العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

دراسة تكشف عن تغيرات خطيرة في مياه الخليج العربي

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الخميس ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

مناطق‭ ‬صحراوية‭ ‬قاحلة‭ ‬لا‭ ‬حياة‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬روح‭ ‬لها‭ ‬تم‭ ‬اكتشافها‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬في‭ ‬المواقع‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخليج،‭ ‬حيث‭ ‬قُدرت‭ ‬مساحتها‭ ‬بآلاف‭ ‬الكيلومترات‭ ‬المربعة‭.‬

وهذه‭ ‬المناطق‭ ‬الجرداء‭ ‬المقفرة‭ ‬التي‭ ‬تُغطي‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬تتصف‭ ‬بأنها‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأكسجين‭ ‬الذائب‭ ‬في‭ ‬الماء،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬منخفضة‭ ‬تركيز‭ ‬الأكسجين،‭ ‬بحيث‭ ‬إن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬الخانقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُعين‭ ‬ولا‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬الحياة‭. ‬فانخفاض‭ ‬تركيز‭ ‬الأكسجين‭ ‬الذائب‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬كانخفاض‭ ‬تركيز‭ ‬الأكسجين‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الجوي،‭ ‬وبخاصة‭ ‬عندما‭ ‬يصْعَد‭ ‬الإنسان‭ ‬ويعرج‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬أو‭ ‬يتسلق‭ ‬الجبال‭ ‬الشاهقة،‭ ‬والذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضيق‭ ‬صدر‭ ‬واختناق‭ ‬الإنسان‭ ‬والكائنات‭ ‬الحية‭ ‬الأخرى‭ ‬ثم‭ ‬موتها‭. ‬

فقد‭ ‬نَشر‭ ‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬للمناخ‭ ‬والعلوم‭ ‬البيئية‭ (‬Arabian‭ ‬Center‭ ‬for‭ ‬Climate‭ ‬and‭ ‬Environmental‭ ‬Sciences‭) ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نيويورك‭ ‬بإمارة‭ ‬أبوظبي‭ ‬بحثاً‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‭(‬Frontiers‭ ‬in‭ ‬Marine‭ ‬Science‭) ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬اتساع‭ ‬وتفاقم‭ ‬انخفاض‭ ‬تركيز‭ ‬الأكسجين‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وأسبابه‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬1982‭ ‬إلى‭ ‬2010‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬النقاب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬البحرية‭ ‬المهددة‭ ‬لاستدامة‭ ‬حياة‭ ‬الكائنات‭ ‬البحرية،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬منخفضة‭ ‬تركيز‭ ‬الأكسجين‭ ‬الذائب‭ ‬في‭ ‬الماء،‭ ‬حيث‭ ‬خلصت‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬استنتاجات،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

أولاً‭: ‬هناك‭ ‬مواقع‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬انخفاضٍ‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬وتركيز‭ ‬الأكسجين‭ ‬الذائب‭ ‬في‭ ‬الماء،‭ ‬وثانياً‭ ‬تفاقم‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬وازدياد‭ ‬مساحة‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬خلال‭ ‬الثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬الماضية،‭ ‬حيث‭ ‬أفادت‭ ‬الدراسة‭ ‬بأن‭ ‬تركيز‭ ‬الأكسجين‭ ‬ينخفض‭ ‬بنسبة‭ ‬1%‭ ‬كل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬المساحة‭ ‬الجرداء‭ ‬المقفرة‭ ‬تُقدر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬ألف‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1980‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثين‭ ‬ألفا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬الميتة‭ ‬تتوسع‭ ‬وتزيد‭ ‬بنسبة‭ ‬3818‭ ‬كيلومتراً‭ ‬مربعاً‭ ‬كل‭ ‬10‭ ‬سنوات،‭ ‬وثالثاً‭ ‬وجود‭ ‬مواقع‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬الخليج‭ ‬خالية‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬الأكسجين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواسم،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬ومطلع‭ ‬فصل‭ ‬الخريف،‭ ‬فتُصاب‭ ‬بحالة‭ ‬مرضية‭ ‬بحرية‭ ‬يُطلق‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬الهيبوكسيا‮»‬‭ ‬‭(‬hypoxia‭)‬،‭ ‬وهذه‭ ‬المناطق‭ ‬تتركز‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬العميقة‭. ‬

وهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬أُجريت‭ ‬على‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تُضيف‭ ‬مثالاً‭ ‬حياً‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬واقعية‭ ‬هذا‭ ‬المرض‭ ‬الذي‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬بحار،‭ ‬وبحيرات،‭ ‬وأنهار‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬من‭ ‬شرقه‭ ‬إلى‭ ‬غربه،‭ ‬ومن‭ ‬شماله‭ ‬إلى‭ ‬جنوبه،‭ ‬فنادراً‭ ‬ما‭ ‬تشاهد‭ ‬أو‭ ‬تسمع‭ ‬عن‭ ‬مسطحٍ‭ ‬مائي‭ ‬قد‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المرض‭ ‬البحري‭. ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬العلماء‭ ‬الميدانون‭ ‬بتقصي‭ ‬ومراقبة‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬الميتة‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬سجل‭ ‬العلماء‭ ‬قرابة‭ ‬49‭ ‬صحراء‭ ‬بحرية‭ ‬قاحلة،‭ ‬ثم‭ ‬ازدادت‭ ‬هذه‭ ‬المقابر‭ ‬إلى‭ ‬149‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬وإلى‭ ‬200‭ ‬في‭ ‬2015،‭ ‬واستمرت‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬405،‭ ‬وأخيراً‭ ‬تُقدر‭ ‬هذه‭ ‬المقابر‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬مقبرة‭ ‬جماعية‭ ‬بحرية‭. ‬

وهناك‭ ‬سببان‭ ‬لظهور‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬البحرية‭ ‬الميتة‭ ‬وارتفاع‭ ‬أعدادها‭ ‬سنوياً‭ ‬وبشكلٍ‭ ‬مطرد‭. ‬أما‭ ‬السبب‭ ‬الأول‭ ‬فيرجع‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬تقليدية‭ ‬قديمة‭ ‬معروفة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬هناك‭ ‬مياه‭ ‬المجاري‭ ‬المعالجة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المعالجة‭ ‬التي‭ ‬تصرف‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الساحلية‭ ‬بأحجام‭ ‬كبيرة‭ ‬جداً‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬حيث‭ ‬تخرج‭ ‬مظاهرات‭ ‬واحتجاجات‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬بسبب‭ ‬صرف‭ ‬مياه‭ ‬المجاري‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭. ‬كذلك‭ ‬هناك‭ ‬مياه‭ ‬الصرف‭ ‬الزراعي‭ ‬المحملة‭ ‬بالمغذيات‭ ‬والتي‭ ‬تجد‭ ‬مصيرها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬المسطحات‭ ‬المائية،‭ ‬وهذه‭ ‬الغابات‭ ‬الكثيفة‭ ‬من‭ ‬النباتات‭ ‬البحرية‭ ‬تمنع‭ ‬نفاذ‭ ‬الضوء‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭ ‬فتموت‭ ‬هذه‭ ‬النباتات‭ ‬وتترسب‭ ‬إلى‭ ‬القاع‭ ‬فتقوم‭ ‬البكتيريا‭ ‬الهوائية‭ ‬واللاهوائية‭ ‬بتحليل‭ ‬هذه‭ ‬النباتات‭ ‬واستهلاك‭ ‬الأكسجين‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬حتى‭ ‬ينفد‭ ‬كلياً‭ ‬فتتحول‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬صحراء‭ ‬ومقبرة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭.‬

وأما‭ ‬السبب‭ ‬الثاني‭ ‬المستجد‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬فهو‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬وارتفاع‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬الأرض،‭ ‬والتي‭ ‬بدورها‭ ‬ترفع‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬البحر،‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬الأكسجين‭ ‬الذائب‭ ‬في‭ ‬الماء‭.‬

فكل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬أيدينا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬حرارة‭ ‬مياه‭ ‬البحر‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭ ‬وبداية‭ ‬موسم‭ ‬الخريف‭ ‬تعمل‭ ‬معاً‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مجموعي‭ ‬وتراكمي‭ ‬على‭ ‬انكشاف‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬القديمة‭ ‬المتجددة،‭ ‬والتي‭ ‬أخذت‭ ‬في‭ ‬التفاقم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬وباء‭ ‬عام‭ ‬يصيب‭ ‬المسطحات‭ ‬المائية‭ ‬وينتشر‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭. ‬

ولذلك‭ ‬اجتمع‭ ‬العلماء‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ليرفعوا‭ ‬حالة‭ ‬الإنذار‭ ‬القصوى‭ ‬حول‭ ‬الأمراض‭ ‬والأسقام‭ ‬المزمنة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تصيب‭ ‬البحار‭ ‬والمحيطات،‭ ‬وأصبحت‭ ‬لها‭ ‬تداعيات‭ ‬كثيرة‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬المخزون‭ ‬السمكي،‭ ‬وتهدد‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لدول‭ ‬العالم‭ ‬‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬يجعلنا‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً‭ ‬ويقظة‭ ‬بهذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬ومن‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬نخفض‭ ‬أو‭ ‬نمنع‭ ‬كلياً‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬تحت‭ ‬أيدينا‭ ‬وتهدد‭ ‬سلامة‭ ‬بحرنا‭ ‬والحياة‭ ‬الفطرية‭ ‬فيها،‭ ‬حتى‭ ‬نؤمن‭ ‬الغذاء‭ ‬الفطري‭ ‬الذاتي‭ ‬لشعوب‭ ‬المنطقة‭. ‬

 

bncftpw@batelco‭.‬com‭.‬bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//