العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

الثقافي

سـرديـات: علي الشرقاوي وسرديته الكبرى (الغاجاراشا ملحمة الغجر)

بقلم: د. ضياء الكعبي

السبت ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٢ - 02:00

في‭ ‬رواية‭ (‬سيرة‭ ‬المنتهى‭: ‬عِشْتُها‭ ‬كما‭ ‬اشْتَهَتني‭!) ‬للروائي‭ ‬الجزائري‭ ‬واسيني‭ ‬الأعرج‭ ‬يغادر‭ ‬السارد‭ (‬واسيني‭) ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬العروج‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬جده‭ ‬الأكبر‭ ‬الرُّوخو‭ ‬الذي‭ ‬ينام‭ ‬في‭ ‬مرقده‭ ‬الأخير‭ ‬بجبل‭ ‬النار‭. ‬يرى‭ ‬واسيني‭ ‬تابوته‭ ‬مكتوبًا‭ ‬عليه‭ ‬اسمه‭ ‬وتاريخ‭ ‬ميلاده‭ ‬ووفاته‭ ‬بالعربيّة‭ ‬واللاتينية‭ ‬وكلمة‭ ‬صغيرة‭ ‬كان‭ ‬يرددها‭ ‬دائمًا‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬عشتها‭ ‬كما‭ ‬اشتهتني‭ ‬لأنَّها‭ ‬كانت‭ ‬الأقوى‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬استثناءً‭ ‬عظيمًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬إلهًا‭ ‬صغيرًا،‭ ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أمر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬كغيمة‭ ‬جافة‮»‬‭. ‬لم‭ ‬تحظّ‭ ‬النصوص‭ ‬الأخيرة‭ ‬للشاعر‭ ‬البحريني‭ ‬علي‭ ‬الشرقاوي‭ ‬باشتغالات‭ ‬نقدية‭ ‬جادة‭ ‬رصينة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تحليل‭ ‬الخطاب‭ ‬الإبداعي‭ ‬عنده،‭ ‬وأخص‭ ‬بالذكر‭ ‬تلك‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تتواشج‭ ‬بعمق‭ ‬لتسفر‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭ ‬الكونيّة‭ ‬الكبرى‭. ‬وأعد‭ ‬نصه‭ ‬الملحمي‭ (‬الغاجاراشا‭: ‬ملحمة‭ ‬الغجر‭) ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬التجليات‭ ‬الكاشفة‭ ‬لديه؛‭ ‬إذ‭ ‬يتقمص‭ ‬الشاعر‭ ‬روح‭ ‬أحد‭ ‬أحفاد‭ ‬الغجر‭ ‬ويروي‭ ‬سرديتهم‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يتماهى‭ ‬معها‭:‬

‮«‬ثلاثون‭ ‬عامًا‭ ‬وأكثر،‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الكلام‭ ‬

أغوصُ‭ ‬وأطفو،‭ ‬ثم‭ ‬أغوص‭ ‬لأطفو‭ ‬لأنظر،‭ ‬ماذا‭ ‬فعلتُ‭ ‬بذاك‭ ‬الغلام

وأذكرُ‭.. ‬أنسى،‭ ‬ندى‭ ‬الاحتلام

رأيتُ‭ ‬صباي،‭ ‬رأيتُ‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬سواي

رأيتُ‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬دمي،‭ ‬وأمي‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬الأرض

في‭ ‬حلمها،‭ ‬رأيتُ‭ ‬السماوات‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الابتسام‮»‬‭.‬

ينحاز‭ ‬الشرقاوي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬الكونيّة‭ ‬إلى‭ ‬سرد‭ ‬مغاير‭ ‬يغادر‭ ‬فيه‭ ‬عوالمه‭ ‬الممكنة‭ ‬الواقعية‭ ‬المرجعية‭ ‬والمتخيّلة‭ ‬في‭ ‬مسرحه‭ ‬الأسطوري‭ ‬التاريخي‭ (‬السموأل‭)‬،‭ ‬و‭(‬البرهامة‭)‬،‭ ‬و‭(‬طرفة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭)‬،‭ ‬و‭(‬تراجيديا‭ ‬المحرق‭) ‬وغيرها‭. ‬إنَّ‭ ‬ملحمته‭ (‬الغاجاراشا‭) ‬هي‭ ‬سردية‭ ‬كونيّة‭ ‬تحتفي‭ ‬بسردياتها‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬فيها‭ ‬جذورها‭ ‬الأولى‭ ‬وهويتها‭ ‬السردية،‭ ‬وعندما‭ ‬تفقد‭ ‬السَّرد‭ ‬تفقد‭ ‬تلك‭ ‬الجذور‭. ‬يشتغل‭ ‬الشرقاوي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬على‭ ‬سبعة‭ ‬كتب‭ ‬كبرى‭ ‬بما‭ ‬للرقم‭ ‬سبعة‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬دينية‭ ‬مقدسة‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬الخليقة‭ (‬السماوات‭ ‬السبع‭) ‬و‭(‬الأراضي‭ ‬السبع‭) ‬وبما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬الكمال‭ ‬الروحي‭. ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬المطوَّلة‭ ‬في‭ ‬تواريخ‭ ‬الارتحال‭ ‬والهجرات‭ ‬والشتات‭ ‬الغجري‭ ‬تفاجئك‭ ‬نصوص‭ ‬الشرقاوي‭ ‬التي‭ ‬تحاكي‭ ‬جلد‭ ‬المخطوطات‭ ‬العتيقة‭ ‬بأنَّها‭ ‬متمردة‭ ‬تحتفي‭ ‬بهامشيتها،‭ ‬وبأنَّها‭ ‬مغرقة‭ ‬في‭ ‬صوفيتها‭ ‬ومغرقة‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬عناصرها‭ ‬الكونيّة‭. ‬إنَّ‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الورقات‭ ‬المنزوعة‭ ‬من‭ ‬جلد‭ ‬المخطوطات‭ ‬السرية،‭ ‬ليستَ‭ ‬ملحمة‭ ‬تستوطن‭ ‬حفريات‭ ‬الشك،‭ ‬وليستَ‭ ‬أغنية‭ ‬لفراديس‭ ‬القدمين،‭ ‬هي‭ ‬الجملة‭ ‬قبل‭ ‬تفرع‭ ‬ماء‭ ‬النطق،‭ ‬هي‭ ‬الظن‭ ‬الراكض‭ ‬كالقنفذ‭ ‬من‭ ‬رغبة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬إلى‭ ‬عشبه‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬يكون،‭ ‬لها‭ ‬بالتاريخ‭ ‬علاقة‭ ‬ماموث‭ ‬الفطرة‭ ‬بالقاموس،‭ ‬لها‭ ‬أرخيتُ‭ ‬الغفلة‭ ‬في‭ ‬هيجان‭ ‬الرأس،‭ ‬ولها‭ ‬أعطيتُ‭ ‬الهذيان‭ ‬عناوين‭ ‬الفتحة‭ ‬والضمة‭ ‬والفاصل‭ ‬والفصل،‭ ‬من‭ ‬الدم‭/ ‬السرة،‭ ‬أعني‭ ‬سر‭ ‬الأسرار،‭ ‬دخلتُ‭ ‬محاطًا‭ ‬بالغفلة،‭ ‬أمرقُ‭ ‬بين‭ ‬مرايا‭ ‬الطفلة‭ ‬والطفل،‭ ‬مندهش‭ ‬العين‭ ‬ومرتعش‭ ‬القلب،‭ ‬إلى‭ ‬الهم‭ ‬رحلتُ،‭ ‬لأعرف‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أعرف،‭ ‬أو‭ ‬أكشف‭ ‬ما‭ ‬أكشف،‭ ‬ولا‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬المعنى‮»‬،‭ ‬هكذا‭ ‬يعرَّف‭  ‬علي‭ ‬الشرقاوي‭ ‬ملحمته‭ ‬أو‭ ‬سرديته‭ ‬الكبرى‭!‬

 

{ أستاذة‭ ‬السَّرديات‭ ‬والنقد‭ ‬الأدبيّ‭ ‬الحديث‭ ‬المشارك،‭ ‬كلية‭ ‬الآداب،‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//