العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

مع الوداع.. طاقة نور

في‭ ‬الجداريَّةِ‭ ‬الشهيرةِ‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬أثينا‮»‬‭ ‬للفنانِ‭ ‬الإيطالي‭ ‬‮«‬رفائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬الفاتيكان‮»‬،‭ ‬جمعَ‭ ‬الرسامُ‭ ‬كلَّ‭ ‬المفكرين‭ ‬والعلماء‭ ‬الذين‭ ‬أثروا‭ ‬في‭ ‬الغربِ‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬الفيلسوفُ‭ ‬المسلمُ‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬الأندلسي‭- ‬قبل‭ ‬النهضةِ‭ ‬الأوروبيَّةِ‭ ‬بقرون‭- ‬ليتذكر‭ ‬العالمُ‭ ‬اليوم‭ ‬أنّ‭ ‬أحدَ‭ ‬عرّابي‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭ ‬كان‭ ‬فيلسوفًا‭ ‬مسلمًا‭.‬

ويقول‭ ‬ابنُ‭ ‬رشد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬تهافت‭ ‬التهافت‭: ‬‮«‬من‭ ‬العدلِ‭ ‬أن‭ ‬يأتيَ‭ ‬الرجلُ‭ ‬من‭ ‬الحججِ‭ ‬لخصومه،‭ ‬بمثلِ‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬لنفسِه‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬أحوجَنا‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬فهمٍ‭ ‬متعمق‭ ‬لهذه‭ ‬القيم،‭ ‬ونحن‭ ‬نعيشُ‭ ‬لحظةً‭ ‬تاريخيَّةً‭ ‬تتجسدُ‭ ‬فيها‭ ‬الرغبةُ‭ ‬في‭ ‬إيجادِ‭ ‬طاقة‭ ‬نورٍ‭ ‬في‭ ‬نفقٍ‭ ‬مظلمٍ‭ ‬من‭ ‬الأفكارِ‭ ‬المتلاطمةِ‭ ‬التي‭ ‬تعصفُ‭ ‬بالبشرية،‭ ‬يسبحُ‭ ‬فيها‭ ‬الإنسانُ‭ ‬باحثًا‭ ‬عن‭ ‬شاطئ‭ ‬الأملِ‭ ‬في‭ ‬مستقبلٍ‭ ‬مستقر‭.‬

وهنا‭ ‬تبرزُ‭ ‬القيمةُ‭ ‬الحقيقيَّةُ‭ ‬للمبادرةِ‭ ‬الملكيَّةِ‭ ‬من‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬عاهل‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬بالدعوةِ‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬‮«‬ملتقى‭ ‬البحرين‭.. ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعايش‭ ‬الإنساني‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬المبادرة‭ ‬التي‭ ‬تعززت‭ ‬بمشاركة‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬فرنسيس‭ ‬بابا‭ ‬الفاتيكان‭ ‬وفضيلة‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف،‭ ‬وعديد‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬الدينيين‭ ‬ورموز‭ ‬الفكر،‭ ‬والتي‭ ‬تمثِّلُ‭ ‬وقفةً‭ ‬إنسانيَّةً‭ ‬مع‭ ‬الذاتِ‭ ‬لينتقلَ‭ ‬الفكرُ‭ ‬البشريُّ‭ ‬من‭ ‬محطةِ‭ ‬الصراعِ‭ ‬إلى‭ ‬محطةِ‭ ‬التعارف،‭ ‬ومن‭ ‬مرحلةِ‭ ‬الصدامِ‭ ‬إلى‭ ‬مرحلةِ‭ ‬التكامل،‭ ‬حتى‭ ‬تقدِّم‭ ‬هذه‭ ‬الحقبةُ‭ ‬من‭ ‬عمرِ‭ ‬التاريخ‭ ‬إسهاماتِها‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الإنساني‭ ‬للكون‭.‬

{{{

كم‭ ‬كان‭ ‬فضيلةُ‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬بليغًا‭ ‬عندما‭ ‬قال‭: ‬‮«‬إنَّ‭ ‬الغربَ‭ ‬في‭ ‬حاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬حِكْمَةِ‭ ‬الشَّرقِ‭ ‬وأدْيانِه‭ ‬وما‭ ‬تَربَّى‭ ‬عليه‭ ‬النَّاسُ‭ ‬من‭ ‬قِيَمٍ‭ ‬خُلُقيَّةٍ،‭ ‬ونظرةٍ‭ ‬مُتوازنة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسانِ‭ ‬والكون‭ ‬وخالقِ‭ ‬الكون،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬روحانيَّةِ‭ ‬الشَّرق،‭ ‬وعُمْق‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬حقائقِ‭ ‬الأشياء‮»‬‭.‬

‭ ‬‮«‬والشَّيء‭ ‬ذاتُه‭ ‬يُقالُ‭ ‬عن‭ ‬الشَّرقِ،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬حاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬اقتباسِ‭ ‬علوم‭ ‬الغرب‭ ‬والاستعانة‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬نهضَتِه‭ ‬التِّقنية‭ ‬والماديَّة،‭ ‬واستيراد‭ ‬المُنتجات‭ ‬الصِّناعيَّة،‭ ‬من‭ ‬أسواقِ‭ ‬الغرب؛‭ ‬كما‭ ‬يجبُ‭ ‬على‭ ‬الشَّرقيِّين‭ ‬أنْ‭ ‬يَنْظُروا‭ ‬إلى‭ ‬الغربِ‭ ‬نظرةً‭ ‬جديدة‭ ‬فيها‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التَّواضُع،‭ ‬وكثيرٌ‭ ‬من‭ ‬حُسْنِ‭ ‬الظَّنِّ‭ ‬والشُّعُور‭ ‬بالجارِ‭ ‬القريب،‭ ‬والفَهْم‭ ‬المتسامح‭ ‬لمدنيَّة‭ ‬الغرب‭ ‬وعادات‭ ‬الغربيِّين‭ ‬بحُسبانِها‭ ‬نتاج‭ ‬ظروف‭ ‬وتطوُّرات‭ ‬وتفاعُلات‭ ‬خاصَّة‭ ‬بهم‭ ‬دفعوا‭ ‬ثمنَها‭ ‬غاليًا‭ ‬عبرَ‭ ‬قرونٍ‭ ‬عِدَّة‮»‬‭.‬

واستعانَ‭ ‬قداسةُ‭ ‬البابا‭ ‬فرنسيس‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬شجرة‭ ‬الحياة‮»‬‭ ‬ذات‭ ‬المكانةِ‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬تاريخِ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬لتأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬قيم‭ ‬التعايش‭ ‬الإنساني‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬وهناك‭ ‬رمزيةٌ‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاستدلال‭ ‬الفصيح،‭ ‬وهي‭ ‬أهميةُ‭ ‬أن‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬حاجةٍ‭ ‬ماسةٍ‭ ‬إلى‭ ‬زراعةِ‭ ‬بذور‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬مروية‭ ‬بماء‭ ‬المحبة‭ ‬التي‭ ‬أكدها‭ ‬قداستُه‭ ‬خلال‭ ‬ترؤسه‭ ‬القداس‭ ‬الإلهي‭ ‬في‭ ‬استاد‭ ‬البحرين‭ ‬الوطني‭ ‬بحضور‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المسيحيين‭ ‬الذين‭ ‬أتوا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬لافتًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المسيحَ‭ ‬يعطينا‭ ‬القدرةَ‭ ‬على‭ ‬المحبة،‭ ‬أن‭ ‬نحبَّ‭ ‬باسمه،‭ ‬وأن‭ ‬نحب‭ ‬كما‭ ‬أحبّنا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شرط،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬تسيرُ‭ ‬الأمورُ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬ونشعرُ‭ ‬بالحب،‭ ‬إنما‭ ‬دائما،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تجاه‭ ‬أصدقائنا‭ ‬والقريبين‭ ‬منا،‭ ‬بل‭ ‬تجاه‭ ‬الجميع،‭ ‬حتى‭ ‬أعدائنا‭.‬

{{{

تكللَ‭ ‬الملتقى‭ ‬بانعقادِ‭ ‬مجلس‭ ‬حكماء‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬برئاسة‭ ‬مشتركة‭ ‬من‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر‭ ‬وبابا‭ ‬الفاتيكان،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬وتحديات‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‮»‬،‭ ‬ويمثلُ‭ ‬اللقاءُ‭ ‬محطةً‭ ‬مضيئةً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬لزراعة‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬ولادة‭ ‬صحوةٍ‭ ‬جديدة‭ ‬يستيقظُ‭ ‬فيها‭ ‬الضميرُ‭ ‬العالميُّ‭ ‬ليقومَ‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬مجابهةِ‭ ‬التحديات،‭ ‬مع‭ ‬تعدد‭ ‬الأزمات‭ ‬الدوليَّة،‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬منها‭ ‬والاقتصاديَّة‭ ‬والأخلاقيَّة،‭ ‬وأزمات‭ ‬البيئة‭ ‬والمناخ،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬مرجعيَّة‭ ‬عالميَّة‭ ‬جامعة‭ ‬ترشدُ‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬سلك‭ ‬الطريق‭ ‬القويم‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحلول‭ ‬الناجعة‭.‬

{{{

حملت‭ ‬البحرين‭ ‬رسالةَ‭ ‬سلامٍ‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعلان‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬استعداد‭ ‬البحرين‭ ‬للإسهام‭ ‬بأي‭ ‬جهد‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وبدء‭ ‬مفاوضات‭ ‬جادة‭ ‬لخير‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء،‭ ‬في‭ ‬تأكيدٍ‭ ‬جديد‭ ‬للقيم‭ ‬البحرينية‭ ‬الأصيلة‭ ‬التي‭ ‬تشعُّ‭ ‬بها‭ ‬أرضُ‭ ‬المملكةِ‭ ‬الطيبة،‭ ‬وتسعى‭ ‬لتنشرَ‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬الكون‭ ‬لنعمل،‭ ‬يداً‭ ‬بيد،‭ ‬لتحقيق‭ ‬أمل‭ ‬المستقبل‭ ‬المزدهر‭.‬

{{{

اليوم‭ ‬ونحن‭ ‬نودِّعُ‭ ‬بابا‭ ‬الفاتيكان‭ ‬وفضيلةَ‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر،‭ ‬نحملهما‭ ‬مسؤوليَّةً‭ ‬تاريخيَّةً‭ ‬لمواصلةِ‭ ‬العمل‭ ‬لتقوية‭ ‬مسيرة‭ ‬الأخوة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وإحياء‭ ‬سبل‭ ‬التقارب‭ ‬والتفاهم‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أهل‭ ‬الأديان‭ ‬والمعتقدات‭ ‬كمدخلٍ‭ ‬أساسي‭ ‬لإحلال‭ ‬التوافق‭ ‬محل‭ ‬الخلاف،‭ ‬وإرساء‭ ‬الوحدة‭ ‬محل‭ ‬الفرقة‭.‬

ولتكن‭ ‬البداية‭ ‬مع‭ ‬الاستجابة‭ ‬إلى‭ ‬دعوة‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬لبدء‭ ‬حوار‭ ‬إسلامي‭- ‬إسلامي‭ ‬جاد،‭ ‬تتبلورُ‭ ‬نتائجُه‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تقاربٍ‭ ‬حقيقي‭ ‬بين‭ ‬علماء‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مذاهبهم،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قيم‭ ‬التسامح‭ ‬غير‭ ‬المختلف‭ ‬عليها‭ ‬بينهم،‭ ‬ليتمكنَ‭ ‬مليارا‭ ‬مسلم‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬استعادةِ‭ ‬الماضي‭ ‬التليد‭ ‬لحضارتهم‭ ‬التي‭ ‬آثرت‭ ‬البشرية‭ ‬فكريًّا‭ ‬وثقافيًّا‭ ‬وعمليًّا‭.‬

 

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//