العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الـــــــرصيــد الحـقيقي للــديمقـراطية

يقولُ‭ ‬الكاتبُ‭ ‬والفيلسوفُ‭ ‬السويسريُّ‭ ‬الشهير‭ ‬جان‭ ‬جاك‭ ‬روسو‭: ‬‮«‬رصيدُ‭ ‬الديمقراطيَّةِ‭ ‬الحقيقيُّ‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬صناديقِ‭ ‬الانتخاباتِ‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الناس‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬حقيقةٌ‭ ‬واقعيَّةٌ‭ ‬تفسرُ‭ ‬لنا‭ ‬حجمَ‭ ‬الإقبالِ‭ ‬الواسعِ‭ ‬على‭ ‬المشاركةِ‭ ‬في‭ ‬التصويتِ‭ ‬خلالَ‭ ‬الاستحقاقِ‭ ‬الانتخابيِّ‭ ‬السادس‭ ‬بمملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬والتي‭ ‬فاقت‭ ‬الـ‭ ‬73‭% ‬وهي‭ ‬الأعلى‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2002‭.‬

البحرين‭ ‬تنتقلُ‭ ‬بخطواتٍ‭ ‬واثقة‭ ‬نحو‭ ‬صياغةِ‭ ‬تجربتها‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬الديمقراطيَّةِ،‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬مع‭ ‬المشروعِ‭ ‬الإصلاحيِّ‭ ‬مع‭ ‬بداياتِ‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬ويبدو‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬البحرينيين‭ ‬قد‭ ‬تشكَّلَ‭ ‬لديهم‭ ‬حصيلةٌ‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬والفهمِ‭ ‬التراكمي‭ ‬تجاه‭ ‬الممارسةِ‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬وتعلَّموا‭ ‬من‭ ‬دروسِ‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬بمختلف‭ ‬عثراتِه‭ ‬ونجاحاته،‭ ‬وبدأوا‭ ‬يتخلصون‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬محاولات‭ ‬الهيمنة‭ ‬الفكريَّة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفرضُها‭ ‬تياراتٌ‭ ‬دينيَّةٌ‭ ‬متباينةُ‭ ‬الأهداف‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تصرُّ‭ ‬على‭ ‬استخدامِ‭ ‬أدواتها‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭.‬

المجتمعُ‭ ‬البحرينيُّ‭ ‬يملكُ‭ ‬تجربةً‭ ‬عريقةً‭ ‬في‭ ‬العملِ‭ ‬الإداري‭ ‬منذ‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وعاش‭ ‬تجربةَ‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الخمسينيات‭ ‬بمشاركة‭ ‬المرأة،‭ ‬ليضعَ‭ ‬أولى‭ ‬لبنات‭ ‬المشاركةِ‭ ‬الشعبيَّة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فهمٍ‭ ‬متطوِّرٍ‭ ‬بإشراك‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬وفئاته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭.‬

{{{{‭   ‬

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الفرحةِ‭ ‬بالنجاح‭ ‬اللافت‭ ‬بالانتخابات‭ ‬وبعيدًا‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات،‭ ‬من‭ ‬فازَ‭ ‬ومن‭ ‬خسرَ،‭ ‬من‭ ‬دخلَ‭ ‬البرلمانَ‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يحالفه‭ ‬التوفيق،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتوقفَ‭ ‬كثيرًا‭ ‬أمامَ‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المشاهدِ‭ ‬التي‭ ‬سجلتها‭ ‬العمليةُ‭ ‬الانتخابيَّةُ‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬في‭ ‬المملكة،‭ ‬حتى‭ ‬نصلَ‭ ‬إلى‭ ‬مخرجاتٍ‭ ‬تسهمُ‭ ‬في‭ ‬مواصلةِ‭ ‬تطوير‭ ‬الحياة‭ ‬السياسيَّة‭ ‬البحرينية‭.‬

{{{{‭   ‬

اليوم،‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬ألفَ‭ ‬شابٍ‭ ‬وشابة‭ ‬ممن‭ ‬بلغوا‭ ‬20‭ ‬عامًا‭ ‬إلى‭ ‬الكتلةِ‭ ‬الانتخابيَّةِ‭ ‬في‭ ‬2022،‭ ‬نجدُ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجيلَ‭ ‬نشأ‭ ‬مع‭ ‬بدايةِ‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬وشهد‭ ‬تطوُّرَها،‭ ‬ويتطلعُ‭ ‬إليها‭ ‬بأنها‭ ‬الأملُ‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ولعل‭ ‬تشكيلَ‭ ‬الحكومةِ‭ ‬برئاسة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬وما‭ ‬ضمته‭ ‬من‭ ‬وجوهٍ‭ ‬شابةٍ‭ ‬عديدة،‭ ‬كان‭ ‬أحدَ‭ ‬الدوافعِ‭ ‬الرئيسيَّة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬45‭.‬37‭% ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أدلوا‭ ‬بأصواتهم‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الشباب،‭ ‬وهنا‭ ‬تقعُ‭ ‬مسؤوليةٌ‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬مؤسسات‭ ‬المملكة‭ ‬سواء‭ ‬التنفيذيَّة‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬التشريعيَّة،‭ ‬أن‭ ‬تحافظَ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأملِ،‭ ‬وتبني‭ ‬عليه،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتأثر‭ ‬بأجواء‭ ‬الإحباطات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسيطرُ‭ ‬على‭ ‬الأجيالِ‭ ‬الأكبر‭ ‬سنًا،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬المجلسَ‭ ‬النيابي‭ ‬معنيٌّ‭ ‬بممارسةِ‭ ‬دوره‭ ‬بفعالية‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التشريعي‭ ‬أو‭ ‬الرقابي،‭ ‬حتى‭ ‬تزيدَ‭ ‬ثقةُ‭ ‬الناخبِ‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬صوته‭ ‬وتأثيره‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبله‭ ‬عبر‭ ‬المؤسساتِ‭ ‬الدستوريَّة‭.‬

{{{{‭   ‬

المرأةُ‭ ‬البحرينية‭ ‬وكبارُ‭ ‬السن‭ ‬وذوو‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة،‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬رفع‭ ‬لواءَ‭ ‬البحرين‭ ‬أولا،‭ ‬وتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الصندوق‭ ‬الانتخابي،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬ثقةٍ‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬أصوات‭ ‬تعبِّرُ‭ ‬عنه‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان،‭ ‬وهي‭ ‬مسؤوليةٌ‭ ‬منوط‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬نائب‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬رجلا‭ ‬أو‭ ‬امرأة‭.‬

{{{{‭   ‬

وصول‭ ‬8‭ ‬سيداتٍ‭ ‬فاضلات‭ ‬إلى‭ ‬قبةِ‭ ‬البرلمان‭ ‬لهو‭ ‬دليلٌ‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الحضاري‭ ‬لمجتمعنا،‭ ‬وتقديرِ‭ ‬النساء‭ ‬وجهودِهن‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬العمل‭ ‬الوطني،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬دليلٌ‭ ‬على‭ ‬الانفتاحِ‭ ‬الفكري‭ ‬للمجتمع‭.‬

{{{{‭   ‬

استمرارُ‭ ‬هيمنة‭ ‬المستقلين‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬النيابي،‭ ‬وفشلُ‭ ‬الجمعيات‭ ‬السياسيَّةِ‭ ‬بمختلف‭ ‬توجهاتها‭ ‬عن‭ ‬الدفع‭ ‬بعناصرَ‭ ‬تقنعُ‭ ‬الناخبَ‭ ‬البحريني،‭ ‬رغم‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬لاحقت‭ ‬أداءات‭ ‬المجالس‭ ‬النيابية‭ ‬في‭ ‬2014‭ ‬و2018‭ ‬بسبب‭ ‬الادعاء‭ ‬بغياب‭ ‬الجمعيات‭ ‬السياسية‭ ‬عنها،‭ ‬يطرحُ‭ ‬علاماتِ‭ ‬استفهامٍ‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬آليات‭ ‬عمل‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭.‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬أكونَ‭ ‬قاسيًا‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الجمعياتِ‭ ‬السياسية،‭ ‬أوجه‭ ‬إليها‭ ‬رسالةً‭ ‬صادقة‭ ‬بأن‭ ‬تدركَ‭ ‬أن‭ ‬البساطَ‭ ‬الشعبي‭ ‬تمَّ‭ ‬سحبُه‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬مختلف‭ ‬الجمعيات‭ ‬السياسية،‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬مختلفة‭ ‬بعضها‭ ‬خارجٌ‭ ‬عن‭ ‬إرادتها،‭ ‬ولكن‭ ‬صلبَ‭ ‬المشكلة‭ ‬يكمنُ‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬خللٍ‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬كيف‭ ‬أنها‭ ‬مازالت‭ ‬أسيرةً‭ ‬لنفس‭ ‬الوجوه‭ ‬ونفس‭ ‬الأفكار‭ ‬البعيدة‭ ‬عن‭ ‬الشارع؟،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬بعضَ‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات‭ ‬فضلوا‭ ‬خوضِ‭ ‬الانتخابات‭ ‬كمستقلين‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬مظلةِ‭ ‬الجمعيات‭ ‬السياسيَّةِ‭ ‬لاستقطاب‭ ‬أصوات‭ ‬الناخبين؟‭!‬

{{{{‭   ‬

من‭ ‬أهم‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬جسدتها‭ ‬العمليةُ‭ ‬الانتخابيَّةُ‭ ‬هو‭ ‬ضعفُ‭ ‬أصوات‭ ‬الترهيب‭ ‬الخارجي‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬البحريني،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬دأبت‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬نغمات‭ ‬نشاز‭ ‬لتخويف‭ ‬وتخوين‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني،‭ ‬في‭ ‬محاولةٍ‭ ‬بائسةٍ‭ ‬لتأليبه‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه،‭ ‬ومحاولاتهم‭ ‬المستمرة‭ ‬للعب‭ ‬على‭ ‬وتر‭ ‬الطائفيَّة‭ ‬في‭ ‬رسائلهم،‭ ‬ولكن‭ ‬أثبت‭ ‬الشارعُ‭ ‬البحرينيُّ‭ ‬بكل‭ ‬مكوناته‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬القفز‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل،‭ ‬وعدم‭ ‬عرقلة‭ ‬المسيرة،‭ ‬بالإصرار‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الوسائل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مقدراته‭.‬

{{{{‭   ‬

الأمانةُ‭ ‬تقتضي‭ ‬منا‭ ‬توجيه‭ ‬كلمة‭ ‬شكر‭ ‬واجبة‭ ‬إلى‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬فردًا‭ ‬فردًا‭ ‬بدايةً‭ ‬من‭ ‬القضاة‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬ورجالات‭ ‬الأمن‭ ‬والمتطوعين‭ ‬في‭ ‬التنظيم،‭ ‬على‭ ‬سمو‭ ‬أخلاقهم‭ ‬ولطفهم‭ ‬وانضباطهم‭ ‬مع‭ ‬الناخبين‭ ‬وخاصة‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬لمساعدتهم‭ ‬وإعطائهم‭ ‬الأولويةَ‭ ‬للإدلاء‭ ‬بأصواتهم‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭.‬

{{{{‭   ‬

تبقى‭ ‬نقطةٌ‭ ‬أخيرة،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الاختبارَ‭ ‬الأول‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب‭ ‬الجديد‭ ‬يتمثَّلُ‭ ‬في‭ ‬قدرتِه‭ ‬على‭ ‬مناقشةِ‭ ‬برنامج‭ ‬عمل‭ ‬الحكومة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬القادمة،‭ ‬تلك‭ ‬المناقشات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بدايةَ‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والبرلمان،‭ ‬والتي‭ ‬يمكنُ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬فتحُ‭ ‬أبواب‭ ‬التفاؤل‭ ‬بجني‭ ‬ثمار‭ ‬النجاح‭ ‬المبهر‭ ‬للانتخابات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//