العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

سوق الطاقة وتحولات الاقتصاد العالمي

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الأربعاء ٢٨ ٢٠٢٢ - 02:00

سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬النفط‭ ‬أهم‭ ‬مكوناته‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬والتطورات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬تباطؤ‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬كانت‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬صرحت‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي‭ ‬بأن‭ ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬التجارية‭ (‬وليست‭ ‬الاستراتيجية‭) ‬قد‭ ‬زادت‭ ‬بمقدار‭ ‬4‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬عن‭ ‬الأسبوع‭ ‬السابق‭ ‬عند‭ ‬مستوى‭ ‬426‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬برميل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تباطؤا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وركودا،‭ ‬وإثر‭ ‬صدور‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬انخفض‭ ‬سعر‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬95‭ ‬دولارًا‭ ‬للبرميل،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أوبك‭ ‬بلس‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬تخفض‭ ‬الإنتاج‭ ‬بمقدار‭ ‬طفيف،‭ ‬وفي‭ ‬مؤشرات‭ ‬أخرى‭ ‬لهذا‭ ‬الركود،‭ ‬انخفضت‭ ‬مدخلات‭ ‬مصفاة‭ ‬النفط‭ ‬الأمريكية‭ ‬بمقدار‭ ‬174‭ ‬ألف‭ ‬برميل‭ ‬يوميًّا‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬المذكور،‭ ‬وانعكس‭ ‬هذا‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة،‭ ‬وفيما‭ ‬يمتد‭ ‬الركود‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬متزامنًا‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬ديون‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة،‭ ‬فإن‭ ‬أوساط‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬تتخوف‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬2008‭ ‬حين‭ ‬تراجع‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬بمقدار‭ ‬112‭ ‬دولارًا‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬شهور‭ ‬فقط‭. ‬وبحسب‭ ‬تعريف‭ ‬المكتب‭ ‬الوطني‭ ‬الأمريكي‭ ‬للبحوث‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬الحكم‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬حالة‭ ‬ركود،‭ ‬فإن‭ ‬6‭ ‬شهور‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬السالب‭ ‬تؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬انخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬التوظيف‭ ‬والإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬والإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬وانخفاض‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬وزيادة‭ ‬معدلات‭ ‬تسريح‭ ‬العمالة‭.‬

وفي‭ ‬أحدث‭ ‬دراسة‭ ‬للبنك‭ ‬الدولي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022،‭ ‬تمت‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬ركود‭ ‬اقتصادي‭ ‬في‭ ‬2023‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬بزيادات‭ ‬متزامنة‭ ‬لأسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬لمكافحة‭ ‬التضخم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الخمسة‭ ‬الماضية،‭ ‬مع‭ ‬ترجيح‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬ويرى‭ ‬البنك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لكبح‭ ‬جماح‭ ‬التضخم‭ ‬والنزول‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬المستويات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬ويرى‭ ‬رئيس‭ ‬مجموعة‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬تعقيبه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أنه‭ ‬لتخفيض‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬واستقرار‭ ‬العملات‭ ‬وتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو،‭ ‬ينبغي‭ ‬لواضعي‭ ‬السياسات‭ ‬تحويل‭ ‬تركيزهم‭ ‬من‭ ‬تخفيض‭ ‬الاستهلاك‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتوليد‭ ‬استثمارات‭ ‬إضافية‭ ‬وتحسين‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وقد‭ ‬بينت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يمرّ‭ ‬الآن‭ ‬بأشدّ‭ ‬تباطؤ‭ ‬منذ‭ ‬1970،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬معدلات‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬تراجعًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬وتشهد‭ ‬أكبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬اقتصادات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ (‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬ومنطقة‭ ‬اليورو‭) ‬هذا‭ ‬التراجع،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬صدمة‭ ‬خفيفة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬تهوي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬غمرة‭ ‬الركود‭.‬

وفيما‭ ‬يتجه‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لاحتواء‭ ‬التضخم‭ ‬برفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة،‭ ‬فإن‭ ‬محاولات‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تتطلب‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬القصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬لإتاحة‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالأموال‭ ‬الرخيصة،‭ ‬وعلى‭ ‬أثر‭ ‬ذلك‭ ‬تتزايد‭ ‬وتيرة‭ ‬الإنفاق،‭ ‬ولا‭ ‬يحدث‭ ‬الركود،‭ ‬ويعود‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬عزل‭ ‬الحالة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬تضخم‭ ‬وتباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬عن‭ ‬مسبباتها‭ ‬السياسية‭. ‬وجاء‭ ‬في‭ ‬أحدث‭ ‬تصريح‭ ‬للبنك‭ ‬المركزي‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬انخفاضًا‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬بعدما‭ ‬عطلت‭ ‬روسيا‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬القارة،‭ ‬وبيّنت‭ ‬النشرة‭ ‬الشهرية‭ ‬للبنك‭ ‬تضاعف‭ ‬مؤشرات‭ ‬الركود،‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬ومجتمع‭ ‬الأعمال،‭ ‬وما‭ ‬يسفر‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وأعاد‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬شحنات‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬وإغلاق‭ ‬خط‭ ‬أنابيب‭ ‬نورد‭ ‬ستريم‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬أغسطس‭. ‬وقبل‭ ‬الحرب‭ ‬كان‭ ‬55‭%‬‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الذي‭ ‬تستهلكه‭ ‬ألمانيا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬روسيا،‭ ‬وتوقع‭ ‬البنك‭ ‬انكماش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الثالث‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬2022‭ ‬وبداية‭ ‬2023،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬واستهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬تبعًا‭ ‬لهذا‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي،‭ ‬وقد‭ ‬تزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬وارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬المستهلكين‭ ‬بمعدل‭ ‬7‭.‬9‭%‬،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬توقعات‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأوروبي‭ ‬2‭%‬‭. ‬وللمرة‭ ‬الخامسة‭ ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬يرفع‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬سبتمبر‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬الأخير‭ ‬أصبح‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬يبلغ‭ ‬3.25‭%‬،‭ ‬مستهدفا‭ ‬وصول‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬عند‭ ‬2‭%‬،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬يبلغ‭ ‬8‭.‬3‭%‬،‭ ‬وهو‭ ‬الأعلى‭ ‬خلال‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬وقد‭ ‬ضربت‭ ‬بالفعل‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المرتفعة‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬انخفاضًا‭ ‬حادًّا،‭ ‬فيما‭ ‬تراجعت‭ ‬أيضًا‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬الآسيوية‭. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬يرفع‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬بداية‭ ‬إلى‭ ‬تهدئة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬ولكنه‭ ‬يزيد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬حدوث‭ ‬ركود‭. ‬ومع‭ ‬انكماش‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الثاني‭ ‬لهذا‭ ‬العام،‭ ‬نتيجة‭ ‬هبوط‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬وهبوط‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬التضخم‭ ‬عن‭ ‬المستوى‭ ‬المتوقع‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ومع‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬تشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬والتداعيات‭ ‬السلبية‭ ‬للحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬وإجراءات‭ ‬الصين‭ ‬الاحترازية‭ ‬إزاء‭ ‬تفشي‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬فإن‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬قد‭ ‬خفّض‭ ‬توقعاته‭ ‬لنمو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬6‭.‬1‭%‬‭ ‬في‭ ‬2021‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬2‭%‬‭ ‬في‭ ‬2022،‭ ‬و2‭.‬9‭%‬‭ ‬في‭ ‬2023‭. ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التراجع،‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬طبقًا‭ ‬للصندوق‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وتشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬وتجدد‭ ‬إجراءات‭ ‬مكافحة‭ ‬كوفيد‭ - ‬19،‭ ‬إلى‭ ‬تخفيض‭ ‬توقعات‭ ‬النمو‭ ‬إلى‭ ‬2‭.‬6‭%‬‭ ‬في‭ ‬2022،‭ ‬و2‭%‬‭ ‬في‭ ‬2023،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭ ‬قد‭ ‬خفّض‭ ‬توقعاته‭ ‬لنمو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬إلى‭ ‬2‭.‬9‭%‬،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬الماضي‭ ‬لهذا‭ ‬النمو‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬4‭.‬1‭%‬‭.‬

ومع‭ ‬مخاوف‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬تراجعت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬سبتمبر‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬في‭ ‬ثمانية‭ ‬أشهر،‭ ‬وسجل‭ ‬سعر‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬91‭.‬25‭ ‬دولارا‭ ‬للبرميل،‭ ‬وفي‭ ‬19‭ ‬سبتمبر‭ ‬بلغ‭ ‬سعر‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬90‭.‬92‭ ‬دولارا‭ ‬للبرميل،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ ‬في‭ ‬السعر‭ ‬تصدر‭ ‬إشارات‭ ‬متفائلة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬تصريح‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأوبك‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭: ‬‮«‬إننا‭ ‬مازلنا‭ ‬متفائلين‮»‬،‭ ‬فيما‭ ‬توقعت‭ ‬أوبك‭ ‬بلس‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬بمقدار‭ ‬3‭.‬4‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬في‭ ‬2022‭ ‬و3‭.‬7‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬في‭ ‬2023،‭ ‬وتقر‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬بأن‭ ‬نمو‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬سيستمر‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬وتتوقع‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بمقدار‭ ‬2‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يوميًّا‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬2022،‭ ‬و2‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬في‭ ‬2023،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬التباطؤ‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كما‭ ‬توقع‭ ‬بنك‭ ‬جولد‭ ‬مان‭ ‬ساكس‭ ‬أيضًا‭ ‬نمو‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬للعام‭ ‬القادم‭ ‬بمقدار‭ ‬مليوني‭ ‬برميل‭ ‬يوميًّا،‭ ‬وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬مازال‭ ‬يمثل‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وأنه‭ ‬سلعة‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬الغذاء‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬المرتفعة‭ ‬في‭ ‬2021‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬التضخم‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الاحترازية‭ ‬التي‭ ‬اتخذها‭ ‬لمواجهة‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬ولكن‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المشتقات‭ ‬النفطية،‭ ‬والمضاربة،‭ ‬هي‭ ‬العوامل‭ ‬الرئيسية‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭. ‬ومع‭ ‬عودة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬وانتعاش‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬والطيران،‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المشتقات‭ ‬النفطية،‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صناعة‭ ‬هذه‭ ‬المشتقات‭ ‬جاهزة‭ ‬لاستقبال‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬مرة‭ ‬واحدة،‭ ‬وامتدت‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المشتقات‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬ليرتفع‭ ‬بذلك‭ ‬سعره،‭ ‬وأدت‭ ‬زيادات‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬والدفع‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬مخزونات‭ ‬كبار‭ ‬المستهلكين،‭ ‬وخاصة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلى‭ ‬تهدئة‭ ‬الأسعار‭. ‬ولكن‭ ‬العوامل‭ ‬الأخرى‭ ‬للتضخم،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬خلل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وطائفة‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الضخمة‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المشتقات،‭ ‬قد‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة،‭ ‬وأدت‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭ ‬عبر‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬المتشددة‭ ‬التي‭ ‬اتبعها‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ومن‭ ‬ورائه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬إلى‭ ‬الإحجام‭ ‬عن‭ ‬الاستهلاك‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬وانخفاض‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الأموال،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الركود‭ ‬الذي‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬حالتين‭ ‬متباينتين‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬الأولى‭: ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬والثانية‭: ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬العالي‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬الاستمرار‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬مع‭ ‬سياسات‭ ‬أوبك‭ ‬بلس‭ ‬بشأن‭ ‬مستوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬مرتفعة‭ ‬للنفط‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬2008‭. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أكد‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬السعودي،‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬أن‭ ‬أوبك‭ ‬بلس‭ ‬أصبح‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬ما‭ ‬يمكّنها‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬بمرونة‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بخفض‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬زيادته،‭ ‬وتزامنًا‭ ‬مع‭ ‬اضطراب‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬بعد‭ ‬الانتعاشة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها،‭ ‬فقد‭ ‬حافظت‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬على‭ ‬تماسكها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬واستمرار‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬الشريك‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭. ‬وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات،‭ ‬وما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬المجموعة‭ ‬من‭ ‬خفض‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستعداد‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬حدث‭ ‬وقف‭ ‬للتراجع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة‭ ‬للنفط،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬والضغوط‭ ‬بشأن‭ ‬إمدادات‭ ‬الغاز‭ ‬لأوروبا،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬خسره‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬يعود‭ ‬لاكتسابه‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬المقبلة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//