العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

فلسطين تستجير بمحكمة العدل الدولية

تبنت‭ ‬لجنة‭ ‬إنهاء‭ ‬الاستعمار‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬فلسطيني‭ ‬يطلب‭ ‬رأيا‭ ‬استشاريا‭ ‬من‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬بشأن‭ ‬‮«‬احتلال‭ ‬إسرائيل‭ ‬الطويل‭ ‬الأمد‭ ‬واستيطانها‭ ‬وضمها‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬نال‭ ‬تأييد‭ ‬98‭ ‬دولة‭ ‬مقابل‭ ‬اعتراض‭ ‬17‭ ‬دولة‭ ‬وامتناع‭ ‬52‭ ‬عن‭ ‬التصويت،‭ ‬وهو‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الفلسطيني‭ ‬رياض‭ ‬المالكي‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬إنجاز‭ ‬دبلوماسي‭ ‬وقانوني‮»‬‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يفتح‭ ‬حقبة‭ ‬جديدة‭ ‬لمساءلة‭ ‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬والخطوة‭ ‬التالية‭ ‬التي‭ ‬ستعقب‭ ‬مشروع‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬هو‭ ‬عرضه‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الشهر‭ ‬المقبل‭ ‬للتصويت‭ ‬عليه‭ ‬واعتماده‭ ‬بصفة‭ ‬رسمية،‭ ‬والنتيجة‭ ‬الإيجابية‭ ‬هي‭ ‬الأقرب،‭ ‬لكن‭ ‬العملية،‭ ‬أي‭ ‬التصويت،‭ ‬لن‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الضغط‭ ‬والابتزاز‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭. ‬

طبعا‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يرق‭ ‬للمسؤولين‭ ‬‮«‬الإسرائيليين‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬لأقرب‭ ‬حلفائهم‭ ‬وداعميهم‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬متوقعة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬فيه‭ ‬رائحة‭ ‬دعم‭ ‬للحقوق‭ ‬المشروعة‭ ‬للشعب‭ ‬العربي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬لا‭ ‬مشروعية‭ ‬الاحتلال‭ ‬والاستيطان،‭ ‬وكانت‭ ‬الحجج‭ ‬كلها‭ ‬واهية‭ ‬ومكررة،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ ‬مندوب‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعوة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لإشراك‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬‮«‬فإن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يقوضون‭ ‬أي‭ ‬فرص‭ ‬للمصالحة‮»‬،‭ ‬فيما‭ ‬قال‭ ‬نائب‭ ‬ممثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لدى‭ ‬المنظمة‭ ‬إن‭ ‬الرأي‭ ‬الاستشاري‭ ‬لمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬‮«‬سيأتي‭ ‬بنتائج‭ ‬عكسية‭ ‬ولن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬لإبعاد‭ ‬الطرفين‭ ‬عن‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬نريده‭ ‬جميعا‭ ‬وهو‭ ‬تطبيق‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬عبر‭ ‬المفاوضات‮»‬‭.‬

المصالحة‭ ‬التي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬مندوب‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وليس‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬تسببوا‭ ‬في‭ ‬‮«‬تعطيل‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬المصالحة‭ ‬أو‭ ‬عرقلتها،‭ ‬بل‭ ‬السياسة‭ ‬العدوانية‭ ‬التوسعية‭ ‬التي‭ ‬تصر‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬ممارستها‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬الاستيطان‭ ‬ومصادرة‭ ‬الأراضي‭ ‬وهدم‭ ‬البيوت‭ ‬وتقطيع‭ ‬التواصل‭ ‬الجغرافي‭ ‬والديمغرافي‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والبلدات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات،‭ ‬لا‭ ‬تغلق‭ ‬فقط‭ ‬باب‭ ‬‮«‬المصالحة‮»‬‭ ‬وإنما‭ ‬دمرتها‭ ‬تماما‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬عاما‭ ‬منذ‭ ‬احتلال‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ومدينة‭ ‬القدس‭.‬

ما‭ ‬يضحك‭ ‬ويثير‭ ‬الاستهجان‭ ‬أكثر‭ ‬ليس‭ ‬كلام‭ ‬مندوب‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬بشأن‭ ‬مشروع‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬وإنما‭ ‬كلام‭ ‬نائب‭ ‬ممثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬أسماها‭ ‬بــ«النتائج‭ ‬العكسية‮»‬‭ ‬للرأي‭ ‬الاستشاري‭ ‬القانوني‭ ‬لمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬فهذه‭ ‬القضية،‭ ‬أي‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬حجاب‭ ‬تخفي‭ ‬وراءه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬الداعمون‭ ‬للسياسة‭ ‬التوسعية‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬،‭ ‬دورهم‭ ‬السلبي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬كونهم‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬من‭ ‬التملص‭ ‬ورفض‭ ‬تطبيق‭ ‬جميع‭ ‬القرارات‭ ‬والقوانين‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بهذه‭ ‬القضية؛‭ ‬قضية‭ ‬احتلال‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭.‬

فحل‭ ‬الدولتين‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬المسؤول‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ممكن‭ ‬فقط‭ ‬حين‭ ‬ترفع‭ ‬واشطن‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬غطاء‭ ‬الحماية‭ ‬عن‭ ‬الاستخفاف‭ ‬والاستهتار‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬بالقرارات‭ ‬والقوانين‭ ‬الدولية‭ ‬وتنصاع‭ ‬لما‭ ‬تطلبه‭ ‬هذه‭ ‬القرارات،‭ ‬فأمريكا‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬هم‭ ‬المسؤولون‭ ‬مسؤولية‭ ‬مباشرة‭ ‬عن‭ ‬تعطيل‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬وعن‭ ‬حرمان‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬التمتع‭ ‬بحقوقه‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكاملة‭ ‬أسوة‭ ‬بجميع‭ ‬شعوب‭ ‬المعمورة،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لولا‭ ‬الدعم‭ ‬المطلق‭ ‬والحماية‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬أمريكا‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬للسياسة‭ ‬التوسعية‭ ‬والعدوانية‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬لما‭ ‬تمردت‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬القوانين‭ ‬والقرارات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بهذه‭ ‬القضية‭.‬

فالموقف‭ ‬السلبي‭ ‬لواشنطن‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬بشأن‭ ‬استشارة‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬بشأن‭ ‬احتلال‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬الطويل‭ ‬الأمد‭ ‬للأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬مرده‭ ‬الوحيد،‭ ‬هو‭ ‬الرأي‭ ‬القانوني‭ ‬المنتظر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المحكمة،‭ ‬وهو‭ ‬الرأي‭ ‬الذي‭ ‬سينصف‭ ‬الجانب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تتشدق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬بضرورة‭ ‬وأهمية‭ ‬‮«‬احترامه‮»‬،‭ ‬يرفض‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬الغير‭ ‬ومصادرتها‭ ‬بالقوة،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬القرارات‭ ‬الأممية‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬وافقت‭ ‬عليها‭ ‬واشنطن‭ ‬وحلفاؤها،‭ ‬كلها‭ ‬اعتبرت‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬للأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وعمليات‭ ‬الاستيطان‭ ‬أعمالا‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭ ‬وتتنافى‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

الفلسطينيون‭ ‬طرقوا‭ ‬جميع‭ ‬الأبواب‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬سلام‭ ‬ينصفهم،‭ ‬مع‭ ‬علمهم‭ ‬بأنه‭ ‬سيكون‭ ‬سلاما‭ ‬منقوصا‭ ‬بحكم‭ ‬توازن‭ ‬القوى،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فعندما‭ ‬توجهوا‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الدولية‭ ‬لأخذ‭ ‬رأيها‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬احتلال‭ ‬أرضهم،‭ ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬يرتكبوا‭ ‬جرما‭ ‬ولم‭ ‬يضعوا‭ ‬العصا‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬عملية‭ ‬السلام‭ ‬وحل‭ ‬الدولتين،‭ ‬كما‭ ‬يدعي‭ ‬المسؤول‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهم‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬أصلا‭ ‬سيطرقون‭ ‬باب‭ ‬هذه‭ ‬المحكمة‭ ‬التي‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬قراراتها‭ ‬لن‭ ‬تزحزح‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬عن‭ ‬موقفها،‭ ‬لو‭ ‬ان‭ ‬واشنطن‭ ‬وحلفاءها‭ ‬فتحوا‭ ‬أبواب‭ ‬السلام‭ ‬أمامهم،‭ ‬وعليه‭ ‬فليس‭ ‬أمامهم‭ ‬سوى‭ ‬طرق‭ ‬جميع‭ ‬الأبواب‭ ‬الممكن‭ ‬طرقها،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬أحد‭ ‬لومهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//