العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

أكسفورد واليابان تجربة جميلة..
التعليم.. وتأهيل كوادر المستقبل

بقلم: د. خليل حسن }

السبت ٠١ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

من‭ ‬أهم‭ ‬أهداف‭ ‬جلالة‭ ‬الملك،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬في‭ ‬مشروعه‭ ‬الإصلاحي،‭ ‬هو‭ ‬تطهير‭ ‬عقول‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬الترسبات‭ ‬الفئوية‭ ‬والطائفية،‭ ‬لخلق‭ ‬أجيال‭ ‬متناغمة‭ ‬بفكر‭ ‬إنساني‭ ‬أخلاقي‭ ‬علمي،‭ ‬لتكون‭ ‬القوى‭ ‬البشرية‭ ‬المستقبلية‭ ‬المنتجة‭. ‬والتي‭ ‬ستحافظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬نسيج‭ ‬مجتمعنا‭ ‬المترابط،‭ ‬وتكون‭ ‬مهيئة‭ ‬ومدربة‭ ‬لخدمة‭ ‬حاجيات‭ ‬أسواقنا‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬وتنافس‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬العالم‭ ‬المتصارعة‭ ‬على‭ ‬الجودة‭ ‬ورخص‭ ‬السعر،‭ ‬لتطور‭ ‬اقتصادنا،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬سعر‭ ‬عملتنا‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬

وفعلا‭ ‬أتضحت‭ ‬أكثر‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬التعليمية‭ ‬بين‭ ‬طلابنا‭ ‬المتفوقين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭. ‬والتي‭ ‬تضم‭ ‬كفاءات‭ ‬شبابية‭ ‬تم‭ ‬تأهيلها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كانوا‭ ‬طلابا‭ ‬بالمدارس‭ ‬الثانوية،‭ ‬وحتى‭ ‬تم‭ ‬اختيارهم‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬للمتفوقين‭. ‬بل‭ ‬وبدخولهم‭ ‬خيرة‭ ‬جامعات‭ ‬العالم،‭ ‬وتكملة‭ ‬تدريباتهم‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬مكاتب‭ ‬سمو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء،‭ ‬وحتى‭ ‬تسلمهم‭ ‬مسؤوليات‭ ‬قيادية‭ ‬حكومية،‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬عينوا‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬الإداري‭ ‬الحكومي‭. ‬

وقد‭ ‬علق‭ ‬الأستاذ‭ ‬أنور‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭ ‬على‭ ‬ذلك‭  ‬بقوله‭: ‬‮«‬التعديل‭ ‬الوزاري‭ ‬يندرج‭ ‬بالتأكيد‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭... ‬تتطلب‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الحكومي‭...‬على‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬رؤية‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬وسمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬للمرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬والإصلاح‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وزارات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬وأجهزة‭ ‬الدولة‭... ‬إن‭ ‬التشكيل‭ ‬الوزاري‭ ‬الجديد‭ ‬يراهن‭ ‬رهانا‭ ‬أساسيا‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يمثلون‭ ‬أغلبية‭ ‬الوزراء‭ ‬الجدد‭... ‬تقع‭ ‬على‭ ‬أكتافهم‭ ‬مهمة‭ ‬وطنية‭ ‬كبرى‭... ‬تتطلب‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬الكفاءة‭ ‬والإبداع‭ ‬والجهد‭ ‬والعمل‭... ‬وبأن‭ ‬المسؤول‭ ‬الحكومي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬خادم‭ ‬للمجتمع‭ ‬ككل‭ ‬وللوطن،‭ ‬وليست‭ ‬مهمته‭ ‬خدمة‭ ‬أي‭ ‬مصلحة‭ ‬فئوية‭ ‬أو‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭... ‬والاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬لموارد‭ ‬الدولة‭ ‬المتاحة‭ ‬لكل‭ ‬وزارة‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭. ‬فالأوضاع‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬أي‭ ‬هدر‭ ‬أو‭ ‬تبديد‭ ‬للموارد‭... ‬وعلى‭ ‬الوزراء‭ ‬الجدد‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬أن‭ ‬الآمال‭ ‬المعلقة‭ ‬عليهم‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬عليهم‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬ومواجهتها‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا‮»‬‭.‬

وهنا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتوقف‭ ‬لنراجع‭ ‬سؤالا‭ ‬مهما‭: ‬ما‭ ‬مسؤولية‭ ‬حكومتنا‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التعليم؟‭ ‬نعم‭ ‬خلقنا‭ ‬كفاءات‭ ‬رائعة،‭ ‬ببرنامج‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬للمتفوقين،‭ ‬لقيادة‭ ‬حكوماتنا‭ ‬القادمة،‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يهيئ‭ ‬التعليم‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬والقوى‭ ‬البشرية‭ ‬لسوق‭ ‬العمل‭ ‬المستقبلية،‭ ‬كما‭ ‬حققه‭ ‬برنامج‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬للمتفوقين؟‭ ‬وهل‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتلعب‭ ‬الدولة‭ ‬دورها،‭ ‬لنشر‭ ‬فلسفة‭ ‬تعليمية‭ ‬مستقبلية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مدارسنا‭ ‬الحكومية‭ ‬والخاصة،‭ ‬باعتبار‭ ‬كل‭ ‬طالب‭ ‬متفوق‭ ‬بقدرات‭ ‬متباينة‭ ‬كامنة،‭ ‬لتهيئة‭ ‬قوى‭ ‬بشرية‭ ‬ملتزمة،‭ ‬منضبطة،‭ ‬ومنتجة،‭ ‬ومنافسة،‭ ‬لتحديات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬المستقبلية؟‭ ‬

ذكرني‭ ‬ذلك‭ ‬بشخصيتين،‭ ‬الأولى‭ ‬غربية‭ ‬والثانية‭ ‬شرقية،‭ ‬فليسمح‭ ‬لي‭ ‬القارئ‭ ‬العزيز‭ ‬بعرض‭ ‬تجربتهما‭. ‬ولدت‭ ‬الكاتبة‭ ‬هيلين‭ ‬كيلر‭ ‬عام‭ ‬1880،‭ ‬وقد‭ ‬أصيبت‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬بحمى‭ ‬شديدة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬فقدانها‭ ‬البصر‭ ‬والسمع‭ ‬والتكلم‭. ‬وتعرفت‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬السادسة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬على‭ ‬آن‭ ‬سوليفان‭ ‬التي‭ ‬علمتها‭ ‬أبجدية‭ ‬اللمس‭. ‬وقد‭ ‬تحدت‭ ‬كيلر‭ ‬عاهتها‭ ‬وأكملت‭ ‬دراستها‭ ‬الجامعية‭ ‬بتفوق،‭ ‬كما‭ ‬نشرت‭ ‬قصة‭ ‬حياتها‭ ‬عام‭ ‬1902‭. ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭: ‬ما‭ ‬الظروف‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬الأعمى‭ ‬والأصم،‭ ‬إلى‭ ‬بصير‭ ‬ومفكر‭ ‬متفوق‭ ‬كالآنسة‭ ‬كلير؟

أما‭ ‬الشخصية‭ ‬الثانية‭ ‬فهو‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الياباني‭ ‬شونسوكي‭ ‬تسورومي،‭ ‬والذي‭ ‬التقت‭ ‬به‭ ‬الآنسة‭ ‬كيلر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الثلاثينيات،‭ ‬حينما‭ ‬كان‭ ‬طالبا‭ ‬بجامعة‭ ‬هارفارد‭ ‬فعلقت‭ ‬بقولها‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬تعلمت‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬ولكن‭ ‬بعدما‭ ‬تخرجت،‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أتناسى‭ ‬ما‭ ‬تعلمته،‭ ‬وأبدأ‭ ‬من‭ ‬جديد‮»‬‭. ‬حاول‭ ‬تسورومي‭ ‬أن‭ ‬يتفهم‭ ‬معنى‭ ‬كلمة‭ ‬التناسي،‭ ‬فشرح‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬تصورت‭ ‬بأنني‭ ‬تعلمت‭ ‬حياكة‭ ‬جاكته‭ ‬الصوف‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬وحينما‭ ‬تخرجت‭ ‬فتقت‭ ‬هذه‭ ‬الحياكة‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬لخيوط‭ ‬صوفية،‭ ‬ثم‭ ‬قمت‭ ‬بحياكتها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬جسمي‮»‬‭. ‬ويعني‭ ‬بذلك‭ ‬أن‭ ‬الآنسة‭ ‬كيلر‭ ‬تناست‭ ‬المعلومات‭ ‬الجامعية‭ ‬الملقنة،‭ ‬وتفهمتها‭ ‬بطريقة‭ ‬جديدة،‭ ‬لتستفيد‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬تحديات‭ ‬مجتمعها،‭ ‬وإيجاد‭ ‬الطرق‭ ‬المناسبة‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭. ‬

ولو‭ ‬تعمقنا‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬هذا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الياباني‭ ‬لفهمنا‭ ‬بأنه‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬حواراته‭ ‬مع‭ ‬هيلين‭ ‬كيلر‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬هارفرد‭ ‬لكي‭ ‬يرفض‭ ‬تعليما‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬تلقين‭ ‬المعلومة،‭ ‬ويطور‭ ‬تعليما‭ ‬يحول‭ ‬كل‭ ‬طالب،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬إلى‭ ‬متفوق‭ ‬بقدراته،‭ ‬بل‭ ‬ويركز‭ ‬على‭ ‬التدريب‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومة،‭ ‬للاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعضلات‭ ‬الحياتية‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يعتقد‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مشاكل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بحقيقة‭ ‬معينة‭ ‬ثابتة،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬تحديات‭ ‬تتغير‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬والظرف‭ ‬المرافق‭. ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬حلول‭ ‬ثابتة،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬طرق‭ ‬مختلفة‭ ‬لمحاولة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬حسب‭ ‬الظروف‭ ‬وزمانها،‭ ‬وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬خلق‭ ‬تعليم‭ ‬مبدع‭ ‬ومنتج‭. ‬وكما‭ ‬قالها‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا،‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬التعليم‭ ‬أولا‭ ‬وثانيا‭ ‬وثالثا‭.‬

}‭ ‬سفير‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬سابقا

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//