العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الإرهاب يضرب تركيا من جديد

لم‭ ‬يكن‭ ‬التفجير‭ ‬الإرهابي‭ ‬الذي‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬مدينة‭ ‬إسطنبول‭ ‬التركية‭ ‬يوم‭ ‬الثالث‭  ‬عشر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬الجاري‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬ستة‭ ‬أشخاص‭ ‬وإصابة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬81‭ ‬آخرين‭ ‬بجروح‭ ‬متفاوتة،‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬تركيا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭  ‬وقعت‭ ‬عامي‭ ‬2015‭ ‬و2016‭ ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬حصيلة‭ ‬ضحايا‭ ‬قاربت‭ ‬الــ‭ ‬826‭ ‬شخصا،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعنف‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لها‭ ‬تركيا،‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬أيا‭ ‬تكن‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراءها‭ ‬والأهداف‭ ‬التي‭ ‬تبتغي‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الإجرامية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبريرها‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬ربطها‭ ‬بالسياسة‭ ‬التركية،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالأوضاع‭ ‬الداخلية‭ ‬للبلاد،‭ ‬أو‭ ‬بسياستها‭ ‬الخارجية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭.‬

ليست‭ ‬تركيا‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬ودول‭ ‬المنطقة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬انتشار‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬مثل‭ ‬سوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬تحديدا‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الحواضن‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬بسبب‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قادتها‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬بهدف‭ ‬تخريب‭ ‬وزعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬الدفاع‮»‬‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتمكين‭ ‬مواطني‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬‮«‬نيل‭ ‬حقوقهم‭ ‬المشروعة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الحجج‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬استندت‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬حين‭ ‬أسهمت‭ ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬العقيد‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬والشيء‭ ‬نفسه‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تحقيقه‭ ‬في‭ ‬سوريا‭.‬

ما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬تركيا‭ ‬وتتعرض‭ ‬له‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية،‭ ‬مدانة‭ ‬ومرفوضة‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬أيا‭ ‬تكن‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراءها،‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬قطرة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬سوريا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬عاما،‭ ‬فالمشهد‭ ‬السوري‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬الأذهان‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬تعيث‭ ‬قتلا‭ ‬وتنكيلا‭ ‬بأبناء‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬الشقيق‭ ‬حيث‭ ‬فتحت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬خزائنها‭ ‬وحدودها‭ ‬لتدفق‭ ‬مختلف‭ ‬الجماعات‭ ‬والعناصر‭ ‬الإرهابية‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬الخطأ‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغتفر،‭ ‬باعتباره‭ ‬واحدا،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬وانتشار‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭.‬

فإن‭ ‬التهديدات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تشكلها‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬لا‭ ‬تخص‭ ‬بلدا‭ ‬دون‭ ‬آخر،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تفاوت‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬التهديدات‭ ‬وقدرة‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬على‭ ‬مواجهتها،‭ ‬فإن‭ ‬الطريق‭ ‬الأنجع‭ ‬للتصدي‭ ‬لهذه‭ ‬المخاطر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تعاون‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وتنسيق‭ ‬جهودها‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬لمواجهة‭ ‬المخاطر‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتربص‭ ‬بأمن‭ ‬واستقرار‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التفجيرات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ومنها‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬شارع‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬إسطنبول،‭ ‬أن‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬يهمها‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬استمرارها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬سفك‭ ‬دماء‭ ‬الأبرياء‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أعراقهم‭ ‬وأجناسهم‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعملية‭ ‬الإرهابية‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬وبعد‭ ‬إلقاء‭ ‬السلطات‭ ‬التركية‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المشتبه‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬تنفيذها‭ ‬والمتورطين‭ ‬الآخرين،‭ ‬وجهت‭ ‬هذه‭ ‬السلطات‭ ‬الاتهام‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬التركي‭ ‬الذي‭ ‬تصنفه‭ ‬أنقرة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬جماعة‭ ‬إرهابية‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬العسكرية‭ ‬الرئيسية‭ ‬لهذا‭ ‬الحزب‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬ولكن‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الكردية‭ ‬التركية،‭ ‬وقد‭ ‬نفى‭ ‬الحزب‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬التركية‭ ‬لن‭ ‬تثق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النفي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الأيام‭ ‬القادمة‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬تركية‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفصائل‭ ‬الكردية‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أيضا‭.‬

مشكلة‭ ‬تركيا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬هي‭ ‬خاصة‭ ‬بتركيا‭ ‬وحدها،‭ ‬ولكن‭ ‬الخطر‭ ‬الكبير‭ ‬لا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬وانتشار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬والجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وليبيا،‭ ‬مثل‭ ‬جبهة‭ ‬‮«‬النصرة‮»‬‭ ‬و«داعش‮»‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الفصائل‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬العقيد‭ ‬الليبي‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬وشاركت‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬هي‭ ‬التهديد‭ ‬الحقيقي‭ ‬والخطير‭ ‬للأوضاع‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬وقد‭ ‬تعرضت‭ ‬تركيا‭ ‬لعمليات‭ ‬إرهابية‭ ‬خطيرة‭ ‬أعلن‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬مسؤوليته‭ ‬عن‭ ‬اقترافها‭.‬

فالخطر‭ ‬الذي‭ ‬تشكله‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات،‭ ‬هو‭ ‬خطر‭ ‬يستهدف‭ ‬استقرار‭ ‬وأمن‭ ‬جميع‭ ‬الدول،‭ ‬ويخطئ‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬مداهنته‭ ‬وغض‭ ‬طرفه‭ ‬عن‭ ‬أنشطة‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعطيه‭ ‬الحصانة‭ ‬ضد‭ ‬أعمالها‭ ‬الإجرامية،‭ ‬فبعض‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الشعواء‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الرئيس‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬اقترفت‭ ‬جرائم‭ ‬إرهابية‭ ‬بحق‭ ‬تركيا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬لذلك‭ ‬نقول،‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬درء‭ ‬خطر‭ ‬الإرهاب‭ ‬عليه‭ ‬ألا‭ ‬يكيل‭ ‬بمكيالين‭ ‬وألا‭ ‬ينظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬التهديد‭ ‬الموجه‭ ‬إليه،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬اعتباره‭ ‬البعد‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬يشكله‭ ‬وجود‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//