العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

لحظة تاريخية.. ورسالة أمل

لم‭ ‬يكن‭ ‬الإنسان‭ ‬أبدًا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اليوم‭.. ‬لأن‭ ‬عظمة‭ ‬البشرية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إنسانًا‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬إنسانية‭.‬

اليوم،‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬عالمنا،‭ ‬عندما‭ ‬نطالع‭ ‬صحفنا‭ ‬اليومية،‭ ‬أو‭ ‬نضبط‭ ‬مؤشر‭ ‬التلفزيون،‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬التجول‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬أخبارًا‭ ‬عالمية‭ ‬جيدة‭.‬

نحن‭ ‬نشهد‭ ‬فقط‭ ‬قصصًا‭ ‬حزينة‭ ‬ومأساوية‭ ‬ومفجعة‭ ‬للقلب،‭ ‬بعضها‭ ‬يرتكبها‭ ‬رجال‭ ‬ذوو‭ ‬نفوذ،‭ ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فاقدي‭ ‬العقول‭ ‬الذين‭ ‬يلوحون‭ ‬بالأسلحة‭ ‬ويزهقون‭ ‬أرواح‭ ‬التلاميذ‭ ‬الأبرياء‭ ‬في‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية‭.‬

لذا‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الخطأ‭ ‬بيننا،‭ ‬أو‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الخطأ‭ ‬فينا؟

بالتأكيد‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬لأن‭ ‬الأشخاص‭ ‬متعلمون‭ ‬جيدًا‭ ‬وأولئك‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬لإيذاء‭ ‬الأطفال،‭ ‬غالبًا‭ ‬زملاؤهم‭ ‬في‭ ‬الفصل،‭ ‬بالكاد‭ ‬أميون‭.‬

ما‭ ‬نفتقده‭ ‬هو‭ ‬شيء‭ ‬أعظم‭ ‬بكثير،‭ ‬شيء‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موجودًا‭ ‬ليحكمنا‭ ‬ويحمينا‭ ‬جميعًا‭ ‬من‭ ‬أخطاء‭ ‬وعيوب‭ ‬السلوك‭ ‬والمواقف‭. ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬ذلك‭ ‬بكلمة‭ ‬واحدة‭... ‬الإيمان‭.‬

جاءت‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬لإصلاح‭ ‬الإنسان،‭ ‬لتحديد‭ ‬الصواب‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬للتفريق‭ ‬بين‭ ‬النعمة‭ ‬والجشع،‭ ‬والتفريق‭ ‬بين‭ ‬اللطف‭ ‬والقسوة،‭ ‬ومساعدة‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬الخيارات‭ ‬الصحيحة‭.. ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬يعود‭ ‬إلينا‭.‬

نحن‭ ‬محظوظون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬الأخرى،‭ ‬لأننا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬متسامح،‭ ‬يقبل‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭.‬

يمكن‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذه‭ ‬المناسبة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬يقيمها‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬والتي‭ ‬وجه‭ ‬فيها‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬سلطتين‭ ‬في‭ ‬المسيحية‭ ‬والإسلام‭ ‬لزيارة‭ ‬البحرين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زعماء‭ ‬دينيين‭ ‬آخرين،‭ ‬للاجتماع‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬‮«‬ملتقى‭ ‬البحرين‭.. ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعايش‭ ‬الإنساني‮»‬‭.‬

}}}

هذا‭ ‬الملتقى‭ ‬يأتي‭ ‬تتويجا‭ ‬لجهود‭ ‬حثيثة‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬لنشر‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬السلام‭ ‬والتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬محليا‭ ‬وإقليميا‭ ‬وعالميا،‭ ‬إيمانا‭ ‬من‭ ‬جلالته‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الوسيلة‭ ‬الفضلى‭ ‬لحل‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تحيق‭ ‬بالبشرية،‭ ‬والتي‭ ‬تتطلب‭ ‬تعاضد‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬أخيه‭ ‬الإنسان‭ ‬لتجاوز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬الإنسان‭ ‬بيده‭.‬

جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬انطلق‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬تاريخية‭ ‬للتعايش‭ ‬في‭ ‬مملكتنا‭ ‬الغالية،‭ ‬وأسلوب‭ ‬حياة‭ ‬مواطنيها،‭ ‬فالبحرين‭ ‬رغم‭ ‬رقعتها‭ ‬الجغرافية‭ ‬الصغيرة،‭ ‬كانت‭ ‬ومازالت‭ ‬واحة‭ ‬للتعايش،‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬تجتمع‭ ‬الأديان‭ ‬السماوية‭ ‬والمذاهب‭ ‬والمعتقدات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتوفر‭ ‬حرية‭ ‬المعتقد‭ ‬وحرية‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬فيها‭. ‬

ولعل‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تدشينه‭ ‬في‭ ‬2017‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كان‭ ‬مبادرة‭ ‬ملكية‭ ‬سامية‭ ‬لنشر‭ ‬الرؤية‭ ‬البحرينية‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬والإنساني‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬5‭ ‬مبادئ‭ ‬تعد‭ ‬منهاجا‭ ‬للسلام‭ ‬العالمي،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الجهل‭ ‬عدو‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الكراهية‭ ‬والعنف‮»‬،‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬الاختيار‭ ‬والاعتقاد‮»‬،‭ ‬‮«‬التبرؤ‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الخاطئة‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬تشجيع‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والتعاون‮»‬‭.‬

المتمعن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬الخمسة‭ ‬يجد‭ ‬أنها‭ ‬الأساس‭ ‬الصلب‭ ‬لخلق‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬جماعي‭ ‬إنساني‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬معاناة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬بتأسيس‭ ‬مركز‭ ‬حمد‭ ‬العالمي‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي،‭ ‬وسيلة‭ ‬لنشر‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭.‬

}}}

قداسة‭ ‬بابا‭ ‬الفاتيكان،‭ ‬عندما‭ ‬يحل‭ ‬ضيفا‭ ‬على‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يؤكد‭ ‬المكانة‭ ‬الرفيعة‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القيم‭ ‬الروحية،‭ ‬ولا‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬احتضانها‭ ‬لأكبر‭ ‬كاتدرائية‭ ‬كاثوليكية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬افتتاحها‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬عوالي،‭ ‬وتم‭ ‬استخدام‭ ‬أفضل‭ ‬التصميمات‭ ‬المعمارية‭ ‬وأرقى‭ ‬المواصفات‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬بنائها‭ ‬لتصبح‭ ‬معلما‭ ‬دينيا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة،‭ ‬وتجسد‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬تعايش‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والطوائف‭ ‬والمذاهب‭.‬

وجود‭ ‬الحبر‭ ‬الأعظم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬سيمثل‭ ‬محطة‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الأخوة‭ ‬والتفاهم،‭ ‬وفي‭ ‬نمو‭ ‬وتكثيف‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬وممثليه‭.‬

}}}

دعوة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬إلى‭ ‬فضيلة‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬د‭. ‬أحمد‭ ‬الطيب‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف‭ ‬لزيارة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وعقد‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬حكماء‭ ‬المسلمين‭ ‬هنا،‭ ‬تعكس‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬البحرين‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لعمق‭ ‬تجربتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعايش‭ ‬والحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬وتجسيدًا‭ ‬لرؤية‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬لتحقيق‭ ‬التعايش‭ ‬والسلام‭ ‬العالمي،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬رؤية‭ ‬قادة‭ ‬وزعماء‭ ‬الأديان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬العصر؛‭ ‬وتقديم‭ ‬خطوات‭ ‬جادة‭ ‬وحلول‭ ‬عملية‭ ‬وواقعية‭ ‬لهذه‭ ‬التحديات‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬ديني‭ ‬وشرعي‭ ‬بما‭ ‬يُسهمُ‭ ‬في‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬البشرية‭.‬

}}}

اجتماع‭ ‬بابا‭ ‬الفاتيكان‭ ‬وشيخ‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬يأتي‭ ‬لنشر‭ ‬رسالة‭ ‬أمل‭ ‬وهدف‭ ‬مشترك‭ ‬في‭ ‬توحيدنا‭ ‬حتى‭ ‬نتمكن‭ ‬جميعًا‭ ‬من‭ ‬التصرف‭ ‬بطريقة‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإنسانية‭.‬

التعايش‭ ‬في‭ ‬سلام،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خير‭ ‬الجميع،‭ ‬شيء‭ ‬نصلي‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬جميعًا‭.‬

نقلاً‭ ‬عن‭ ‬الشاعرة‭ ‬والناشطة‭ ‬الحقوقية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الراحلة‭ ‬مايا‭ ‬أنجيلو‭: ‬‮«‬تأكد‭ ‬من‭ ‬أنك‭ ‬لن‭ ‬تموت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬شيئًا‭ ‬رائعًا‭ ‬للإنسانية‮»‬‭.‬

 

أنور‭ ‬عبدالرحمن

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//