العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

مأساة الشباب العربي الهاربين عبر البحر إلى أوروبا!

بقلم: د. نبيل العسومي

الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

تحول‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬شهد‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬موجة‭ ‬ما‭ ‬سمى‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬المشؤوم‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬فاشلة‭ ‬تسودها‭ ‬الفوضى‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قبل‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬دولا‭ ‬ناجحة‭ ‬أو‭ ‬مزدهرة‭ ‬ومتقدمة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬الملعونة‭ ‬أفضل‭ ‬بنسبة‭ ‬100%،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هنالك‭ ‬مجاعات‭ ‬ولا‭ ‬مصائب‭ ‬ولا‭ ‬كوارث‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هنالك‭ ‬مشاكل‭ ‬أمنية‭ ‬تتعلق‭ ‬بأمن‭ ‬المجتمع‭ ‬وكانت‭ ‬نسبة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬متوسطة‭ ‬ومقبولة‭ ‬ونسب‭ ‬الجريمة‭ ‬منخفضة‭ ‬وكانت‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭.‬

أما‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬انحسار‭ ‬موجة‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬المشؤومة‭ ‬ظهرت‭ ‬المصائب‭ ‬والكوارث‭ ‬تلو‭ ‬الكوارث،‭ ‬ولسنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نتوسع‭ ‬في‭ ‬تفصيل‭ ‬هذه‭ ‬المصائب‭ ‬لأنها‭ ‬معلومة‭ ‬وموثقة‭ ‬ومشاهدة‭ ‬للعيان،‭ ‬يكفي‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نمر‭ ‬سريعا‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬الفوضوية‭ ‬والبائسة‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬حتى‭ ‬ندرك‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬إفلاس‭ ‬مالي‭ ‬واقتصادي‭ ‬وفوضى‭ ‬سياسية‭ ‬وصراع‭ ‬وحشود‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬وقتل‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬وانتشار‭ ‬السلاح‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المظاهر‭ ‬والمصائب‭.‬

ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬عند‭ ‬وجه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تلخص‭ ‬بشكل‭ ‬مؤلم‭ ‬هذه‭ ‬الفجيعة‭ ‬وهو‭ ‬الهروب‭ ‬المستمر‭ ‬للشباب‭ ‬العربي‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬قارب‭ ‬نجاة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬هناك‭ ‬ظاهرة‭ ‬غريبة‭ ‬وموجعة‭ ‬هي‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬المنظمة‭ ‬وغير‭ ‬الشرعية‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬قوارب‭ ‬الموت‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬السواحل‭ ‬الليبية‭ ‬والمغربية‭ ‬والتونسية‭ ‬واللبنانية‭ ‬والسورية‭ ‬وغيرها‭ ‬حيث‭ ‬يخوض‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬المأساوية‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصفهم‭ ‬يتعرضون‭ ‬للموت‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭ ‬وهم‭ ‬يحاولون‭ ‬العبور‭ ‬من‭ ‬جحيم‭ ‬بلدانهم‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نعيم‭ ‬الغرب‮»‬‭ ‬المزعوم‭.‬

وما‭ ‬زاد‭ ‬الأمر‭ ‬تعقيدا‭ ‬وكارثة‭ ‬أن‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأفارقة‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬أصبحوا‭ ‬يعتبرون‭ ‬بلدان‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬وسواحلها‭ ‬مكانا‭ ‬للعبور‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬ولذلك‭ ‬أصبح‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬المساكين‭ ‬يتسللون‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭ ‬وتونس‭ ‬والمغرب‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬ليكونوا‭ ‬عبئا‭ ‬إضافيا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يغامرون‭ ‬عبر‭ ‬رحلات‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إعادة‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬بلدانهم‭ ‬أو‭ ‬سجنهم‭ ‬أو‭ ‬استغلالهم‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬السخرة‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬تعكس‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬جانبين‭ ‬خطيرين‭:‬

الأول‭: ‬الفشل‭ ‬التنموي‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفشي‭ ‬البطالة‭ ‬وخاصة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬وتراجع‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وغلاء‭ ‬الأسعار‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬كارثة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وتدهور‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليمية،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬جعل‭ ‬هذا‭ ‬الشباب‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬مستعد‭ ‬للهروب‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬وجزء‭ ‬منهم‭ ‬يحرقون‭ ‬أوراقهم‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬جوازات‭ ‬سفرهم‭ ‬خلال‭ ‬هروبهم‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬أمل‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬النفق‭ ‬الأوروبي‭.‬

هذه‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬موجات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬تهدم‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريبا‭ ‬وأول‭ ‬شيء‭ ‬تهدم‭ ‬وأصبح‭ ‬ضعيفا‭ ‬هو‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الدولة‭ ‬تفقد‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬حدودها‭ ‬كما‭ ‬فقدت‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الداخل،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬عليها‭ ‬منع‭ ‬حدوث‭ ‬هذه‭ ‬الموجات‭ ‬نحو‭ ‬الغرب‭ ‬والتي‭ ‬يصبح‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشباب‭ ‬ضحايا‭ ‬لأنهم‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬الشواطئ‭ ‬الأوروبية‭ ‬أصلا‭ ‬ويبتلعهم‭ ‬البحر‭ ‬ويموتون‭ ‬على‭ ‬اعتابها‭ ‬مفضلين‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬طعاما‭ ‬للأسماك‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعيشوا‭ ‬الفقر‭ ‬والهوان‭ ‬والبطالة‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭.‬

ثانيا‭: ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يعج‭ ‬بالملايين‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬واللاجئين‭ ‬سواء‭ ‬الشرعيون‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬الشرعيين‭ (‬أكثر‭ ‬من‭ ‬240‭ ‬مليون‭) ‬مهاجر‭ ‬ولاجئ‭ ‬بحسب‭ ‬معظم‭ ‬الدراسات،‭ ‬فإن‭ ‬الفشل‭ ‬التنموي‭ ‬والسياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬للدول‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬هو‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬المتفاقمة‭ ‬والتي‭ ‬تزداد‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬عددا‭ ‬ونوعا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الجانب‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬المأساة‭ ‬أن‭ ‬العدد‭ ‬القليل‭ ‬المحدود‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬جحيم‭ ‬بلدانهم‭ ‬لا‭ ‬يحصلون‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬يجعلهم‭ ‬يستردون‭ ‬كرامتهم‭ ‬أو‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬فهم‭ ‬ينتقلون‭ ‬من‭ ‬مأساة‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬أخرى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تشعر‭ ‬البلدان‭ ‬المسؤولة‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬بأنها‭ ‬مسؤولة‭ ‬حقيقة‭ ‬لأنها‭ ‬أصبحت‭ ‬دولا‭ ‬فاشلة‭. ‬فأي‭ ‬مستقبل‭ ‬للدول‭ ‬الفاشلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬مصائب‭ ‬وكوارث؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//