العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

الأضــــــــــداد.. لا تجتـمــــــع!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

الأضداد‭ ‬لا‭ ‬تجتمع،‭ ‬هذه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ردها‭ ‬أو‭ ‬التشكيك‭ ‬فيها،‭ ‬فالشمس‭ ‬لا‭ ‬تجتمع‭ ‬مع‭ ‬القمر،‭ ‬وكل‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬يسبحون،‭ ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬أشرقت‭ ‬الشمس‭ ‬غاب‭ ‬القمر‭ ‬وإذا‭ ‬ظهر‭ ‬القمر‭ ‬غابت‭ ‬الشمس،‭ ‬لأن‭ ‬الشمس‭ ‬تشرق‭ ‬بالنهار،‭ ‬والقمر‭ ‬يضيئ‭ ‬بالليل،‭ ‬والليل‭ ‬والنهار‭ ‬ضدان‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: (‬والشمس‭ ‬تجري‭ ‬لمستقر‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭ ‬تقدير‭ ‬العزيز‭ ‬العليم‭ (‬38‭) ‬والقمر‭ ‬قدرناه‭ ‬منازل‭ ‬حتى‭ ‬عاد‭ ‬كالعرجون‭ ‬القديم‭ (‬39‭) ‬لا‭ ‬الشمس‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬القمر‭ ‬ولا‭ ‬الليل‭ ‬سابق‭ ‬النهار‭ ‬وكل‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬يسبحون‭ (‬40‭)) ‬يس‭.‬

لو‭ ‬خرجت‭ ‬الشمس‭ ‬عن‭ ‬مدارها،‭ ‬وتخلف‭ ‬القمر‭ ‬في‭ ‬حركته‭ ‬لاختل‭ ‬توازن‭ ‬الوجود،‭ ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬حتى‭ ‬يأذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بذلك‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭.‬

والعدل‭ ‬والاستبداد‭ ‬ضدان‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان،‭ ‬فلكل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬سبيله،‭ ‬وعلى‭ ‬فرض‭ -‬وهذا‭ ‬فرض‭ ‬مستحيل‭- ‬أن‭ ‬اجتمعت‭ ‬جميع‭ ‬الأضداد،‭ ‬فإن‭ ‬العدل‭ ‬والاستبداد‭ ‬لا‭ ‬يلتقيان‭ ‬أبدًا،‭ ‬لأنه‭ ‬ساعة‭ ‬يحضر‭ ‬العدل‭ ‬بشموخه‭ ‬وبعظمته‭ ‬يغيب‭ ‬الاستبداد،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭ ‬فإن‭ ‬الاستبداد‭ ‬إذا‭ ‬شاع‭ ‬أظلم‭ ‬نهار‭ ‬العدل،‭ ‬وغابت‭ ‬شمسه‭ ‬وتوارى‭ ‬القمر‭ ‬وراء‭ ‬الغيوم‭ ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭(‬العادل‭ ‬المستبد‭) ‬وهذه‭ ‬أكذوبة‭ ‬روج‭ ‬لها‭ ‬الحاقدون‭ ‬على‭ ‬الإسلام،‭ ‬الزاعمون‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬للإسلام‭ ‬بالسياسة،‭ ‬الداعون‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬الإسلام‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬وأن‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬حبيسًا‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬لا‭ ‬يغادرها،‭ ‬ولا‭ ‬يلتقي‭ ‬بالناس‭ ‬ولا‭ ‬يلتقي‭ ‬الناس‭ ‬به،‭ ‬وليس‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬ينظم‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬يسدد‭ ‬خطاهم‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الحق،‭ ‬وهذه‭ ‬مقولة‭ ‬روج‭ ‬لها‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭ ‬ليكفوا‭ ‬يد‭ ‬الإسلام‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يتدخل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬لينظم‭ ‬لهم‭ ‬شؤون‭ ‬حياتهم‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬تشريعاته‭ ‬العظيمة،‭ ‬ومبادئه‭ ‬القويمة‭.‬

وكذلك‭ ‬النور‭ ‬والظلام‭ ‬ضدان‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان،‭ ‬فلكل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬مجاله،‭ ‬ولكل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬دوره‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬من‭ ‬أجله،‭ ‬ومهمته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬غيره،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: (‬والليل‭ ‬إذا‭ ‬يغشى‭ (‬1‭) ‬والنهار‭ ‬إذا‭ ‬تجلى‭ (‬2‭) ‬وما‭ ‬خلق‭ ‬الذكر‭ ‬والأنثى‭ (‬3‭) ‬إن‭ ‬سعيكم‭ ‬لشتى‭ (‬4‭)) (‬سورة‭ ‬الليل‭)‬،‭ ‬ووفقًا‭ ‬لهذه‭ ‬القاعدة‭ ‬الإلهية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتخلف،‭ ‬ولا‭ ‬تتبدل‭ ‬يكون‭ ‬حال‭ ‬الذكر‭ ‬والأنثى،‭ ‬فلكل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬دوره‭ ‬ومجاله،‭ ‬فلا‭ ‬يقوم‭ ‬الذكر‭ ‬مقام‭ ‬الأنثى،‭ ‬ولا‭ ‬تقوم‭ ‬الأنثى‭ ‬مقام‭ ‬الذكر،‭ ‬وبهما‭ ‬معًا‭ ‬يتكامل‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني،‭ ‬بل‭ ‬الوجود‭ ‬كله،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ألا‭ ‬يقوم‭ ‬الذكر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة‭ ‬بدور‭ ‬الأنثى،‭ ‬وألا‭ ‬تقوم‭ ‬الأنثى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة‭ ‬بدور‭ ‬الذكر،‭ ‬لكن‭ ‬القاعدة‭ ‬الأساس‭ ‬أنه‭ ‬كما‭ ‬لليل‭ ‬مهمة‭ ‬وللنهار‭ ‬مهمة،‭ ‬فكذلك‭ ‬للذكر‭ ‬مهمة‭ ‬وللأنثى‭ ‬مهمة‭.‬

كذلك‭ ‬العلم‭ ‬والجهل‭ ‬ضدان‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان‭ ‬أبدًا‭ ‬لأن‭ ‬لكل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬مجاله،‭ ‬ولكل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تكمل‭ ‬الحياة‭ ‬إلا‭ ‬بهما،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬مهمات‭ ‬العلم‭ ‬كشف‭ ‬الحقائق،‭ ‬وإنارة‭ ‬السبل‭ ‬للسالكين،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الجهل‭ ‬التخبط‭ ‬في‭ ‬الضلالات،‭ ‬واختيار‭ ‬غير‭ ‬سبيل‭ ‬المؤمنين‭.‬

وحين‭ ‬نأتي‭ ‬إلى‭ ‬التقدم‭ ‬والتخلف،‭ ‬فسوف‭ ‬نجد‭ ‬أنهما‭ ‬ضدان‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان،‭ ‬وحين‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬أمة‭ ‬أنها‭ ‬تتقدم،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬تسير‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬وحين‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬أمة‭ ‬بأنها‭ ‬تتخلف،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬أمة‭ ‬تسير‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬وللخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬نفسها‭ ‬وتقف‭ ‬وقفة‭ ‬محاسبة‭ ‬لحاضرها‭ ‬ومستقبلها،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬وراء‭ ‬تقدمها‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وتخلفها‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬ثم‭ ‬تجدد‭ ‬العزم‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬التخلف‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬واعد،‭ ‬ونهضة‭ ‬مرجوة،‭ ‬وتبقى‭ ‬حقيقة‭ ‬لابد‭ ‬وأن‭ ‬ندركها‭ ‬وهي‭: ‬كما‭ ‬أن‭ ‬للسقوط‭ ‬أسبابه،‭ ‬فإن‭ ‬للنهضة‭ ‬أسبابها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬السقوط‭ ‬وأسباب‭ ‬التقدم‭ ‬ونعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتنا،‭ ‬فنقدم‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬التقديم‭ ‬ونؤخر‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬تأخيره‭.‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬نختم‭ ‬حديثنا‭ ‬عن‭ ‬الأضداد‭ ‬بضدين‭ ‬وهما‭ ‬الحب‭ ‬والبغض،‭ ‬وهما‭ ‬ضدان‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان‭ ‬بل‭ ‬هما‭ ‬متنافران‭ ‬لأن‭ ‬محلهما‭ ‬القلب،‭ ‬والقلب‭ ‬محل‭ ‬للمشاعر‭ ‬والأحاسيس،‭ ‬ويصعب‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مشاعره‭ ‬وأحاسيسه،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬علينا‭ ‬فعله‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نوجه‭ ‬الطاقة‭ ‬الصالحة‭ ‬لمشاعر‭ ‬الحب‭ ‬ومشاعر‭ ‬البغض،‭ ‬فنزيد‭ ‬مساحة‭ ‬الحب،‭ ‬وننقص‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬البغض‭ ‬أو‭ ‬الكره،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬نحاسب‭ ‬عليه‭ ‬إما‭ ‬ثوابًا‭ ‬وإما‭ ‬عقابًا،‭ ‬ولقد‭ ‬رفع‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬عنا‭ ‬الحرج‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭: (‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الله‭ ‬لرجل‭ ‬من‭ ‬قلبين‭ ‬في‭ ‬جوفه‭) ‬الأحزاب‭ / ‬4‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬رجل‭ ‬قلبان‭ ‬يحب‭ ‬بأحدهما،‭ ‬ويبغض‭ ‬بالآخر،‭ ‬فكذلك‭ ‬لا‭ ‬يجتمع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬واحد‭ ‬الحب‭ ‬والبغض‭ ‬بنسب‭ ‬متساوية،‭ ‬فيوصف‭ ‬الإنسان‭ ‬بأنه‭ ‬محب‭ ‬أو‭ ‬كاره‭ ‬بحسب‭ ‬النسبة‭ ‬المتيقنة‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬والكره،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬ربما‭ ‬بيد‭ ‬الإنسان‭ ‬وبإرادته‭ ‬الحرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//