العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تركيا على حق أمام الانتهازية الأوروبية

مسيرة‭ ‬تركيا‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬تعد‭ ‬واحدة،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الوحيدة،‭ ‬من‭ ‬المسيرات‭ ‬الطويلة‭ ‬والشاقة‭ ‬والتي‭ ‬شهدت‭ ‬مدى‭ ‬المماطلة‭ ‬وازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬تنتهجها‭ ‬المجموعة‭ ‬الأوروبية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقبول‭ ‬الأعضاء‭ ‬الجدد‭ ‬في‭ ‬صفوفها،‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬دخول‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأعضاء‭ ‬الذين‭ ‬تقدموا‭ ‬بطلب‭ ‬العضوية‭ ‬بعد‭ ‬الجمهورية‭ ‬التركية‭ ‬بعدة‭ ‬سنوات،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬هؤلاء‭ ‬تأتي‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬ودول‭ ‬البلطيق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ضمن‭ ‬جمهوريات‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق،‭ ‬وكان‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬‮«‬بلاده‭ ‬تنتظر‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬منذ‭ ‬52‭ ‬عاما‭ ‬وما‭ ‬زالوا‭ ‬يفعلون‭ ‬نفس‭ ‬الشيء،‭ ‬لكنننا‭ ‬سنرد‭ ‬عندما‭ ‬يحين‭ ‬الوقت‮»‬‭.‬

للعلم،‭ ‬ولتأكيد‭ ‬ازدواجية‭ ‬وانتهازية‭ ‬المجموعة‭ ‬الأوروبية‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬قبولها‭ ‬لأعضاء‭ ‬جدد،‭ ‬فإن‭ ‬تركيا‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1963‭ ‬اتفاقية‭ ‬شراكة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ (‬المجموعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأوروبية‭ ‬آنذاك‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬تقدمت‭ ‬بطلب‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬عضوية‭ ‬الاتحاد،‭ ‬لكن‭ ‬مفاوضات انضمام‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‮ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬وتم‭ ‬تعليقها‭ ‬مرارا‭ ‬بسبب‭ ‬خلافات‭ ‬بعضها‭ ‬مفتعل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أعضاء‭ ‬بالمجموعة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتهم‭ ‬اليونان‭ ‬وقبرص‭ ‬نتيجة‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬الأزمة‭ ‬القبرصية‭ ‬والغزو‭ ‬التركي‭ ‬للجزء‭ ‬التركي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الأوروبية‭.‬

من‭ ‬يتفحص‭ ‬بعناية‭ ‬سير‭ ‬مفاوضات‭ ‬انضمام‭ ‬تركيا‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬سيجد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬لن‭ ‬يغلق‭ ‬مهما‭ ‬تجاوبت‭ ‬تركيا‭ ‬مع‭ ‬المطالب‭ ‬الأوروبية،‭ ‬التعجيزية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬صفحاتها،‭ ‬فبعد‭ ‬مضي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬السبعة‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬تقدم‭ ‬تركيا‭ ‬بطلب‭ ‬الانضمام،‭ ‬لم‭ ‬يفتح‭ ‬سوى‭ ‬16‭ ‬فصلا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬35‭ ‬فصلا‭ ‬من‭ ‬ملف‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬تركيا‭ ‬أن‭ ‬تنتظر‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬النصف‭ ‬قرن‭ ‬حتى‭ ‬يستجيب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لطلبها،‭ ‬وهو‭ ‬لن‭ ‬يستجيب،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬تجاوبت‭ ‬أنقرة‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬مطالبه،‭ ‬فسوف‭ ‬يخرج‭ ‬بعض‭ ‬أعضاء‭ ‬المجموعة‭ ‬الأوروبية‭ ‬لتركيا‭ ‬مطالب‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الأرض،‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬دخول‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الأوروبية‭.‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬مسؤول‭ ‬أوروبي‭ ‬صرح‭ ‬بأن‭ ‬طريق‭ ‬انضمام‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬سيكون‭ ‬طويلا‭ ‬وصعبا،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬قالت‭ ‬صراحة‭ ‬بأن‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مكان‭ ‬لتركيا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬عدم‭ ‬تسريع‭ ‬خطوات‭ ‬الانضمام‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬أهلية‭ ‬تركيا‭ ‬لهذه‭ ‬العضوية‭ ‬وإنما‭ ‬لأسباب،‭ ‬جلها‭ ‬مصطنع،‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وليس‭ ‬مستبعدا‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭ ‬للغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬التركي،‭ ‬إذ‭ ‬ستكون‭ ‬تركيا،‭ ‬لو‭ ‬فتح‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أبوابه‭ ‬أمامها،‭ ‬ستكون‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬المتجانسة‭ ‬دينيا،‭ ‬وفي‭ ‬جوانب‭ ‬كثيرة،‭ ‬اجتماعيا‭.‬

لا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬قادة‭ ‬الجمهورية‭ ‬التركية‭ ‬يجهلون‭ ‬حقيقة‭ ‬مفادها،‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬بلادهم‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬انتمائها‭ ‬الديني‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والجغرافي‭ ‬أيضا،‭ ‬فأبواب‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬مفتوحة‭ ‬أمام‭ ‬تركيا‭ ‬وما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بالدولة‭ ‬التركية‭ ‬من‭ ‬وشائج‭ ‬وعلاقات‭ ‬ثقافية‭ ‬ودينية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬التركية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬هذا‭ ‬المحيط،‭ ‬وما‭ ‬نشأ‭ ‬من‭ ‬خلافات‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تحديدا،‭ ‬لأسباب‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية،‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬ومعالجته،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬حسن‭ ‬نوايا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الجميع،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فقد‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬التركي‭ ‬مؤخرا،‭ ‬إشارات‭ ‬إيجابية‭ ‬جدا‭ ‬بشأن‭ ‬الخلاف‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭ ‬ومع‭ ‬مصر‭ ‬أيضا،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحسنت‭ ‬فيه‭ ‬العلاقات‭ ‬التركية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

عودة‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬العضوية‭ ‬التركية‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬صرح‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬الذي‭ ‬يقرأ‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬سطوره‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬نفاد‭ ‬صبر‭ ‬أنقرة‭ ‬إزاء‭ ‬المماطلة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وهي،‭ ‬أي‭ ‬تركيا،‭ ‬محقة‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬ولا‭ ‬المقبول‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القيادة‭ ‬التركية‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مع‭ ‬دولة،‭ ‬بحجم‭ ‬تركيا،‭ ‬سياسيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وجغرافيا‭ ‬بهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬الفج،‭ ‬فالأمة‭ ‬التركية‭ ‬لها‭ ‬مكانتها‭ ‬وعزتها‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للقيادة‭ ‬التركية‭ ‬أن‭ ‬تقبل‭ ‬المساس‭ ‬بهذه‭ ‬الكرامة،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬قول‭ ‬الرئيس‭ ‬أردوغان‭ ‬‮«‬سنرد‭ ‬عندما‭ ‬يحين‭ ‬الوقت‮»‬‭.‬

تحديد‭ ‬وقت‭ ‬الرد‭ ‬التركي‭ ‬تحدده‭ ‬القيادة‭ ‬التركية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬غيرها،‭ ‬ولا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القيادة‭ ‬سوف‭ ‬تصبر‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬المماطلة‭ ‬والانتهازية‭ ‬الأوروبية‭ ‬وهي‭ ‬ترى‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬تفتح‭ ‬أذرعها‭ ‬وأبوابها‭ ‬على‭ ‬مصاريعها‭ ‬لدول‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وجورجيا،‭ ‬واللتين‭ ‬لا‭ ‬تملكان‭ ‬من‭ ‬المكانة‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والجغرافية،‭ ‬تلك‭ ‬الإمكانيات‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬تركيا،‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬التركية‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬موقف‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬ومكانة‭ ‬وكرامة‭ ‬الشعب‭ ‬التركي‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//