العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

الثقافي

قصة قصيرة: إطار

بقلم: مهدي عبدالله

السبت ٠١ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

تعودت‭ ‬أن‭ ‬أجلس‭ ‬إلى‭ ‬جواره‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬المواليد‭ ‬والوفيات‭ ‬التي‭ ‬يقيمها‭ ‬المأتم‭ ‬إحياء‭ ‬لذكرى‭ ‬الأئمة‭ ‬الأطهار‭. ‬كان‭ ‬رجلا‭ ‬أنيق‭ ‬المظهر‭ ‬باسما‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬وصاحب‭ ‬ضحكة‭ ‬مميزة‭. ‬ورغم‭ ‬بلوغه‭ ‬الخمسين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬قليلا‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يبدو‭ ‬بصحة‭ ‬جيدة‭ ‬وحال‭ ‬طيب‭. ‬يتحدث‭ ‬ببشاشة‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬المأتم‭ ‬ويشاطرهم‭ ‬أخبارهم‭ ‬وهمومهم‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأوقات‭ ‬حول‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة‭ ‬وتفاصيلها‭ ‬وأسعار‭ ‬المقاولين‭ ‬وما‭ ‬استجد‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬تطورات‭. ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬يمارس‭ ‬الرياضة‭ ‬بانتظام‭ ‬ويمشي‭ ‬ساعة‭ ‬كاملة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬صحته،‭ ‬كما‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬تناول‭ ‬المأكولات‭ ‬الدسمة‭ ‬والحلويات‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬والكولسترول،‭ ‬كما‭ ‬يحرص‭ ‬عند‭ ‬شرب‭ ‬الشاي‭ ‬أو‭ ‬القهوة‭ ‬أن‭ ‬يكونا‭ ‬خاليين‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬إضافات‭. ‬كنت‭ ‬أغبطه‭ ‬على‭ ‬إرادته‭ ‬الحديدية‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الأسباب‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬الأمراض‭.‬

كان‭ ‬في‭ ‬شبابه‭ ‬فتى‭ ‬رياضيا‭ ‬مرموقا‭ ‬يشار‭ ‬إليه‭ ‬بالبنان‭ ‬كأفضل‭ ‬حارس‭ ‬مرمى‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬القرية،‭ ‬وكان‭ ‬قائدا‭ ‬بارعا‭ ‬للدراجات‭ ‬النارية‭ ‬يبز‭ ‬أقرانه‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬المسابقات‭ ‬التي‭ ‬تقام‭ ‬بينهم‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭. ‬كنت‭ ‬أستمتع‭ ‬بالحديث‭ ‬معه‭ ‬واسترجاع‭ ‬ذكرياته‭ ‬المحببة،‭ ‬وكان‭ ‬يأنس‭ ‬لإصغائي‭ ‬فيتكلم‭ ‬بأريحية‭ ‬وودّ‭ ‬كبيرين‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الجائحة‭ ‬التي‭ ‬أطاحت‭ ‬بالأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬وحصدت‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الأرواح‭ ‬وانقطع‭ ‬فيها‭ ‬الأخ‭ ‬عن‭ ‬أخيه‭ ‬والشابّ‭ ‬عن‭ ‬والده‭ ‬وتوقفت‭ ‬احتفالات‭ ‬المواليد‭ ‬والوفيات‭ ‬وحلت‭ ‬محلها‭ ‬مشاهد‭ ‬الجنازات‭ ‬والأحزان‭. ‬وصار‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬يخشى‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬ويلزم‭ ‬البيت‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬حياته‭ .‬

وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬أتصفح‭ ‬المجموعة‭ ‬الهاتفية‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بأخبار‭ ‬القرية،‭ ‬فوجئت‭ ‬لرؤية‭ ‬صورة‭ ‬الرجل‭ ‬وأسفلها‭ ‬عبارة‭: ‬نسألكم‭ ‬الدعاء‭ ‬لشفاء‭ ‬هذا‭ ‬المريض‭. ‬أسقط‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬وحزنت‭ ‬حزنا‭ ‬عظيما‭ ‬وتمنيت‭ ‬بكل‭ ‬جوارحي‭ ‬أن‭ ‬يمنّ‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬بالصحة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭. ‬لكنني‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬فجعت‭ ‬عندما‭ ‬رأيت‭ ‬الصورة‭ ‬مكللة‭ ‬بإطار‭ ‬أسود‭ ‬معلنة‭ ‬رحيله‭ ‬إلى‭ ‬الرفيق‭ ‬الأعلى‭.‬

ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬دهشتي‭ ‬أن‭ ‬صاحبي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ضحية‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬كورونا‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬أجله‭ ‬نتيجة‭ ‬أزمة‭ ‬قلبية‭ ‬مباغتة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//