العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

كيف فرط الديمقراطيون في أمريكا في الناخبين البيض؟

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

عندما‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬فرطوا‭ ‬في‭ ‬الناخبين‭ ‬البيض‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬فإنه‭ ‬تتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬القصص‭ ‬الأربع‭ ‬التالية‭: ‬

في‭ ‬عام‭ ‬1984،‭ ‬ظهر‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يترشح‭ ‬لإعادة‭ ‬انتخابه،‭ ‬ومنافسه،‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الديمقراطي‭ ‬السابق‭ ‬والتر‭ ‬مونديل،‭ ‬في‭ ‬مأدبة‭ ‬العشاء‭ ‬التي‭ ‬أقامتها‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬الإيطالية‭ ‬الأمريكية‭. ‬كان‭ ‬مونديل‭ ‬برفقة‭ ‬زميلته‭ ‬المترشحة‭ ‬لمنصب‭ ‬نائبة‭ ‬الرئيس،‭ ‬عضو‭ ‬الكونجرس‭ ‬جيرالدين‭ ‬فيرارو،‭ ‬وهي‭ ‬أمريكية‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إيطالي‭.‬

لقد‭ ‬قوبل‭ ‬خطاب‭ ‬والتر‭ ‬مونديل‭ ‬ليلتها‭ - ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬ذاك‮»‬‭- ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬الحماس‭ ‬‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الحضور‭ ‬لم‭ ‬يصفقوا‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬ذكر‭ ‬اسم‭ ‬زميلته‭ ‬المترشحة‭ ‬معه‭ ‬جيرالدين‭ ‬فيرارو‭. ‬

أما‭ ‬منافسه‭ ‬الجمهوري‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان‭ ‬فقد‭ ‬استهل‭ ‬كلامه‭ ‬ليلتها‭ ‬بالقول‭ ‬مخاطبا‭ ‬الحضور‭ ‬إنهم‭ ‬كانوا‭ ‬‮«‬تأكيدًا‭ ‬محبًا‭ ‬للأحلام‭ ‬اليائسة‭ ‬أحيانًا‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬يغيرون‭ ‬العالم‭ ‬الذين‭ ‬أتوا‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬واخترعوا‭ ‬أمريكا‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬اختار‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان‭ ‬التركيز‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬تعليقاته‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬المهاجرين‭ ‬الإيطاليين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬واستعرض‭ ‬المصاعب‭ ‬التي‭ ‬تحملوها،‭ ‬والقيم‭ ‬التي‭ ‬عاشوها،‭ ‬وإنجازاتهم‭ ‬التي‭ ‬يفخرون‭ ‬بها‭.‬

عندما‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬كلامه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬عين‭ ‬جافة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬لأن‭ ‬ممثل‭ ‬هوليوود‭ ‬أخبرهم‭ ‬أنه‭ ‬يفهم‭ ‬قصتهم‭. ‬لقد‭ ‬غادرت‭ ‬حزنًا‭ - ‬فقد‭ ‬ألقى‭ ‬ريجان‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬وأظهر‭ ‬مونديل‭ ‬أنه،‭ ‬مثل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيين،‭ ‬نسي‭ ‬كيفية‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الناخبين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لحزبهم‭.‬

‭- ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون،‭ ‬دعيت‭ ‬للدردشة‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭. ‬أخبرته‭ ‬عن‭ ‬مسقط‭ ‬رأسي‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬ولاية‭ ‬نيويورك‭ ‬وكان‭ ‬أغلب‭ ‬سكانها‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إيطالي‭ ‬من‭ ‬المهاجرين،‭ ‬حيث‭ ‬عاشت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجيال‭ ‬في‭ ‬شقق‭ ‬مزدوجة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬عائلتين‭.‬

كان‭ ‬لدى‭ ‬معظمهم‭ ‬وظائف‭ ‬نقابية‭ ‬جيدة‭ ‬في‭ ‬مصانع‭ ‬القطن‭ ‬المحلية‭. ‬عندما‭ ‬نقلت‭ ‬المطاحن‭ ‬عملياتها‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬فقد‭ ‬الآلاف‭ ‬مصادر‭ ‬رزقهم‭ ‬وأجبروا‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬بديل‭. ‬تم‭ ‬قطع‭ ‬أوصال‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬الممتدة‭ ‬حيث‭ ‬تُرك‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬وراءهم‭ ‬كما‭ ‬هُجرت‭ ‬المنازل‭ ‬وأهملت‭ ‬وأصبحت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬سيئة‭.‬

انخفض‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬جراء‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬إلى‭ ‬58‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬بضعة‭ ‬عقود‭. ‬عندما‭ ‬سألت‭ ‬الرئيس‭ ‬كلينتون‭ ‬عما‭ ‬يمكن‭ ‬عمله،‭ ‬أجاب‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نستعيد‭ ‬هذه‭ ‬الوظائف‭ ‬أبدًا‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬المستمر‭ ‬وإعادة‭ ‬التدريب‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬عالية‭ ‬التقنية‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تلك‭ ‬الطريقة‭ ‬الفظة‭ ‬التي‭ ‬أجابني‭ ‬بها‭ ‬الرئيس‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬طرحته‭ ‬عليه‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬لجيراني‭ ‬السابقين‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر‭ ‬وانعدام‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬محنتهم‭.‬

‭- ‬خلال‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬كان‭ ‬لدي‭ ‬ناشط‭ ‬جمهوري‭ ‬محافظ‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬برنامجي‭ ‬التلفزيوني‭. ‬بعد‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬حججه‭ ‬الجمهورية‭ ‬التقليدية‭ ‬حول‭ ‬خفض‭ ‬الضرائب،‭ ‬وخفض‭ ‬الحكومة،‭ ‬وإلغاء‭ ‬القيود،‭ ‬سألته،‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬برنامجك،‭ ‬فلماذا‭ ‬يقضي‭ ‬مرشحوك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬وهم‭ ‬يعبرون‭ ‬عن‭ ‬مناهضتهم‭ ‬للإجهاض‭ ‬والهجرة‭ ‬والعدالة‭ ‬العرقية؟‮»‬

عندها‭ ‬أجابني‭ ‬ذلك‭ ‬الناشط‭ ‬الجمهوري‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬هذه‭ ‬أشياء‭ ‬لامعة‭ ‬نعلقها‭ ‬أمام‭ ‬الناخبين‭ ‬الغاضبين‭ ‬لكسب‭ ‬دعمهم،‭ ‬حتى‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬الفوز‭ ‬بالانتخابات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬متابعة‭ ‬سياساتنا‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭. ‬

‭- ‬في‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬بعد‭ ‬الخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬تكبدها‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬قيادة‭ ‬الحزب‭ ‬حيث‭ ‬قدم‭ ‬مسؤول‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬للحزب‭ ‬النتائج‭ ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬الانتخابات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالسوء‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعتقده‭ ‬البعض‭.‬

لقد‭ ‬فاز‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬بأغلبية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأصوات‭ ‬الأساسية‮»‬‭ - ‬الشباب‭ ‬والنساء‭ ‬المتعلمات‭ ‬والناخبون‭ ‬السود‭ ‬واللاتينيون‭ ‬والآسيويون‭. ‬كانت‭ ‬المشكلة‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬فوز‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬أن‭ ‬يحصدوا‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬لتحقيق‭ ‬الفوز‭.‬

بصفتي‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الناخبين‭ ‬العرقيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬أوروبي‭ ‬ومتوسطي،‭ ‬أشرت‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬بتجاهل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناخبين،‭ ‬فقد‭ ‬خسرنا‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬ولايات‭ ‬الغرب‭ ‬الأوسط،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬مدمر‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الولايات‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬‮«‬قاعدتنا‭ ‬الانتخابية‭ ‬التقليدية‮»‬،‭ ‬ألا‭ ‬يستطيع‭ ‬الحزب‭ ‬توجيه‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬للفوز‭ ‬بالناخبين‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬العرقية‭ ‬البيضاء؟‭ ‬أجابني‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نهدر‭ ‬المال‭ ‬على‭ ‬المجموعات‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تصوت‭ ‬لنا‭ ‬أبدًا‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬فقد‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬الاتصال‭ ‬بالناخبين‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬العرقية‭ ‬البيضاء‭ ‬وواصلوا‭ ‬نسختهم‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬إما‭ ‬أو‮»‬‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحدث‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قاعدتهم‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬ترك‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬المجال‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للجمهوريين‭ ‬لاستغلال‭ ‬احتياجات‭ ‬ناخبي‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬البيضاء‭ ‬ومشاعرهم‭ ‬بالتخلي‭ ‬عنهم‭. ‬

في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم،‭ ‬ستتاح‭ ‬الفرصة‭ ‬للديمقراطيين‭ ‬لتغيير‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭. ‬في‭ ‬بنسلفانيا‭ ‬وأوهايو،‭ ‬يتحدث‭ ‬مرشحا‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬جون‭ ‬فيترمان‭ (‬بنسلفانيا‭) ‬وتيم‭ ‬رايان‭ (‬أوهايو‭) ‬عن‭ ‬إحباطات‭ ‬وتطلعات‭ ‬الناخبين‭ ‬البيض‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬سياساتهما‭ - ‬فترمان‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬رايان‭ - ‬فإن‭ ‬كلاهما‭ ‬يعالج‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬احتياجات‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يكافحون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتصاد‭ ‬متغير‭.‬

ومن‭ ‬دون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬الحاسمة‭ ‬مثل‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬والمساواة‭ ‬العرقية،‭ ‬يقدم‭ ‬هذان‭ ‬المرشحان‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬جميع‭ ‬الأمريكيين‭. ‬إنهما‭ ‬يرسمان‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬لهزيمة‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬الترمبية‮»‬‭ ‬ويصبحون‭ ‬حزبًا‭ ‬يحكم‭ ‬الأغلبية‭.‬

‭ ‬{‭ ‬رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//