العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

الثقافي

بتنظيم مجلس بن رجب الثقافي.. «فتنة السؤال» تطرق مواقيت الدهشة في حضرة قاسم حداد

متابعة: زهراء غريب

السبت ٠١ أكتوبر ٢٠٢٢ - 02:00

طرقت‭ ‬أمسية‭ ‬‮«‬فتنة‭ ‬السؤال‮»‬‭ ‬مواقيت‭ ‬الدهشة‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬شاعرنا‭ ‬الكبير‭ ‬قاسم‭ ‬حداد‭ ‬بعدما‭ ‬أثمرت‭ ‬اجاباته‭ ‬بيانا‭ ‬ثريا‭ ‬لقضايا‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬الشعري‭ ‬الصادق‭ ‬وتوظيف‭ ‬الصوت‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والواقع‭. ‬وانحدرت‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬تلاها‭ ‬قاسم‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬وختام‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬أقيم‭ ‬الأربعاء‭ ‬الماضي‭ ‬الموافق‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022‭ ‬معانٍ‭ ‬مأهولة‭ ‬بالحب‭ ‬والتمرد‭ ‬والألم‭.‬

السليقة‭ ‬لا‭ ‬تكفي

وفي‭ ‬معرض‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬طرحه‭ ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬رضي‭ -‬الذي‭ ‬أدار‭ ‬اللقاء‭- ‬حول‭ ‬أهمية‭ ‬المعرفة‭ ‬للشعر،‭ ‬أوضح‭ ‬قاسم‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬السليقة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬مشروع‭ ‬وجميل‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لتعقد‭ ‬الحياة‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬الكتابة‭ ‬باتت‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬السليقة؛‭ ‬فهي‭ ‬تراكمت‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬العامة‭ ‬والثقافة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬وما‭ ‬عادت‭ ‬سهلة‭ ‬الإنجاز‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬فالمعرفة‭ ‬هنا‭ ‬ضرورة‭ ‬لإسناد‭ ‬الموهبة‮»‬‭.‬

الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬ترادف‭ ‬الواقع

وردا‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭ ‬حول‭ ‬تمييزه‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والواقع،‭ ‬أفاد‭ ‬قاسم‭ ‬بأن‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬قضية‭ ‬فلسفية‭ ‬وإنما‭ ‬يومية‭ ‬نواجهها‭ ‬كثيراً‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬الرسمية‭ ‬والعربية‭ ‬ككل‭ ‬‮«‬إذ‭ ‬إن‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬والصحافة‭ ‬الراهنة‭ ‬تريد‭ ‬إقناع‭ ‬القارئ‭ ‬والمواطن‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬مسافة‭ ‬شاسعة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والحقيقة؛‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬شخصياً‭ ‬بإعلان‭ ‬يأسي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭. ‬هذا‭ ‬اليأس‭ ‬ممنوع‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬والمحيط‭ ‬العربي‭ ‬ككل؛‭ ‬لأنك‭ ‬بيأسك‭ ‬وبحثك‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تفضح‭ ‬الواقع،‭ ‬والذي‭ ‬يجري‭ ‬الكلام‭ ‬عنه‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬ليس‭ ‬حقيقي‮»‬‭.‬

وأضاف‭ ‬مشدداً‭: ‬‮«‬أظن‭ ‬أن‭ ‬علينا‭ ‬الانتباه‭ ‬لهذه‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تموت‭ ‬فيها‭ ‬شعوب‭ ‬وقوى‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والحقيقة؛‭ ‬لأن‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬أصبح‭ ‬عندها‭ ‬آلية‭ ‬جهنمية‭ ‬لإقناع‭ ‬القارئ‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬كذلك‭ ‬إنما‭ ‬واقع‭ ‬يومي‭ ‬بليد‭ ‬غير‭ ‬إنساني‮»‬‭.‬

قطيعة‭ ‬التراث

واعتبر‭ ‬قاسم‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬هواء‭ ‬يتنفس‭ ‬منه‭ ‬الكاتب‭ ‬بأي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬شروط‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عصر‭ ‬من‭ ‬العصور‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬قطيعته‭ ‬التي‭ ‬راجت‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬بوصفها‭ ‬شرطا‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬الحداثة‭ ‬أوقعتنا‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬كبير؛‭ ‬فالقطيعة‭ ‬مع‭ ‬التراث‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الكاتب‭ ‬هو‭ ‬تجسيد‭ ‬لخسارة‭ ‬فادحة؛‭ ‬فاللغة‭ ‬العربية‭ ‬مثلاً‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭ ‬بحسب‭ ‬شهادات‭ ‬الآخرين‮»‬‭.‬

الترميز‭ ‬والكذب‭ ‬

شدد‭ ‬قاسم‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الترميز‭ ‬بوصفه‭ ‬أمرا‭ ‬إيجابيا،‭ ‬مؤكداً‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬لتضليل‭ ‬القارئ‭ ‬وإنما‭ ‬أجد‭ ‬ضرورة‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬بمخيلته‭ ‬وتقديرها‭. ‬أنا‭ ‬أكتب‭ ‬الشعر‭ ‬مثلما‭ ‬يغرد‭ ‬الطائر‭ ‬بموسيقاه‭ ‬أو‭ ‬يكتب‭ ‬الموسيقي‭ ‬نوتة‭ ‬موسيقية؛‭ ‬الموسيقى‭ ‬هي‭ ‬الفن‭ ‬التجريدي‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬الثقافية،‭ ‬الموسيقى‭ ‬شيء‭ ‬مجرد‭ ‬وأنت‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تفسيرها‮»‬،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬المعنى‭ ‬يصدر‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬القصيدة‭ ‬مع‭ ‬القارئ،‭ ‬فكلما‭ ‬تعددت‭ ‬المعاني‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬وصياغة‭ ‬للنص‭ ‬والقصيدة،‭ ‬لافتاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مخيلة‭ ‬الشاعر‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ضفاف‭ ‬عدم‭ ‬التصديق؛‭ ‬فنشاطها‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬الكذب‭ ‬الفني‭ ‬وهو‭ ‬محاولة‭ ‬لتشغيل‭ ‬التخييل‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تشغيل‭ ‬المخيلة‭ ‬عند‭ ‬القارئ‭ ‬وهذا‭ ‬شيء‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الفنون‭ ‬الأخرى؛‭ ‬‮«‬فنحن‭ ‬نعجب‭ ‬إحساساً‭ ‬بلوحة‭ ‬فنية‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬تفسيرها،‭ ‬وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬نشعر‭ ‬به‮»‬‭.‬

واقع‭ ‬أكثر‭ ‬مأساوية

رأى‭ ‬قاسم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الواقع‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬مأساوية‭ ‬مما‭ ‬كنا‭ ‬نعايشه‭ ‬نحن،‭ ‬وأن‭ ‬القمع‭ ‬التقليدي‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬يصد‭ ‬الكاتب‭ ‬والشاعر‭ ‬الذي‭ ‬عليه‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬بوقاً‭ ‬ويتعامل‭ ‬كشخص‭ ‬حزبي‭ ‬في‭ ‬القصيدة‮»‬،‭ ‬مستدركاً‭: ‬‮«‬لكن‭ ‬للأسف‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬شهدت‭ ‬تحول‭ ‬النضال‭ ‬الايديولوجي‭ ‬العلماني‭ ‬إلى‭ ‬نضال‭ ‬آيديولوجي‭ ‬ديني؛‭ ‬لذلك‭ ‬أنا‭ ‬أنصحها‭ ‬بعدم‭ ‬الوقوع‭ ‬فيما‭ ‬وقعنا‭ ‬فيه‭ ‬سابقاً‭ ‬عندما‭ ‬انهارت‭ ‬الآيديولوجيات‭ ‬العلمانية‭ ‬فتوقف‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‮»‬‭.‬

بين‭ ‬الحب‭ ‬والسحر‭ ‬قصيدة‭ ‬

وكانت‭ ‬القصيدة‭ ‬هاجسا‭ ‬لم‭ ‬يغادر‭ ‬تنفس‭ ‬قاسم،‭ ‬وبالخصوص‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬جمع‭ ‬فيها‭ ‬قاسم‭ ‬كل‭ ‬نبض‭ ‬عالق‭ ‬بهواه‭.‬

هواه‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬المتميز‭ ‬والعاشق‭ ‬لنص‭ ‬قاسم‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬بن‭ ‬رجب‭ ‬الثقافي،‭ ‬وفي‭ ‬عشق‭ ‬تخلله‭ ‬حوار‭ ‬اداره‭ ‬الشاعر‭ ‬المولع‭ ‬بقاسم‭ ‬كريم‭ ‬رضي‭ ‬الذي‭ ‬عودنا‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬كل‭ ‬راكد‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الثقافة‭ ‬وانشغالات‭ ‬النص‭.‬

هذا‭ ‬الحضور‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬احتضن‭ ‬قاسم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬كان‭ ‬حضورا‭ ‬لنص‭ ‬عالق‭ ‬بمشجب‭ ‬قلب‭ ‬قاسم،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬للحب‭ ‬سحر،‭ ‬وللسحر‭ ‬جنة‭ ‬موسومة‭ ‬بالناق‭ ‬الدفيء‭.‬

تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬قاسم‭ ‬بنص‭ ‬لا‭ ‬يهدأ‭ ‬ولا‭ ‬ينشغل‭ ‬بالكفن‭ ‬بقدر‭ ‬انشغاله‭ ‬بالحياة،‭ ‬اتضحت‭ ‬صورته‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الحداثي‭ ‬وفي‭ ‬اصرار‭ ‬الشاعر‭ ‬قاسم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يركن‭ ‬وهج‭ ‬روحه‭ ‬ويغادر‭ ‬محيط‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬عشقه‭ ‬وانتمى‭ ‬إليه،‭ ‬كونها‭ ‬علاقة‭ ‬تأصلت‭ ‬وأنتجت‭ ‬ألقها‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬قاسم،‭ ‬فلم‭ ‬يبخل‭ ‬قاسم‭ ‬على‭ ‬ايقاظ‭ ‬النص‭ ‬وتركه‭ ‬مشتعلا‭ ‬بالجدل‭ ‬حيث‭ ‬حطت‭ ‬سنابك‭ ‬فرسه‭ ‬متقدماً‭ ‬على‭ ‬اقرانه‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬ليؤكد‭: ‬ان‭ ‬الحياة‭ ‬دون‭ ‬الشعر‭ ‬موت،‭ ‬وإن‭ ‬الموت‭ ‬بغير‭ ‬كفن‭ ‬الشعر‭ ‬لا‭ ‬يشعره‭ ‬بالجنة،‭ ‬فالمسافة‭ ‬بين‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬يقظاً‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بعمر‭ ‬مسافة‭ ‬المدى‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تقاس‭ ‬بحرفنة‭ ‬وانشغال‭ ‬بنص‭ ‬جديد‭ ‬ذي‭ ‬لغة‭ ‬لا‭ ‬تغادر‭ ‬موقع‭ ‬ولادته‭ ‬وإن‭ ‬غادرت‭ ‬تعود‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//