العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

السادس من أكتوبر يبقى مجيدا

تصادف‭ ‬غدا‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬الذكرى‭ ‬الــ49‭ ‬لحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيدة‭ ‬التي‭ ‬سطر‭ ‬خلالها‭ ‬الجيشان‭ ‬المصري‭ ‬والسوري‭ ‬مدعوما‭ ‬بمشاركة‭ ‬عربية،‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أنصع‭ ‬محطات‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬عدوان‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬ومنها‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬المصرية‭ ‬وهضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬محتلة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬وذهبت‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬إلى‭ ‬ضمها‭ ‬مخالفة‭ ‬للقوانين‭ ‬والشرائع‭ ‬الدولية‭ ‬مدعومة‭ ‬باعتراف‭ ‬أمريكي‭ ‬بشرعية‭ ‬هذا‭ ‬الضم،‭ ‬ففي‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬حطمت‭ ‬الجيوش‭ ‬المصرية‭ ‬والسورية‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمامية‭ ‬للجيش‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬وأشهرها‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس،‭ ‬وبذلك‭ ‬حطم‭ ‬الجيشان‭ ‬أكذوبة‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقهر‮»‬‭.‬

لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نصر‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬لما‭ ‬شاهدنا‭ ‬اليوم‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬يرفرف‭ ‬فوق‭ ‬كامل‭ ‬تراب‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬للعلم‭ ‬السوري‭ ‬أي‭ ‬وجود‭ ‬على‭ ‬الجزء‭ ‬المحرر‭ ‬من‭ ‬الهضبة‭ ‬المحتلة‭. ‬هذه‭ ‬حقيقة‭ ‬تؤكدها‭ ‬الممارسات‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬حيث‭ ‬ترفض‭ ‬سلطات‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬أراضي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬وهو‭ ‬الجزء‭ ‬الذي‭ ‬احتلته‭ ‬في‭ ‬عدوان‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬رغم‭ ‬جميع‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تطالبها‭ ‬بذلك،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الشهير‭ ‬242‭ ‬الذي‭ ‬حظي‭ ‬بإجماع‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬حلفاء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬أمام‭ ‬القيادتين‭ ‬المصرية‭ ‬والسورية‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬ترجمة‭ ‬للقول‭ ‬المأثور‭ ‬للزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬‮«‬ما‭ ‬أخذ‭ ‬بالقوة‭ ‬لا‭ ‬يُسترد‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قناعة‭ ‬تامة‭ ‬لدى‭ ‬القيادتين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬لن‭ ‬تنسحب‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬في‭ ‬عدوان‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬رغم‭ ‬جميع‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬وهذا‭ ‬الاستنتاج‭ ‬الذي‭ ‬توصلت‭ ‬إليه‭ ‬القيادتان‭ ‬المصرية‭ ‬والسورية‭ ‬تؤكده‭ ‬الوقائع‭ ‬والممارسات‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬المدعومة‭ ‬بقوة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفائها‭ ‬الأوربيين،‭ ‬حيث‭ ‬توفر‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬المظلة‭ ‬السياسية‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬مساءلة‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬عن‭ ‬سياساتها‭ ‬التوسعية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الاحتلال‭ ‬والضم‭ ‬والمصادرة‭.‬

لم‭ ‬تلجأ‭ ‬القيادتان‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬إلى‭ ‬الخيار‭ ‬العسكري‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استنفدت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬السياسية‭ ‬لإلزام‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬باحتلال‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬مازالت‭ ‬هذه‭ ‬السلطات‭ ‬ترفض‭ ‬تنفيذ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القرارات،‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالجزء‭ ‬المحتل‭ ‬من‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية‭ ‬أو‭ ‬أراضي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة،‭ ‬فكان‭ ‬خيار‭ ‬القيادتين‭ ‬المصرية‭ ‬والسورية‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الصائب‭ ‬والذي‭ ‬أوصل‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬قادة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬بأن‭ ‬الحقوق‭ ‬المشروعة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للمساومة‭ ‬وأن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التعدي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬واحتلالها‭ ‬بالقوة‭ ‬سيواجه‭ ‬بقوة‭ ‬مثلها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالضبط‭ ‬يوم‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيد‭.‬

كان‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬سياسيا‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيدة‭ ‬لو‭ ‬أديرت‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬بعقلية‭ ‬المنتصر‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التفريط‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النتائج،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيدة‭ ‬والنتائج‭ ‬التي‭ ‬تمخضت‭ ‬عنها‭ ‬شكل‭ ‬مفاجأة‭ ‬وصدمة‭ ‬ليس‭ ‬لقادة‭ ‬الاحتلال‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬للدول‭ ‬الداعمة‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬هرعت‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬الجسر‭ ‬الجوي‭ ‬العسكري‭ ‬لإنقاذ‭ ‬حليفها‭ ‬من‭ ‬الهزيمة‭ ‬المؤكدة،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬فقط‭ ‬أرغمت‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬على‭ ‬التسليم‭ ‬بالانسحاب‭ ‬التام‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬للجزء‭ ‬المحتل‭ ‬من‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية‭.‬

أياً‭ ‬تكن‭ ‬الأخطاء‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬وقيمة‭ ‬هذه‭ ‬النتائج،‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬الإيجابية‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع،‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬مصر‭ ‬كامل‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬مقابل‭ ‬إنهاء‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬و«إسرائيل‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬هي‭ ‬آخر‭ ‬الحروب‭ ‬بينهما،‭ ‬فالرئيس‭ ‬المصري‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬قال‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬آخر‭ ‬الحروب‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬مارست‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬أفعالها‭ ‬المعتادة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنفيذ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬ومازالت‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬تواصل‭ ‬اعتداءاتها‭ ‬على‭ ‬سوريا،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬نفذت‭ ‬اجتياحا‭ ‬واسعا‭ ‬للبنان‭ ‬عام‭ ‬1982‭ ‬وأصبحت‭ ‬بيروت‭ ‬ثاني‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬تحتلها‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭.‬

نجاحات‭ ‬أكتوبر‭ ‬كبيرة‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬جميع‭ ‬الأهداف،‭ ‬حيث‭ ‬مازالت‭ ‬أجزاء‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬ترزح‭ ‬تحت‭ ‬نير‭ ‬الاحتلال‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//