العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

اتفاق أوسلو والأخطاء السبعة

بقلم: مصطفى البرغوثي {

الجمعة ٣٠ ٢٠٢٢ - 02:00

صادفت‭ ‬الذكرى‭ ‬التاسعة‭ ‬والعشرون‭ ‬لتوقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬مؤخرا،‭ ‬أن‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وتوتر‭ ‬شمل‭ ‬كل‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وتحريض‭ ‬إسرائيلي‭ ‬بشن‭ ‬حملات‭ ‬اقتحام‭ ‬عسكرية‭ ‬ضخمة‭ ‬ستنتهي‭ ‬إن‭ ‬حدثت‭ ‬حتماً‭ ‬بمجازر‭ ‬وحشية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬محافظات‭ ‬نابلس‭ ‬وجنين،‭ ‬وتهديدات‭ ‬باقتحامات‭ ‬خطيرة‭ ‬للمستعمرين‭ ‬المستوطنين‭ ‬للمسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬أثناء‭ ‬العطل‭ ‬اليهودية‭.‬

أذكر‭ ‬جيداً،‭ ‬كيف‭ ‬استغرب‭ ‬كثيرون‭ ‬معارضتنا‭ ‬لاتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬عندما‭ ‬وُقع،‭ ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬مؤيدوه‭ ‬يغرقون‭ ‬في‭ ‬أوهام‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬النوايا‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وفي‭ ‬أحلام‭ ‬تحول‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬سنغافورة‭ ‬جديدة‭.‬

ولم‭ ‬يحتج‭ ‬الأمر‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬حتى‭ ‬أدرك‭ ‬الجميع،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬من‭ ‬جاهر‭ ‬بإدراكه،‭ ‬ومن‭ ‬تستر‭ ‬عليه،‭ ‬أن‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬لم‭ ‬يجلب‭ ‬سلاماً‭ ‬ولا‭ ‬حرية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬فخ‭ ‬نصبته‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬للقيادة‭ ‬الرسمية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لامتصاص‭ ‬نتائج‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى،‭ ‬وكسب‭ ‬الوقت،‭ ‬لاستعادة‭ ‬زخم‭ ‬التوسع‭ ‬الاستيطاني،‭ ‬ولإحباط‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتأييسهم‭ ‬ونشر‭ ‬الانقسامات‭ ‬بين‭ ‬صفوفهم‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يرضخوا‭ ‬لتحويل‭ ‬فكرة‭ ‬الدولة‭ ‬المستقلة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬هزيل‭ ‬محكوم‭ ‬بالاحتلال‭ ‬والهيمنة‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬أوسلو‭ ‬قدراً،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سمع‭ ‬صانعوه‭ ‬تحذيرات‭ ‬قادة‭ ‬كثيرين‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬بأن‭ ‬أخطر‭ ‬الأمور‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وقف‭ ‬الاستيطان‭ ‬بالكامل‭.‬

وليس‭ ‬هدفنا‭ ‬الآن‭ ‬توجيه‭ ‬الملامات‭ ‬والانتقادات،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬إجراء‭ ‬المراجعة‭ ‬التاريخية‭ ‬للأخطاء‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬والاعتراف‭ ‬بها،‭ ‬لتجنب‭ ‬تكرارها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

هناك‭ ‬سبعة‭ ‬أخطاء،‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬اتسمت‭ ‬بها‭ ‬مفاوضات‭ ‬واتفاق‭ ‬أوسلو‭: ‬

أولاً‭: ‬توقيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اشتراط‭ ‬وقف‭ ‬الاستيطان،‭ ‬والنتيجة‭ ‬واضحة‭ ‬إذ‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬المستعمرين‭ ‬المستوطنين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬121‭ ‬ألفاً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬750‭ ‬ألفاً‭ ‬اليوم‭.‬

ثانياً‭: ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬مرحلي،‭ ‬جزئي،‭ ‬انتقالي‭ ‬ووقف‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬لوضع‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬مفتوحة‭ ‬للتفاوض‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬بعد‭ ‬6‭ ‬سنوات،‭ ‬ولم‭ ‬يبدأ‭ ‬فعلياً‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬تسعة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاماً‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬أتقنوا‭ ‬تحويل‭ ‬الوضع‭ ‬المؤقت‭ ‬بكل‭ ‬عيوبه‭ ‬ونواقصه‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬دائم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مستمراً‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬

ثالثاً‭: ‬القبول‭ ‬بتجزئة‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أ‭ ‬،‭ ‬ب‭ ‬،‭ ‬ج‭ ‬،‭ ‬وحصر‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬18‭%‬‭ ‬من‭ ‬أراضي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬أعاد‭ ‬الاحتلال‭ ‬استباحتها‭ ‬بالكامل‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬وخطورة‭ ‬الأمر‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬62‭%‬‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القدس،‭ ‬كُرست‭ ‬بالكامل‭ ‬للتوسع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الاستعماري،‭ ‬وأصبحت‭ ‬ممنوعة‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

رابعاً‭: ‬اعتراف‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬غير‭ ‬المتكافئ‭ ‬بحق‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬حدودها،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعترف‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أو‭ ‬بحقها‭ ‬في‭ ‬الوجود‭.‬

‭ ‬خامساً‭: ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬باريس‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬والضرائب‭ ‬التي‭ ‬يدفعها‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬من‭ ‬عرق‭ ‬جبينهم‭ ‬رهينة‭ ‬وأسيرة‭ ‬للاحتلال‭.‬

سادساً‭: ‬القبول‭ ‬بعقيدة‭ ‬التنسيق‭ ‬الأمني‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وهي‭ ‬سابقة‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬احتلال،‭ ‬عندما‭ ‬يُطالب‭ ‬الذين‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬بتوفير‭ ‬الأمن‭ ‬لمن‭ ‬يحتلهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستطيعوا‭ ‬حماية‭ ‬شعبهم‭ ‬وأنفسهم‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬الاحتلال‭ ‬ذاته‭.‬

سابعاً‭: ‬إن‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬نفسه،‭ ‬أصبح‭ ‬قاعدة‭ ‬وسبباً‭ ‬لأكبر‭ ‬انقسام‭ ‬سياسي‭ ‬داخلي،‭ ‬بين‭ ‬الساحات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومكونات‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الثلاثة،‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬والخارج،‭ ‬والأراضي‭ ‬المحتلة‭.‬

ما‭ ‬تشهده‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬انتفاضة‭ ‬ثالثة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد،‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬موجات‭ ‬متلاحقة،‭ ‬من‭ ‬المقاومة‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬عمليات‭ ‬فردية،‭ ‬أو‭ ‬هبات‭ ‬واسعة‭ ‬للمقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬كما‭ ‬عشناها‭ ‬في‭ ‬هبة‭ ‬الأقصى‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬ومعركة‭ ‬القدس‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تمرد‭ ‬شبابي‭ ‬على‭ ‬انغلاق‭ ‬الآفاق،‭ ‬وقمع‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وشراسة‭ ‬نظام‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬والتمييز‭ ‬العنصري‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬والتجاهل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والعالمي‭ ‬لآلام‭ ‬ومعاناة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

يكتشف‭ ‬الكتّاب‭ ‬والمحللون‭ ‬الإسرائيليون،‭ ‬والمسؤولون‭ ‬الأمنيون‭ ‬اليوم،‭ ‬ما‭ ‬كررنا‭ ‬قوله‭ ‬علناً،‭ ‬طوال‭ ‬السنوات‭ ‬السبعة‭ ‬الماضية،‭ ‬أن‭ ‬فلسطين‭ ‬تغلي‭ ‬بالغضب‭ ‬وتعيش‭ ‬حالة‭ ‬انتفاضة‭ ‬جديدة‭ ‬،‭ ‬وأن‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬جعلت‭ ‬السلطة‭ ‬عاجزة،‭ ‬وأن‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬فقدوا‭ ‬الثقة‭ ‬كلياً‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬حل‭ ‬الدولتين‮»‬‭ ‬و«نهج‭ ‬المفاوضات‮»‬‭ ‬والمراهنة‭ ‬على‭ ‬تدخل‭ ‬أمريكي،‭ ‬أو‭ ‬دولي،‭ ‬وفقدوا‭ ‬الثقة‭ ‬تماماً‭ ‬بمن‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬المراوحة‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬هذه‭ ‬المراهنات‭.‬

ويبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬الشباب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أعاد‭ ‬اكتشاف‭ ‬ما‭ ‬اكتشفه‭ ‬آباؤهم‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى،‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬‮«‬حك‭ ‬جلدك‭ ‬مثل‭ ‬ظفرك‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬للخلاص،‭ ‬سوى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس،‭ ‬وتنظيم‭ ‬الذات،‭ ‬وتحدي‭ ‬ظلم‭ ‬الاحتلال‭.‬

ويخطئ‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وحكومته،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عندما‭ ‬يلجأون‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ ‬عقيدتهم،‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالقمع‭ ‬سيتحقق‭ ‬بقمع‭ ‬أكبر،‭ ‬مكررين‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬ألبرت‭ ‬أينشتاين‭ ‬بالغباء،‭ ‬عندما‭ ‬يعيد‭ ‬الإنسان‭ ‬الفعل‭ ‬نفسه‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬ويتوقع‭ ‬نتائج‭ ‬مختلفة‭.‬

لم‭ ‬يبق‭ ‬لدى‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬البسطاء،‭ ‬وأبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ما‭ ‬يخسرونه‭ ‬سوى‭ ‬قيودهم،‭ ‬وذلهم،‭ ‬ومعاناتهم‭ ‬خلال‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬والاحتلال‭ ‬والتمييز‭ ‬العنصري،‭ ‬ولم‭ ‬يعودوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭ ‬إرضاء‭ ‬لأقلية‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬تخديرهم‭ ‬بأوهام‭ ‬جديدة‭ ‬اكتشفوا‭ ‬أنها‭ ‬سراب‭ ‬مضلل‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬فلسطين‭ ‬تلتهب‭ ‬بالنضال‭ ‬رغم‭ ‬قمع‭ ‬وتنكيل‭ ‬الاحتلال‭.‬

 

{‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة‭ ‬المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//