العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

رحل عبد الناصر ولم يغب

قبل‭ ‬أيام،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬مرت‭ ‬الذكرى‭ ‬الــ‭ ‬52‭ ‬لرحيل‭ ‬الزعيم‭ ‬العربي‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬ذكرى‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬ميلادا‭ ‬ورحيلا،‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬رقم‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬العربية‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬التشويه‭ ‬والشطب‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬شخصية‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬الاستثنائي‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قيادته‭ ‬للمشروع‭ ‬التحرري‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي،‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬استهدفت،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التصدي‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬الطموح‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬للنيل‭ ‬وزعزعة‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الجماهير‭ ‬العربية‭ ‬ولدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬مختلف‭ ‬القارات،‭ ‬ولكن‭ ‬رغم‭ ‬شراسة‭ ‬هذه‭ ‬الحملات،‭ ‬فإن‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬خرج‭ ‬منها‭ ‬شامخا‭ ‬وبقي‭ ‬هذا‭ ‬الشموخ‭ ‬قائما‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬وفاته،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬صحة‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اختطه‭ ‬الزعيم‭ ‬وقيمة‭ ‬الإرث‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬وراءه‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الارتباط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬مسيرته‭ ‬النضالية‭ ‬وثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬التي‭ ‬قاد‭ ‬مشروعها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬جسد‭ ‬ما‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬وطنية‭ ‬وقومية‭ ‬وعمل‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قيادته‭ ‬على‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬بقيت‭ ‬خالدة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يترجم‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الزعيم،‭ ‬فما‭ ‬حققته‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬بقيادة‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬تعدى‭ ‬كثيرا‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬المصرية،‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬إنجازات‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬لصالح‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬وخاصة‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقة‭ ‬الفقيرة‭ ‬من‭ ‬عمال‭ ‬وفلاحين‭ ‬انحصر‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬المصري،‭ ‬فإن‭ ‬تأثير‭ ‬الثورة‭ ‬عم‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬والأفريقية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القارات‭.‬

ليس‭ ‬بخافٍ‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬تلك‭ ‬المؤامرات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬وتعرضت‭ ‬لها‭ ‬حياة‭ ‬زعيمها‭ ‬شخصيا،‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يرق‭ ‬لها‭ ‬رؤية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سماع‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬الثورة‭ ‬وقائدها‭ ‬عن‭ ‬الطموح‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيقها،‭ ‬كون‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬تتعارض‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬القوى‭ ‬المعادية‭ ‬للثورة‭ ‬على‭ ‬تنفيذها،‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬ليست‭ ‬منحصرة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬المصري‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬الأخطر‭ ‬منها‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬فالمشاريع‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيقها،‭ ‬تتعارض‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬للشعب‭ ‬المصري‭ ‬والشعوب‭ ‬العربية‭.‬

عندما‭ ‬تحل‭ ‬ذكرى‭ ‬ميلاد‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬أو‭ ‬وفاته،‭ ‬وعندما‭ ‬تحتفل‭ ‬مصر‭ ‬الشقيقة‭ ‬بذكرى‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو،‭ ‬تكتشف‭ ‬مدى‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ذكرى‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬والثورة،‭ ‬تحتلها‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬عاصرت‭ ‬سنوات‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬القائد،‭ ‬وإن‭ ‬دل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬فإنما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬مصداقية‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬اتسمت‭ ‬بها‭ ‬سنوات‭ ‬قيادته‭ ‬للمشروع‭ ‬الوطني‭ ‬المصري‭ ‬وتبنيه‭ ‬بأمانة‭ ‬وشجاعة‭ ‬لقضايا‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬قضية‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬أولوياته‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬قدمت‭ ‬مصر‭ ‬تضحيات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬واستحضار‭ ‬المآثر‭ ‬والإنجازات‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬قيادته‭ ‬للمشروع‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬الشعوب‭ ‬والبلدان‭ ‬العربية،‭ ‬ومنها‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬مصر،‭ ‬تمر‭ ‬بفترة‭ ‬مخاض،‭ ‬كانت‭ ‬عسيرة‭ ‬بالفعل‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬دفعت‭ ‬أثمانا‭ ‬باهظة‭ ‬خلال‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬كشرت‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬عن‭ ‬أنيابها‭ ‬ونواياها‭ ‬الخبيثة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬إعاقة‭ ‬وإفشال‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تحرر‭ ‬وطني،‭ ‬وتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬البكر‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬حين‭ ‬تعرضت‭ ‬للعدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬ومن‭ ‬خلفهما‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬ترجمة‭ ‬لتحالف‭ ‬الشر‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المعادية‭ ‬لتطلعات‭ ‬الشعوب‭.‬

عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬ليس‭ ‬قديسا،‭ ‬وسنوات‭ ‬قيادته‭ ‬للثورة‭ ‬ليست‭ ‬كلها‭ ‬ناصعة‭ ‬وخالية‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬والاخفاقات،‭ ‬فالأهداف‭ ‬كانت‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬وما‭ ‬تحقق‭ ‬منها‭ ‬أيضا‭ ‬كبير‭ ‬وكثير،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجحف‭ ‬حق‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬تبوؤ‭ ‬المنزلة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬إليها،‭ ‬فهذه‭ ‬المنزلة‭ ‬لم‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬قلوب‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وتمسكه‭ ‬بالمبادئ‭ ‬التي‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬ومصداقية‭ ‬هذه‭ ‬المواقف،‭ ‬بمثابة‭ ‬المصباح‭ ‬الذي‭ ‬يبدد‭ ‬الظلام‭ ‬الذي‭ ‬عاشت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬على‭ ‬مقدراتها‭ ‬وحرمانها‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬بخيراتها‭ ‬وبنعمة‭ ‬استقلالها‭ ‬الوطني،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬28‭ ‬سبتمبر‭ ‬1970‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬الصدمة‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬تلقتها‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬واعتبرها‭ ‬البعض‭ ‬بمثابة‭ ‬رصاصة‭ ‬الرحمة‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الناصري،‭ ‬لكن‭ ‬بقاء‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬يبدد‭ ‬ذلك‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//