العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

رسائل

بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 49 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة 1973
أبطال من ذهب.. صنعوا ملحمة الانتصار التاريخي في حرب أكتوبر

الخميس ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

ستظلُّ‭ ‬حربُ‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬محطةً‭ ‬خالدةً‭ ‬في‭ ‬ذاكرةِ‭ ‬الأمةِ‭ ‬العربيَّةِ‭ ‬في‭ ‬تاريخِنا‭ ‬الحديث،‭ ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬هذه‭ ‬الحربُ‭ ‬أفضلَ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي،‭ ‬وأثبتت‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬تخطي‭ ‬كل‭ ‬الصعاب‭ ‬وصنع‭ ‬المستحيل،‭ ‬وبرهنت‭ ‬على‭ ‬القدراتِ‭ ‬الكبيرةِ‭ ‬للعرب‭ ‬التي‭ ‬إذا‭ ‬أحسنوا‭ ‬استثمارَها‭ ‬فإنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجعلهم‭ ‬قوةً‭ ‬عالميةً‭ ‬لا‭ ‬يستهانُ‭ ‬بها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البطولاتِ‭ ‬القتاليةِ‭ ‬للجندي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الجبهتين‭ ‬المصرية‭ ‬والسورية،‭ ‬وأيضا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬روحِ‭ ‬التضامنِ‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تضافرت‭ ‬فيها‭ ‬جهود‭ ‬كلُّ‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬ثمارها‭ ‬استخدام‭ ‬سلاح‭ ‬النفط‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الشجاع‭ ‬بحظر‭ ‬تصديره‭ ‬إلى‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬وتساند‭ ‬إسرائيل‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬جعلت‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬يعرف‭ ‬قيمة‭ ‬وقوة‭ ‬العرب‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ميادينَ‭ ‬القتالِ‭ ‬شهدت‭ ‬بطولاتٍ‭ ‬وتضحياتٍ‭ ‬أسطورية‭ ‬للمقاتل‭ ‬العربي،‭ ‬لعل‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نرويها‭ ‬للأجيالِ‭ ‬الجديدة‭ ‬لتكونَ‭ ‬لهم‭ ‬بمثابة‭ ‬نماذج‭ ‬مشرفة‭ ‬وأبطال‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬يقتدى‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬الإعلاء‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬حب‭ ‬التضحية‭ ‬والفداء‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الوطن‭ ‬والاعتداد‭ ‬بالكرامة‭ ‬العربية‭ .‬

 

وفيما‭ ‬يلي‭ ‬نروي‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬التي‭ ‬خلدها‭ ‬التاريخ‭: ‬

صائد‭ ‬الدبابات‭ ‬البطل‭ ‬محمد‭ ‬عبدالعاطي

من‭ ‬أبرز‭ ‬المقاتلين‭ ‬الذين‭ ‬اشتهروا‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجندي‭ ‬المقاتل‭ ‬المصري‭ ‬محمد‭ ‬عبدالعاطي‭ ‬الذي‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬لقبَ‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬الدبابات‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬قرية شيبة‭ ‬قش‭ ‬بمحافظة‭ ‬الشرقية‭ ‬والتحق‭ ‬بالقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‮ ‬15‭ ‬نوفمبر‮ ‬1969‮ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أنهى‭ ‬دراسته‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬سلاح الصاعقة،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬المدفعية،‭ ‬ليبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬أسعد‭ ‬مراحل‭ ‬عمره‭ ‬بالتخصص‭ ‬في‭ ‬الصواريخ‭ ‬المضادة‭ ‬للدبابات،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬في‭ ‬الصاروخ‭ ‬‮«‬فهد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وقتها‭ ‬من‭ ‬أحدث‭ ‬الصواريخ‭ ‬المضادة‭ ‬للدبابات‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الجيش‭ ‬المصري،‭ ‬وكان‭ ‬يصل‭ ‬مداه‭ ‬إلى‭ ‬3‭ ‬كيلومترات،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬قوة‭ ‬تدميرية‭ ‬هائلة‭.‬

جاء‭ ‬ترتيب‭ ‬عبدالعاطي‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الرماة‭ ‬خلال‭ ‬التدريبات‭  ‬تم‭ ‬اختياره‭ ‬لأول‭ ‬بيان‭ ‬عملي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصاروخ‭ ‬أمام‭ ‬قائد سلاح‭ ‬المدفعية اللواء محمد‭ ‬سعيد‭ ‬الماحي،‭ ‬وتفوق‭ ‬والتحق‭ ‬بعدها‭ ‬بمدفعية الفرقة‮ ‬16‭ ‬مشاة‭ ‬بمنطقة بلبيس‭ ‬وتمت‭ ‬ترقيته‭ ‬إلى‭ ‬رتبة‭ ‬رقيب‭ ‬مجند‭.‬

في‭ ‬يوم‮ ‬9‭ ‬أكتوبر الذي‭ ‬يعد‭ ‬يومًا‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬عبد‭ ‬العاطي،‭ ‬فوجئ‭ ‬بقوة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬مدرعة‭ ‬جاءت‭ ‬لمهاجمتهم‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الأسفلتي‭ ‬الأوسط،‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬مجنزرة‭ ‬وعربة‭ ‬جيب‭ ‬وأربع‭ ‬دبابات،‭ ‬وعندها

‭*‬‭ ‬قال مدحت‮ ‬قائد‭ ‬المدفعية‭: ‬بماذا‭ ‬ستبدأ‭ ‬يا‭ ‬عبد‭ ‬العاطي؟

‭*‬‭ ‬قال‭ ‬عبد‭ ‬العاطي‭: ‬خسارة‭ ‬يا‭ ‬فندم‭ ‬الصاروخ‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬الجيب،‭ ‬سأبدأ‭ ‬بالمجنزرة،

وأطلق‭ ‬الصاروخ‭ ‬الأول‭ ‬عليها‭ ‬فدمرها‭ ‬بمن‭ ‬فيها،‭ ‬فحاولت‭ ‬الدبابة‭ ‬التالية‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬طريقها‭ ‬لأنهم‭ ‬كان‭ ‬يسيرون‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مستقيم،‭ ‬فصوب‭ ‬إليها‭ ‬عبد‭ ‬العاطي‭ ‬صاروخًا‭ ‬سريعًا‭ ‬فدمرها‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬تقدمت‭ ‬السيارة‭ ‬الجيب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬وبدأت‭ ‬الدبابات‭ ‬في‭ ‬الانتشار،‭ ‬فقام‭ ‬عبد‭ ‬العاطي‭ ‬باصطيادها‭ ‬واحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬رصيده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬17‭ ‬دبابة‭.‬

جاء‭ ‬يوم‮ ‬10‭ ‬أكتوبر،‭ ‬حيث‭ ‬فوجئ مركز‭ ‬القيادة باستغاثة‭ ‬من‭ ‬القائد أحمد‭ ‬أبو‭ ‬علم قائد الكتيبة‮ ‬34،‭ ‬فقد‭ ‬هاجمتها‭ ‬ثلاث‭ ‬دبابات‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬اختراقها،‭ ‬وكان‭ ‬عبد‭ ‬العاطي‭ ‬قد‭ ‬تعوّد‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الجاهزة‭ ‬للضرب‭ ‬بجواره،‭ ‬وقام‭ ‬بتوجيه‭ ‬ثلاثة‭ ‬صواريخ‭ ‬إليها‭ ‬فدمرها‭ ‬جميعًا،‭ ‬كما‭ ‬استطاع‭ ‬اصطياد‭ ‬إحدى‭ ‬الدبابات‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬التسلل‭ ‬إليهم‭ ‬يوم‮ ‬15‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وفي‭ ‬يوم‮ ‬18‭ ‬أكتوبر،‭ ‬دمر‭ ‬دبابتين‭ ‬وعربة‭ ‬مجنزرة‭ ‬ليصبح‭ ‬رصيده‭ ‬بمفرده‭ ‬تدمير‭ ‬27‭ ‬دبابة‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬معارك‭ ‬حرب‭ ‬اكتوبر‭.‬

البطل‭ ‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل‭.. ‬روح‭ ‬قتالية‭ ‬مذهلة‮ ‬

قصة‭ ‬الشهيد‭ ‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مئات‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬أبرزت‭ ‬شجاعة‭ ‬المقاتل‭ ‬المصري،‭ ‬ومن‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬قصة‭ ‬هذا‭ ‬الجندي‭ ‬الشجاع‭ ‬ظلت‭ ‬في‭ ‬طي‭ ‬الكتمان‭ ‬نحو‭ ‬23‭ ‬عاما‭ ‬كاملة،‭ ‬حتى‭ ‬اعترف‭ ‬بها‭ ‬جندي‭ ‬إسرائيلي،‭ ‬ونقلت‭ ‬وكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬العالمية‭ ‬قصة‭ ‬هذا‭ ‬الشهيد‭ ‬وأطلقت‭ ‬عليه‭ ‬لقب‭ (‬أسد‭ ‬سيناء‭).‬

تعود‭ ‬بداية‭ ‬القصة‭ ‬أو‭ ‬فلنقل‭ ‬نهايتها‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬قد‭ ‬عد‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬اعترف‭ ‬ضابط‭ ‬إسرائيلي‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬للسفير‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬بأنه‭ ‬قتل‭ ‬الجندي‭ ‬المصري‭ ‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أنه‭ ‬مقاتل‭ ‬فذ‭ ‬وأنه‭ ‬قاتل‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬22‭ ‬إسرائيليًّا‭ ‬بمفرده‭.‬

وسلم‭ ‬الضابط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬متعلقات‭ ‬البطل‭ ‬المصري‭ ‬إلى‭ ‬السفير‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬السلسلة‭ ‬العسكرية‭ ‬الخاصة‭ ‬به‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬كتبه‭ ‬إلى‭ ‬والده‭ ‬قبل‭ ‬استشهاده،‭ ‬وقال‭ ‬الجندي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إنه‭ ‬ظل‭ ‬محتفظًا‭ ‬بهذه‭ ‬المتعلقات‭ ‬طوال‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬تقديراً‭ ‬لهذا‭ ‬البطل،‭ ‬وأنه‭ ‬بعدما‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬قتله‭ ‬قام‭ ‬بدفنه‭ ‬بنفسه‭ ‬وأطلق‭ ‬21‭ ‬رصاصة‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬تحية‭ ‬الشهداء‭.‬

تبدأ‭ ‬قصة‭ ‬الشهيد‭ ‬بصدور‭ ‬التعليمات‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬73‭ ‬لطاقمه‭ ‬المكون‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬أفراد‭ ‬بالصعود‭ ‬إلي‭ ‬جبل‭ (‬الجلالة‭) ‬بمنطقة‭ ‬رأس‭ ‬ملعب،‭ ‬وقبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجبل‭ ‬استشهد‭ ‬أحد‭ ‬الثمانية‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬ألغام،‭ ‬ثم‭ ‬صدرت‭ ‬التعليمات‭ ‬من‭ ‬قائد‭ ‬المجموعة‭ ‬النقيب‭ ‬صفي‭ ‬الدين‭ ‬غازي‭ ‬بالاختفاء‭ ‬خلف‭ ‬إحدى‭ ‬التلال‭ ‬وإقامة‭ ‬دفاع‭ ‬دائري‭ ‬حولها‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنها‭ ‬تصلح‭ ‬لصد‭ ‬أي‭ ‬هجوم،‭ ‬وعندئذ‭ ‬ظهر‭ ‬اثنان‭ ‬من‭ ‬بدو‭ ‬سيناء‭ ‬ممن‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬المعلومات‭ ‬لصالح‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬،‭  ‬وأخذا‭ ‬يحذران‭ ‬الطاقم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬نقطة‭ ‬شرطة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬قريبة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬معين‭ ‬وبعد‭ ‬انصرافهما‭ ‬زمجرت‭ ‬50‭ ‬دبابة‭ ‬معادية‭ ‬تحميها‭ ‬طائرتان‭ ‬هليكوبتر‭ ‬وانكمشت‭ ‬المجموعة‭ ‬تحبس‭ ‬أنفاسها‭ ‬حتى‭ ‬تمر‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬ولتستعد‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المهمة‭ ‬المكلفة‭ ‬بها‭.‬

وقامت‭ ‬الطائرات‭ ‬بإنزال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬بالمظلات‭ ‬لمحاولة‭ ‬تطويق‭ ‬الموقع‭ ‬وقام‭ ‬الجندي‭ ‬حسن‭ ‬السداوي‭ ‬بإطلاق‭ ‬قذيفة‭ (‬آر‭.‬بي‭.‬جي‭) ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الطائرات‭ ‬فأصيبت‭ ‬واستمر‭ ‬القتال‭ ‬واستشهد‭ ‬كل‭ ‬زملاء‭ ‬البطل‭ (‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل‭) ‬فحصل‭ ‬على‭ ‬أسلحتهم‭ ‬وظل‭ ‬يقاتل‭ ‬بمفرده‭ ‬وكان‭ ‬يقوم‭ ‬بالضرب‭ ‬على‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وينتقل‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬فاعتقدت‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬قوة‭ ‬مصرية‭ ‬كبيرة‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬تعدد‭  ‬جهات‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬مختلفة‭ ‬ولذا‭ ‬طلبت‭ ‬الدعم‭ ‬بقوة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬أخرى،‭ ‬وظل‭ (‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل‭) ‬يقاتل‭ ‬حتى‭ ‬نفذت‭ ‬ذخيرته‭ ‬وتم‭ ‬تطويق‭ ‬المنطقة‭ ‬ثم‭ ‬استشهد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬22‭ ‬جنديًا‭ ‬إسرائيليًا،‭ ‬وعندما‭ ‬وصل‭ ‬الضابط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬جثمان‭ ‬البطل‭ (‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل‭) ‬اندهش‭ ‬وقال‭: ‬أي‭ ‬روح‭ ‬بطولية‭ ‬هذه؟‭ ‬ثم‭ ‬أخذ‭ ‬متعلقات‭ ‬البطل‭ ‬واحتفظ‭ ‬بها،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬ذهب‭ ‬هذا‭ ‬الضابط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬السفير‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الألمانية‭ ‬برلين‭ ‬وقدم‭ ‬إليه‭ ‬متعلقات‭ ‬البطل‭ (‬سيد‭ ‬زكريا‭ ‬خليل‭) ‬وقص‭ ‬عليه‭ ‬صمود‭ ‬وبطولات‭ ‬البطل‭ ‬وأقر‭ ‬أنه‭ ‬مقاتل‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬فريد‭.‬

الشهيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي‭ ‬بطل‭ ‬قوات‭ ‬الصاعقة

اشتهر‭ ‬الشهيد‭ ‬العميد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي‭ ‬وكتيبته‭ ‬المسماة‭ ‬‮«‬المجموعة‭ ‬39‭ ‬قتال‮»‬‭ ‬بالعمليات‭ ‬النوعية‭ ‬الجريئة‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬شجاعة‭ ‬فائقة‭ ‬وقيادة‭ ‬ذكية،‭ ‬إذ‭ ‬نفذ‭ ‬ومجموعته‭ ‬91‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬ناجحة،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬الثأر‭ ‬لاستشهاد‭ ‬الفريق‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬رياض‭ ‬رئيس‭ ‬أركان‭ ‬الجيش‭ ‬المصري،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬صواريخ‭ ‬حديثة‭ ‬نشرتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬شرق‭ ‬القناة‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬صاروخية‭ ‬والعبور‭ ‬بها‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الظلام‭ ‬إلى‭ ‬غرب‭ ‬القناة‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬أسرارا‭ ‬مهمة‭ ‬للقوات‭ ‬المصرية،‭ ‬وهي‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬عزل‭ ‬القائد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬قواعد‭ ‬الصواريخ‭ ‬في‭ ‬سيناء‭.‬

مع‭ ‬الضربة‭ ‬الجوية‭ ‬الأولى‭ ‬لحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬وصيحات‭ ‬الله‭ ‬أكبر،‭ ‬انطلقت‭ ‬كتيبة‭ ‬الصاعقة‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬البطل‭ ‬العميد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬طائرات‭ ‬هليكوبتر‭ ‬لتدمير‭ ‬آبار‭ ‬البترول‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬بلاعيم‭ ‬شرق‭ ‬القناة‭ ‬لحرمان‭ ‬العدو‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬وينجح‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهمة‭.‬

وتتوالى‭ ‬عمليات‭ ‬المجموعة‭ ‬الناجحة‭ ‬لقوات‭ ‬الصاعقة‭ ‬بقيادة‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي‭ ‬خلف‭ ‬مواقع‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بمنطقتي‭ (‬شرم‭ ‬الشيخ‭) ‬و‭(‬رأس‭ ‬محمد‭) ‬وفي‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬تنجح‭ ‬المجموعة‭ ‬في‭ ‬الإغارة‭ ‬على‭ ‬مطار‭ (‬الطور‭) ‬وتدمير‭ ‬بعض‭ ‬الطائرات‭ ‬الرابضة‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بالارتباك‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬ودقة‭ ‬الضربات‭ ‬المتتالية‭ ‬لرجال‭ ‬الصاعقة‭ ‬المصرية‭ ‬البواسل‭.‬

في‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬تم‭ ‬تكليف‭ ‬مجموعة‭ ‬البطل‭ ‬الرفاعي‭ ‬بمهمة‭ ‬اختراق‭ ‬مواقع‭ ‬العدو‭ ‬غرب‭ ‬القناة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ (‬الدفرسوار‭) ‬لتدمير‭ ‬المعبر‭ ‬الذي‭ ‬أقامته‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لعبور‭ ‬قواتها‭ ‬غربا‭.‬

وبالفعل‭ ‬تصل‭ ‬المجموعة‭ ‬فجر‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتغير‭ ‬فيه‭ ‬التعليمات‭ ‬بتدمير‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ومدرعاتها‭ ‬ومنعها‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬طريق‭ (‬الإسماعيلية‭ -‬القاهرة‭).‬

وما‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬المدرعات‭ ‬الصهيونية‭ ‬حتى‭ ‬انهالت‭ ‬عليها‭ ‬قذائف‭ ‬الـ‭(‬آر‭ ‬بي‭ ‬جي‭) ‬لتثنيه‭ ‬عن‭ ‬التقدم،‭ ‬ويرفض‭ ‬بطلنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬السريع‭ ‬ويأمر‭ ‬رجاله‭ ‬بمطاردة‭ ‬المدرعات‭ ‬الصهيونية‭ ‬لتكبيدها‭ ‬أكبر‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬والمعدات‭.‬

وبينما‭ ‬يخوض‭ ‬رجال‭ ‬المجموعة‭ ‬قتالاً‭ ‬ضارياً‭ ‬مع‭ ‬المدرعات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وبينما‭ ‬يتعالى‭ ‬صوت‭ ‬الأذان‭ ‬من‭ ‬مسجد‭ ‬قرية‭ (‬المحسمة‭) ‬القريب،‭ ‬تسقط‭ ‬إحدى‭ ‬دانات‭ ‬المدفعية‭ ‬المعادية‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬البطل،‭ ‬لتصيبه‭ ‬إحدى‭ ‬شظاياها‭ ‬المتناثرة،‭ ‬ويسقط‭ ‬الرجل‭ ‬الأسطوري‭ ‬جريحًا،‭ ‬فيسرع‭ ‬إليه‭ ‬رجاله‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لإنقاذه،‭ ‬ولكنه‭ ‬يطلب‭ ‬منهم‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬معركتهم‭ ‬ومعركة‭ ‬الوطن،‭ ‬ويلفظ‭ ‬البطل‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة‭ ‬وينضم‭ ‬إلى‭ ‬طابور‭ ‬الشهداء‭.‬

الشهيد‭ ‬أحمد‭ ‬حمدي‭ ‬قائد‭ ‬سلاح‭ ‬المهندسين

إنه‭ ‬المهندس‭ ‬الشهيد‭ ‬اللواء‭ ‬أحمد‭ ‬حمدي‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تصنيع‭ ‬وحدات‭ ‬لواء‭ ‬الكباري‭ ‬تحت‭ ‬إشرافه‭ ‬المباشر‭ ‬وهي‭ ‬الكباري‭ ‬أو‭ ‬الجسور‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬تم‭ ‬استكمال‭ ‬معدات‭ ‬العبور‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬فوقها‭ ‬الأسلحة‭ ‬الثقيلة‭ ‬من‭ ‬دبابات‭ ‬ومدرعات‭ ‬وعربات‭ ‬عسكرية‭ ‬وجنود‭ ‬إلى‭ ‬شرق‭ ‬القناة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬الدور‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الكباري‭ ‬الروسية‭ ‬الصنع‭ ‬لتلائم‭ ‬ظروف‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭.‬

أسهم‭ ‬بنصيب‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬للساتر‭ ‬الترابي،‭ ‬وقام‭ ‬بوحدات‭ ‬لوائه‭ ‬بعمل‭ ‬قطاع‭ ‬من‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تدريبية‭ ‬وأجرى‭ ‬عليه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬الحل‭ ‬الذي‭ ‬استخدم‭ ‬فعلاً‭.‬

وعندما‭ ‬حانت‭ ‬لحظة‭ ‬الصفر‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬طلب‭ ‬اللواء‭ ‬أحمد‭ ‬حمدي‭ ‬من‭ ‬قيادته‭ ‬التحرك‭ ‬شخصيًا‭ ‬إلى‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬ليشارك‭ ‬أفراده‭ ‬لحظات‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬إنزال‭ ‬الكباري‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬مياه‭ ‬القناة‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬رفضت‭ ‬انتقاله‭ ‬لضرورة‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬القيادة‭ ‬للمتابعة‭ ‬والسيطرة‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الخطورة‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انتقاله‭ ‬إلى‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬تحت‭ ‬القصف‭ ‬المباشر‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬غضب‭ ‬وألح‭ ‬في‭ ‬طلبه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭.. ‬فلقد‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬الشهادة‭.‬

كرمت‭ ‬مصر‭ ‬ابنها‭ ‬البار‭ ‬بأن‭ ‬منحت‭ ‬اسمه‭ ‬وسام‭ ‬نجمة‭ ‬سيناء‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الأولى‭ ‬وهو‭ ‬أعلى‭ ‬وسام‭ ‬عسكري‭ ‬مصري،‭ ‬كما‭ ‬اختير‭ ‬يوم‭ ‬استشهاده‭ ‬ليكون‭ ‬يوم‭ ‬المهندس،‭ ‬وافتتح‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬النفق‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬سيناء‭ ‬بأرض‭ ‬مصر‭ ‬وأطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬الشهيد‭ ‬أحمد‭ ‬حمدي‭ ‬تكريما‭ ‬لدوره‭ ‬البطولي‭.‬

صاحب‭ ‬فكرة‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬بالساتر‭ ‬الترابي

إنه‭ ‬اللواء‭ ‬باقي‭ ‬زكي‭ ‬يوسف،‭ ‬صاحب‭ ‬الفكرة‭ ‬العبقرية‭ ‬لتحطيم‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬باستخدام‭ ‬مضخات‭ ‬وخراطيم‭ ‬المياه‭ ‬هو‭ ‬اللواء‭ ‬باقي‭ ‬زكي‭ ‬يوسف،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬القادة‭ ‬يفكرون‭ ‬في‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الديناميت‭ ‬وقنابل‭ ‬النابالم‭ ‬والمدافع‭ ‬والصواريخ،‭ ‬لتفجير‭ ‬الساتر‭ ‬الهائل،‭ ‬حيث‭ ‬استلهم‭ ‬الفكرة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬انتدابه‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬السد‭ ‬العالي‭ ‬بأسوان‭.‬

تحدث‭ ‬عن‭ ‬فكرته‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬كان‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬كثبان‭ ‬رملية‭ ‬طبيعية‭ ‬موجودة‭ ‬أصلا،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬جاء‭ ‬ديليسبس‭ ‬وحفر‭ ‬القناة‭ ‬وضع‭ ‬الحفر‭ ‬على‭ ‬الناحية‭ ‬الشرقية‭ ‬فجاء‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬واستخدموها‭ ‬كحائط‭ ‬وقاموا‭ ‬بتعليته‭ ‬وبدأوا‭ ‬يقربونه‭ ‬ناحية‭ ‬الشرق‭ ‬فمالت‭ ‬بدرجة‭ ‬80‭ ‬درجة،‭ ‬ونحن‭ ‬كنا‭ ‬نعيش‭ ‬مع‭ ‬مولد‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬وفي‭ ‬مايو‭ ‬1969‭ ‬اجتمعوا‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الفرقة‭ ‬وأخذنا‭ ‬مهمة‭ ‬أن‭ ‬نعبر‭ ‬القناة،‭ ‬وكان‭ ‬ضمن‭ ‬المقترحات‭ ‬لتدمير‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬أو‭ ‬المتفجرات‭ ‬أو‭ ‬المدفعيات‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها‭ ‬أو‭ ‬الطيران‭ ‬بالقنابل،‭ ‬وكان‭ ‬أقل‭ ‬وقت‭ ‬لفتح‭ ‬ثغرة‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬ساعة‭ ‬وكانت‭ ‬الخسائر‭ ‬المتوقعة‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬20‭%‬‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬يعنى‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬شهيد‭ ‬فسمعت‭ ‬هذا‭ ‬الكلام،‭ ‬واندهشت‭ ‬واستفزتني‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬فأخبرت‭ ‬القادة‭ ‬العسكريين‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حلا‭ ‬بسيطا‭ ‬جربناه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬في‭ ‬السد‭ ‬العالي‭ ‬فقلت‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭: ‬‮«‬الساتر‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رمال‭ ‬واذا‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬عملوا‭ ‬المشكلة‭ ‬لكن‭ ‬ربنا‭ ‬جعل‭ ‬الحل‭ ‬تحتها،‭ ‬فنحن‭ ‬نحضر‭ ‬طلمبات‭ ‬يتم‭ ‬وضعها‭ ‬على‭ ‬زوارق‭ ‬خفيفة‭ ‬تسحب‭ ‬المياه‭ ‬وتضخها،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬مدافع‭ ‬المياه‭ ‬بالقوة‭ ‬الهائلة‭ ‬تحرك‭ ‬الرمال‭ ‬وتنزل‭ ‬بوزنها‭ ‬مع‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬القناة‭ ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬المياه‭ ‬يتم‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬بعمق‭ ‬الساتر‮»‬‭ ‬فأعجبوا‭ ‬جدا‭ ‬بالفكرة،‭ ‬وعلى‭ ‬الفور‭ ‬أعددت‭ ‬بها‭ ‬مذكرة‭ ‬ووصلت‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬ووافق‭ ‬عليها‭ ‬ثم‭ ‬جاءتني‭ ‬تعليمات‭ ‬بعدم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الفكرة‭ ‬مطلقا‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬أحد‭.‬

ويواصل‭ ‬اللواء‭ ‬زكي‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬يوم‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬بدأ‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬الحرب،‭ ‬وفي‭ ‬تمام‭ ‬الساعة‭ ‬العاشرة‭ ‬مساء‭ ‬كان‭ ‬مفتوحا‭ ‬60‭ ‬ثغرة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬امتداد‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬للقناة‭ ‬وكانت‭ ‬كافية‭ ‬لإتمام‭ ‬العبور‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬وفي‭ ‬الساعة‭ ‬الثامنة‭ ‬ونصف‭ ‬عبر‭ ‬لواء‭ ‬مدرع‭ ‬شرق‭ ‬القناة‭ ‬قبل‭ ‬ميعاد‭ ‬عبوره‭ ‬بساعتين‭ ‬من‭ ‬ثغرة‭ ‬تم‭ ‬فتحها‭ ‬بالمياه‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬أي‭ ‬خسائر‭ ‬بشرية‭ ‬عدا‭ ‬87‭ ‬جنديا‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الموجات‭ ‬الأولى‭ ‬للعبور‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬شهيد‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬متوقعا‭.. ‬وعبر‭ ‬الجنود‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬ثغرة‭ ‬وكأنها‭ ‬كانت‭ ‬شرايين‭ ‬في‭ ‬الجسم‭ ‬تضخ‭ ‬للناحية‭ ‬الثانية‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬غير‭ ‬المفاهيم‭ ‬القتالية‭ ‬لفتح‭ ‬الثغرات‭ ‬وجعلت‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مرتبكة‭ ‬لأن‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬القناة‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬الى‭ ‬الجنوب‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬بورسعيد‭ ‬إلى‭ ‬السويس‭.‬

بطل‭ ‬معركة‭ ‬أسر‭ ‬عساف‭ ‬ياجوري

العميد‭ ‬يسري‭ ‬عمارة‭ ‬هو‭ ‬البطل‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬بأسر‭ ‬العقيد‭ ‬الصهيوني‭ ‬عساف‭ ‬ياجوري‭ ‬أشهر‭ ‬أسير‭ ‬إسرائيلي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬حيًا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬إصابته‭.‬

العميد‭ ‬يسري‭ ‬عمارة‭ (‬كان‭ ‬برتبة‭ ‬نقيب‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬عبر‭ ‬يوم‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬ضمن‭ ‬الفرقة‭ ‬الثانية‭ ‬مشاة‭ ‬بالجيش‭ ‬الثاني‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬العميد‭ ‬حسن‭ ‬أبو‭ ‬سعدة‭.‬

وفي‭ ‬صباح‭ ‬8‭ ‬أكتوبر‭ ‬ثالث‭ ‬أيام‭ ‬القتال‭ ‬حاول‭ ‬اللواء‭ ‬190‭ ‬مدرع‭ ‬بقيادة‭ ‬العقيد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عساف‭ ‬ياجوري‭ (‬دبابات‭ ‬هذا‭ ‬اللواء‭ ‬المدرع‭ ‬كانت‭ ‬تتراوح‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬75‭ ‬حتى‭ ‬100‭ ‬دبابة‭)‬،‭ ‬القيام‭ ‬بهجوم‭ ‬مضاد‭ ‬واختراق‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬النقاط‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تسقط‭ ‬بعد‭ ‬ومنها‭ ‬نقطة‭ ‬الفردان‭. ‬وكان‭ ‬قرار‭ ‬قائد‭ ‬الفرقة‭ ‬الثانية‭ ‬العميد‭ ‬حسن‭ ‬أبو‭ ‬سعدة‭ ‬يعتبر‭ ‬أسلوبًا‭ ‬جديداً‭ ‬لتدمير‭ ‬القوات‭ ‬المعادية‭ ‬وهو‭ ‬جذب‭ ‬قواته‭ ‬المدرعة‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬قتال‭ ‬داخل‭ ‬رأس‭ ‬كوبري‭ ‬الفرقة‭ ‬والسماح‭ ‬لها‭ ‬باختراق‭ ‬الموقع‭ ‬الدفاعي‭ ‬الأمامي‭ ‬والتقدم‭ ‬حتى‭ ‬مسافة‭ ‬3‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬القناة،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬خطيراً‭ ‬ـ‭ ‬وعلى‭ ‬مسؤوليته‭ ‬الشخصية‭.‬

وفي‭ ‬لحظة‭ ‬فريدة‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬تم‭ ‬تحويل‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬كالمصيدة‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬النيران‭ ‬وكأنها‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الجحيم،‭ ‬وكانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬مذهلة‭ ‬ما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬النجاح،‭ ‬وفي‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬أسفرت‭ ‬المعركة‭ ‬عن‭ ‬تدمير‭ ‬73‭ ‬دبابة‭ ‬للقوات‭.‬

وأثناء‭ ‬التحرك‭ ‬نحو‭ ‬الشرق‭ ‬أحس‭ ‬النقيب‭ ‬يسري‭ ‬عمارة‭ ‬برعشة‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬اليسرى‭ ‬ووجد‭ ‬دماء‭ ‬غزيرة‭ ‬على‭ ‬ملابسه،‭ ‬واكتشف‭ ‬أنه‭ ‬أصيب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر،‭ ‬وتم‭ ‬إيقاف‭ ‬المركبة‭ ‬والتفت‭ ‬حوله‭ ‬فوجد‭ ‬الجندي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬أطلق‭ ‬النار‭ ‬عليه‭ ‬وفي‭ ‬بسالة‭ ‬نادرة‭ ‬قفز‭ ‬نحوه‭ ‬النقيب‭ ‬يسري‭ ‬وجرى‭ ‬باتجاهه‭ ‬بلا‭ ‬أي‭ ‬مبالاة‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الجندي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أطلق‭ ‬طلقة‭ ‬عشوائية‭ ‬لقتله‭ ‬بلا‭ ‬شك‭.‬‮ ‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬بسالة‭ ‬النقيب‭ ‬يسري‭ ‬أصابت‭ ‬الجندي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بالذعر‭ ‬ووصل‭ ‬إليه‭ ‬النقيب‭ ‬يسري‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أخرج‭ ‬خزينة‭ ‬البندقية‭ ‬الآلية‭ ‬وهي‭ ‬مملوءة‭ ‬بالرصاص‭ ‬وضربه‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬فسقط‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

وواصلت‭ ‬الفرقة‭ ‬التقدم‭ ‬وعند‭ ‬طريق‭ ‬شرق‭ ‬الفردان‭ ‬لاحظ‭ ‬النقيب‭ ‬يسري‭ ‬وكانت‭ ‬يده‭ ‬اليسرى‭ ‬قد‭ ‬تورمت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬يختبئون‭ ‬خلف‭ ‬طريق‭ ‬الإسفلت،‭ ‬ووجد‭ ‬أحدهم‭ ‬وهو‭ ‬يستعد‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬فتم‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬وأجبروهم‭ ‬على‭ ‬الاستسلام‭ ‬وكانوا‭ ‬أربعة‭ ‬وعرف‭ ‬أحدهم‭ ‬نفسه‭ ‬بأنه‭ ‬قائد،‭ ‬فتم‭ ‬تجريدهم‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬ومعاملتهم‭ ‬باحترام‭ ‬وفق‭ ‬التعليمات‭ ‬المشددة‭ ‬بضرورة‭ ‬معاملة‭ ‬أي‭ ‬أسير‭ ‬معاملة‭ ‬حسنة‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقاوم‭ ‬وتم‭ ‬تسليم‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬ضوء‭ ‬يوم‭ ‬9‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬هو‭ ‬العقيد‭ ‬عساف‭ ‬ياجوري‭ ‬قائد‭ ‬اللواء‭ ‬190‭ ‬مدرع‭.‬

العقيد‭ ‬محمد‭ ‬زرد‭.. ‬مقتحم‭ ‬حصن‭ ‬خط‭ ‬بارليف

بعد‭ ‬عبور‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭ ‬أضخم‭ ‬مانع‭ ‬مائي‭ ‬عرفه‭ ‬التاريخ‭ ‬وقف‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬المحصن‭ ‬حاجزاً‭ ‬أمام‭ ‬عبور‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬سيناء‭ ‬إلا‭ ‬إن‭ ‬الهجوم‭ ‬الكاسح‭ ‬أسقط‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحصون‭ ‬إلا‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬بقيت‭ ‬مستعصية‭ ‬على‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭.‬

وكانت‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬محصنة‭ ‬بطريقة‭ ‬فريدة‭ ‬وقوية‭ ‬ويبدو‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬مخصصة‭ ‬لقيادات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬معينة،‭ ‬وفشلت‭ ‬المجموعة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬اقتحام‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬المشيدة‭ ‬من‭ ‬صبات‭ ‬حديدية‭ ‬مدفونة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭.. ‬ولها‭ ‬باب‭ ‬صغير‭ ‬تعلوه‭ ‬فتحة‭ ‬ضيقة‭ ‬للتهوية‭. ‬وكان‭ ‬يقلق‭ ‬المجموعة‭ ‬المكلفة‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الحصن‭ ‬أن‭ ‬الأعلام‭ ‬المصرية‭ ‬أصبحت‭ ‬ترفرف‭ ‬فوق‭ ‬جميع‭ ‬حصون‭ ‬بارليف‭ ‬بعد‭ ‬سقوطها‭ ‬عدا‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الصامد‭ ‬الذي‭ ‬فشلت‭ ‬معه‭ ‬كل‭ ‬الأساليب‭ ‬العسكرية‭ ‬للفرقة‭ ‬المواجهة‭ ‬له‭. ‬وهنا‭ ‬أظهر‭ ‬العقيد‭ ‬محمد‭ ‬زرد‭ ‬قائد‭ ‬الفرقة‭ ‬المقاتلة‭ ‬عزيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬وإصرارا‭ ‬شديدا‭ ‬على‭ ‬مهاجمة‭ ‬الحصن‭ ‬بنفسه‭ ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬مهاجمته‭ ‬أثناء‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭.‬

وفجأة‭ ‬انطلق‭ ‬العقيد‭ ‬محمد‭ ‬زرد‭ ‬يجري‭ ‬بسرعة‭ ‬هائلة‭ ‬باتجاه‭ ‬جسم‭ ‬الموقع‭ ‬متحاشيا‭ ‬الرصاص‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المنهمر‭ ‬بغزارة‭ ‬من‭ ‬الموقع‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬اعتلاه‭ ‬وألقى‭ ‬قنبلة‭ ‬بداخله‭ ‬عبر‭ ‬فتحة‭ ‬التهوية‭ ‬وبعد‭ ‬دقيقتين‭ ‬دلف‭ ‬بجسده‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الحصن‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الفتحة‭ ‬وسط‭ ‬ذهول‭ ‬فرقته‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قائداً‭ ‬لها،‭ ‬وخلال‭ ‬انزلاقه‭ ‬بصعوبة‭ ‬من‭ ‬الفتحة‭ ‬الضيقة‭ ‬وجه‭ ‬إليه‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الموقع‭ ‬سيلا‭ ‬من‭ ‬الطلقات‭ ‬النارية‭ ‬أصابت‭ ‬جسده،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬تأكدت‭ ‬فرقته‭ ‬من‭ ‬استشهاده‭.‬

‮ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬ثوان‭ ‬معدودة‭ ‬وإذا‭ ‬بباب‭ ‬الحصن‭ ‬يفتح‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬ويخرج‭ ‬منه‭ ‬العقيد‭ ‬محمد‭ ‬زرد‭ ‬ممسكًا‭ ‬بطنه‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنزف‭ ‬دما‭ ‬بيده‭ ‬اليسرى‭ ‬ويده‭ ‬اليمنى‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬الحصن‭ ‬تضغط‭ ‬عليه‭ ‬بصعوبة‭ ‬لاستكمال‭ ‬فتحه‭ ‬ويتقدم‭ ‬مقتحمًا‭ ‬الحصن‭ ‬صائحا‭: ‬الله‭ ‬أكبر‭ ‬الله‭ ‬أكبر‭ ‬الله‭ ‬أكبر‭.‬

وفورا‭ ‬لحق‭ ‬به‭ ‬رجال‭ ‬فرقته‭ ‬لتدور‭ ‬معركة‭ ‬شرسة‭ ‬بالأيدي‭ ‬والسلاح‭ ‬ويتعالى‭ ‬صراخ‭ ‬الجنود‭ ‬الصهاينة‭ ‬ثم‭ ‬تنتهي‭ ‬المعركة‭ ‬وقد‭ ‬سقط‭ ‬الحصن‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬رجال‭ ‬البطل‭ ‬زرد،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يفارق‭ ‬الحياة‭ ‬لمس‭ ‬علم‭ ‬مصر‭ ‬وهو‭ ‬يرتفع‭ ‬فوق‭ ‬آخر‭ ‬حصون‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬الحصون‭  ‬الدفاعية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري،‭ ‬‮ ‬وعندها‭ ‬فقط‭ ‬ابتسم‭ ‬العقيد‭ ‬زرد‭ ‬ورحل‭ ‬شهيدا‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬وبنفس‭ ‬راضية‭ ‬وضرب‭ ‬مثلا‭ ‬رائعا‭ ‬في‭ ‬التضحية‭ ‬والفداء‭. ‬

الشهيد‭ ‬مقدم‭ ‬طيار‭ ‬حازم‭ ‬الغربي

هو‭ ‬طيار‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬فريد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الروح‭ ‬القتالية،‭ ‬وقد‭ ‬استشهد‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬فقد‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬اللواء‭ ‬محمود‭ ‬شاكر‭ ‬عبد‭ ‬المنعم،‭ ‬قائد‭ ‬ثاني‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬تنفيذ‭ ‬طلعة‭ ‬جوية‭ ‬عبر‭ ‬مكالمة‭ ‬هاتفية‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬1530‭ ‬ليبدأ‭ ‬‮«‬حازم‭ ‬الغربي‮»‬‭ ‬بتغيير‭ ‬تسليح‭ ‬الطائرات‭ ‬الثماني‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬قائدا‭ ‬لها‭ ‬حسب‭ ‬الطلعة‭ ‬والهدف‭ ‬الذي‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬تدمير‭ ‬وإيقاف‭ ‬رتل‭ ‬دبابات‭ ‬للعدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بعدد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬الثغرة‭ ‬بـ«الدفرسوار‮»‬‭ ‬وكان‭ ‬معه‭ ‬دفعته‭ ‬المقدم،‭ ‬حسن‭ ‬مأمون‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬إبلاغه‭ ‬بالتليفون‭ ‬حتى‭ ‬صعوده‭ ‬إلى‭ ‬كابينة‭ ‬القيادة‭.‬

المقدم‭ ‬‮«‬مأمون‮»‬‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬وجدت،‭ ‬حازم‭ ‬الغربي‭ ‬ساكنا‭ ‬يفكر‭ ‬بعمق‭ ‬ولا‭ ‬يتكلم‭ ‬فسألته‭ ‬‮«‬في‭ ‬إيه‭ ‬يا‭ ‬حازم؟‮»‬‭ ‬رد‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬طلبت‭ ‬مني‭ ‬لن‭ ‬تتحقق‭ ‬بسبب‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬الحصينة‭ ‬لهذا‭ ‬الهدف‭ ‬فهناك‭ ‬مجموعات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المعادية‭ ‬تحرس‭ ‬الهدف‭ ‬بطريقة‭ ‬مستمرة‭ ‬ومكثفة‮»‬‭ ‬فطلبت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يرفض‭ ‬الطلعة‭.. ‬فأجاب‭: ‬‮«‬لا‭.. ‬سأطلع‭ ‬وسأطير‭ ‬ويفعل‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬يريد‮»‬‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬الشهيد‭ ‬حازم‭ ‬صائما‭ ‬فألح‭ ‬عليه‭ ‬حسن‭ ‬مأمون‭ ‬أن‭ ‬يفطر‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬رفض‭ ‬ليصعدا‭ ‬إلى‭ ‬كابينة‭ ‬الطائرة‭ ‬ويساعده‭ ‬مأمون‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬أحزمته‭ ‬ليبادره‭ ‬الشهيد‭ ‬بمصحف‭ ‬يخرجه‭ ‬من‭ ‬جيبه‭ ‬ويعطيه‭ ‬إلى‭ ‬حسن‭ ‬مأمون،‭ ‬وقتها‭ ‬تأكد‭ ‬الأخير‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يرى‭ ‬حازما‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬فأخرج‭ ‬ورقة‭ ‬وكتب‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬رسول‭ ‬الله‮»‬‭ ‬وأعطى‭ ‬نصفها‭ ‬إلى‭ ‬الشهيد‭ ‬والأخرى‭ ‬وضعها‭ ‬بداخل‭ ‬المصحف‭ ‬ليتحرك‭ ‬الشهيد‭ ‬بطائرته‭ ‬في‭ ‬تمام‭ ‬الساعة‭ ‬1700‭.‬

أقلعت‭ ‬8‭ ‬طائرات‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الطلعة‭ ‬الجوية‭ ‬والهدف‭ ‬المكلفين‭ ‬به‭ ‬وقبل‭ ‬دخول‭ ‬منطقة‭ ‬الهدف‭ ‬بـ120‭ ‬ثانية‭ ‬رأى‭ ‬حازم‭ ‬الغربي‭ ‬مجموعات‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬طرازات‭ ‬الميراچ‭ ‬والفانتوم‭ ‬فأصدر‭ ‬قرارًا‭ ‬لسربه‭ ‬أن‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬بعضه‭ ‬فانفصلت‭ ‬أربع‭ ‬طائرات‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬طائرة‭ ‬الشهيد‭ ‬الغربي‭ ‬ليجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬اشتباك‭ ‬جوي‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬مع‭ ‬طائرات‭ ‬العدو،‭ ‬وكان‭ ‬عددها‭ ‬16‭ ‬طائرة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مساحة‭ ‬الاشتباك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬5‭ ‬كيلومترات،‭ ‬وأثناء‭ ‬الاشتباك‭ ‬أمر‭ ‬حازم‭ ‬زملاءه‭ ‬في‭ ‬السرب‭ ‬الثلاثة‭ ‬بالمناورة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الشمال‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬لإجبار‭ ‬الطائرات‭ ‬المعادية‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬مسارها‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬الهدف‭ ‬المراد‭ ‬تدميره‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أعطى‭ ‬أوامره‭ ‬لزملائه‭ ‬بالطيران‭ ‬خلف‭ ‬القوات‭ ‬المعادية‭ ‬ثم‭ ‬أطلق‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬التشكيل‭ ‬المصري‭ ‬صاروخا‭ ‬أسقط‭ ‬به‭ ‬طائرة‭ ‬ميراج‭ ‬إسرائيلية‭.‬

وبعدها‭ ‬بلحظة‭ ‬أطلق‭ ‬الشهيد‭ ‬الغربي‭ ‬صاروخا‭ ‬على‭ ‬قائد‭ ‬التشكيل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وأسقطه‭ ‬لتتاح‭ ‬الفرصة‭ ‬لزملائه‭ ‬بضرب‭ ‬الدبابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بنجاح‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الطائرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتبقية‭ ‬كانت‭ ‬تتابع‭ ‬زملاء‭ ‬الغربي‭ ‬بالصواريخ‭ ‬وتعرقلهم‭ ‬عن‭ ‬إكمال‭ ‬مهمتهم‭.‬

وهنا‭ ‬قرر‭ ‬حازم‭ ‬الغربي‭ ‬عمل‭ ‬دوران‭ ‬إلى‭ ‬الناحية‭ ‬الشرقية‭ ‬صوب‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لإفساح‭ ‬المنطقة‭ ‬لزملائه‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬أنها‭ ‬الأخيرة‭ ‬له‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬خطورتها‭ ‬لكن‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه‭ ‬حفَّزه‭ ‬على‭ ‬التضحية‭ ‬بنفسه‭ ‬وفداء‭ ‬زملائه‭ ‬لينال‭ ‬الشهادة‭ ‬وهو‭ ‬صائم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أسهم‭ ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬في‭ ‬عرقلة‭ ‬هجوم‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وأوقف‭ ‬تقدمها‭ ‬نتيجة‭ ‬ما‭ ‬أصابها‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬وأضرار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//