ ‬و«الحماية‮»‬‭ ‬للمناطق‭ ‬الكردية‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬العراق،‭ ‬لكنها،‭ ‬أي‭ ‬واشنطن،‭ ‬‮«‬توخت‮»‬‭ ‬حين‭ ‬أقدمت‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬العراقية‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬استفتاء‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدركت‭ ‬أمريكا‭ ‬أن‭ ‬تأييد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬لن‭ ‬يحقق‭ ‬للأكراد‭ ‬مبتغاهم‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الرفض‭ ‬القاطع‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأربع‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ (‬العراق‭ ‬إيران‭ ‬سوريا‭ ‬تركيا‭)‬،‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭.‬

الخطأ‭ ‬الذي‭ ‬ارتكبه‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬سواء‭ ‬بتحالفهم‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬شاه‭ ‬إيران‭ ‬وسعيهم‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬الأم،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ارتمائهم‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬غزت‭ ‬العراق‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وذهابهم‭ ‬إلى‭ ‬استفتاء‭ ‬الانفصال،‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬الفادح،‭ ‬يكرره‭ ‬أشقاؤهم‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬فالقيادات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية‭ ‬استغلت‭ ‬الأوضاع‭ ‬الأمنية‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬سوريا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬حين‭ ‬حولتها‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬إلى‭ ‬مرتع‭ ‬لمختلف‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬دعم‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‮»‬،‭ ‬واستهدفت‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬دغدغة‭ ‬مشاعر‭ ‬الأكراد‭ ‬السوريين‭ ‬وتشجيعهم‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬التوجهات‭ ‬الانفصالية‭ ‬مدعومة‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬

فالقيادات‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬بيضها‭ ‬في‭ ‬السلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتحالفت‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬والقوى‭ ‬الغربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬واتكأت‭ ‬على‭ ‬دعمهم‭ ‬لها،‭ ‬أوقعت‭ ‬نفسها‭ ‬بين‭ ‬فكي‭ ‬النظامين‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وتركيا‭ ‬حيث‭ ‬تعتبرهم‭ ‬دمشق‭ ‬عملاء‭ ‬لقوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي،‭ ‬فيما‭ ‬أنقرة‭ ‬تنظر‭ ‬إليهم‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬جزء‭ ‬مكمل‭ ‬لما‭ ‬تراه‭ ‬مشروعا‭ ‬انفصاليا‭ ‬يقوده‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬التركي‭ ‬وهو‭ ‬مصنف‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أنقرة،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الفصائل‭ ‬الكردية‭ ‬السورية،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جماعات‭ ‬إرهابية‭ ‬وهي‭ ‬تتعرض‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬لهجمات‭ ‬تركية‭ ‬آخرها‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬العملية‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬مدينة‭ ‬إسطنبول‭ ‬التركية‭ ‬ووجهت‭ ‬أنقرة‭ ‬الاتهام‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬التركي‭.‬

بمجرد‭ ‬أن‭ ‬شرعت‭ ‬أنقرة‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليتها‭ ‬العسكرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬السوري‭ ‬ضد‭ ‬الفصائل‭ ‬الكردية‭ ‬المسلحة‭ ‬المتحالفة‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬والدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تحتل‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬السورية،‭ ‬سارعت‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬‮«‬تفهمها‮»‬‭ ‬‮«‬للهواجس‭ ‬الأمنية‭ ‬التركية‭ ‬وبأن‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬التركي‭ ‬يتعرض‭ ‬لتهديدات‭ ‬خطيرة‮»‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التعاطف‭ ‬أو‭ ‬تأكيد‭ ‬دعمها‭ ‬لهذه‭ ‬الفصائل،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬أنها،‭ ‬أي‭ ‬واشنطن‭ ‬وحلفائها‭ ‬أيضا،‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للتضحية‭ ‬بهذه‭ ‬الفصائل‭ ‬كلما‭ ‬اقتضت‭ ‬مصالحهم‭ ‬ذلك،‭ ‬وهذه‭ ‬المصالح‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مع‭ ‬تركيا،‭ ‬كونها‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬وعضو‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭). ‬

لم‭ ‬يتعلم‭ ‬قادة‭ ‬الفصائل‭ ‬الكردية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والقوى‭ ‬الخارجية‭ ‬الأخرى‭ ‬تستخدمهم‭ ‬كأوراق‭ ‬في‭ ‬حساباتها‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬ثبت‭ ‬ذلك‭ ‬إبان‭ ‬حكم‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ويثبت‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬حيث‭ ‬تلعب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالورقة‭ ‬الكردية‭ ‬بهدف‭ ‬تفتيت‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬لسوريا،‭ ‬وما‭ ‬يسمى‭ ‬بالتحالف‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬غطاء‭ ‬لهذه‭ ‬الأهداف‭ ‬الخبيثة،‭ ‬وأن‭ ‬قبول‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية‭ ‬بالانخراط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬‮«‬ضد‮»‬‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬مشاركة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬جريمة‭ ‬التفتيت‭ ‬للوطن‭ ‬السوري،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬فإن‭ ‬القيادات‭ ‬الكردية‭ ‬لم‭ ‬تستوعب‭ ‬الدروس‭ ‬ولم‭ ‬تستفد‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬تحالفاتها‭ ‬المتعددة‭ ‬مع‭ ‬الغرباء‭ ‬وأعداء‭ ‬أوطانها؟‭!‬

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//