العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

حجاب أميني شرارة وليس السبب

ظاهريا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬وفاة‭ ‬الشابة‭ ‬الإيرانية‭ ‬مهسا‭ ‬أميني‭ ‬أثناء‭ ‬توقيفها‭ ‬لدى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬شرطة‭ ‬الآداب‮»‬‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بحجة‭ ‬عدم‭ ‬التزامها‭ ‬بارتداء‭ ‬الحجاب‭ ‬وفقا‭ ‬للقانون‭ ‬المتبع‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬المأساوية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬اندلاع‭ ‬الأحداث‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى‭ ‬واعتقالات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المحتجين،‭ ‬ولكن‭ ‬الوفاة‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬احتجاجات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬فهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الشرارة‭ ‬كي‭ ‬تحرك‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬الإيراني،‭ ‬ومهما‭ ‬تكن‭ ‬نسبة‭ ‬حجم‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬المعارضة‭ ‬للنظام‭ ‬مقارنة‭ ‬بنسبة‭ ‬المؤيدين‭ ‬والداعمين‭ ‬للسلطات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬اندلاعها‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الرضا‭ ‬بالوضع‭ ‬القائم‭ ‬وعن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬حدوث‭ ‬ذلك‭.‬

من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬يجب‭ ‬التأكيد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬احترام‭ ‬القوانين‭ ‬القائمة‭ ‬والتقيد‭ ‬بها‭ ‬وعدم‭ ‬انتهاكها‭ ‬شيء،‭ ‬وسن‭ ‬قوانين‭ ‬تعسفية‭ ‬فيها‭ ‬انتهاك‭ ‬صارخ‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وخاصة‭ ‬حقوقه‭ ‬الشخصية‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬تماما،‭ ‬فالقوانين‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنتهك‭ ‬الحقوق‭ ‬الشخصية‭ ‬وتقيدها،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقوق‭ ‬الآخرين،‭ ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أدق‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الحقوق‭ ‬العامة،‭ ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬نجده‭ ‬صارخا‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬بموجبه‭ ‬تم‭ ‬اعتقال‭ ‬المواطنة‭ ‬الإيرانية‭ ‬أميني‭ ‬وهو‭ ‬الحادث‭ ‬الذي‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬وفاتها،‭ ‬فهذه‭ ‬الفتاة،‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تتقيد‭ ‬بشكل‭ ‬لبس‭ ‬الحجاب‭ ‬المطلوب‭ ‬قانونيا‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لم‭ ‬تمارس‭ ‬إلا‭ ‬حقا‭ ‬شخصيا‭ ‬أرادت‭ ‬السلطات‭ ‬مصادرته‭ ‬بسنها‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬ينتهك‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية‭ ‬للإنسان‭.‬

فالقوانين‭ ‬توضع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬وتحديد‭ ‬حقوق‭ ‬الأفراد‭ ‬وواجباتهم‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الأفراد‭ ‬ومنع‭ ‬انتهاكها‭ ‬والتعدي‭ ‬عليها‭ ‬وليس‭ ‬العكس،‭ ‬فالقانون‭ ‬الذي‭ ‬بحجته‭ ‬اعتقلت‭ ‬هذه‭ ‬الفتاة‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬قانون‭ ‬يتعدى‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الفرد‭ ‬ولا‭ ‬يصونها،‭ ‬فليس‭ ‬منطقيا‭ ‬ولا‭ ‬حقوقيا‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬القانون‭ ‬للفرد،‭ ‬ذكرا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬أنثى،‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يلبس‭ ‬أو‭ ‬يأكل‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬فردية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حين‭ ‬ممارسة‭ ‬الفرد‭ ‬لها‭ ‬والتمتع‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬تعديا‭ ‬أو‭ ‬مساسا‭ ‬بحقوق‭ ‬الآخرين،‭ ‬فارتداء‭ ‬المرأة‭ ‬للحجاب‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ ‬هو‭ ‬حق‭ ‬شخصي‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬صلاحية‭ ‬المشرع‭ ‬أن‭ ‬يتدخل‭ ‬في‭ ‬ممارسته‭ ‬وإلا‭ ‬اعتبر‭ ‬تدخله‭ ‬تعديا‭ ‬سافرا‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬مكفول‭ ‬فطريا‭ ‬للفرد،‭ ‬الإنسان‭.‬

فما‭ ‬شهدته‭ ‬وتشهده‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬أخذت‭ ‬طابعا‭ ‬دمويا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الدوافع‭ ‬كلها‭ ‬هي‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الاحتجاج‭ ‬على‭ ‬مقتل‭ ‬الشابة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بعد‭ ‬توقيفها،‭ ‬وإنما‭ ‬هناك‭ ‬بالتأكيد‭ ‬دوافع‭ ‬سياسية،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬أدنى‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬للنظام‭ ‬خصوما‭ ‬سياسيين‭ ‬كثرا،‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬مؤيدون‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬للجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬لكنهم‭ ‬يختلفون‭ ‬مع‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تدار‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الجمهورية‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬لقادة‭ ‬هذه‭ ‬المعارضة‭ ‬السياسية‭ ‬أن‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬احتجاجات‭ ‬سياسية‭ ‬سابقة‭ ‬ومن‭ ‬قادتهم‭ ‬من‭ ‬أودع‭ ‬السجن‭ ‬أو‭ ‬الإقامة‭ ‬الجبرية،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬معادون‭ ‬لهذه‭ ‬الجمهورية‭ ‬ويطالبون‭ ‬بتغيير‭ ‬النظام،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬والأحداث‭ ‬أمر‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬الشرارات‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لإشعالها،‭ ‬وبعض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشرارات‭ ‬يشعلها‭ ‬عناصر‭ ‬السلطة‭ ‬ذاتها،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مؤخرا‭ ‬مع‭ ‬حجاب‭ ‬الشابة‭ ‬الإيرانية‭.‬

التعدي‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬الشخصية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأفراد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبريره‭ ‬بوجود‭ ‬القانون،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬قضية‭ ‬حجاب‭ ‬الشابة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فاستمرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التعديات‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬بمثابة‭ ‬كرة‭ ‬الثلج‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬دورانها‭ ‬وتدحرجها‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬هائلة‭ ‬تجرف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعترض‭ ‬طريق‭ ‬تدحرجها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬حوادث‭ ‬كثيرة‭ ‬سابقة‭ ‬ويؤكده‭ ‬حادث‭ ‬حجاب‭ ‬الشابة‭ ‬القتيلة‭.‬

من‭ ‬السابق‭ ‬لأوانه‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬أن‭ ‬تتسبب‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬لأسباب‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬أن‭ ‬المعارضة‭ ‬الراديكالية‭ ‬التي‭ ‬تطالب‭ ‬بتغيير‭ ‬النظام‭ ‬هي‭ ‬معارضة‭ ‬ضعيفة‭ ‬جدا‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬وقيادة‭ ‬كتلة‭ ‬احتجاجية‭ ‬بقدرات‭ ‬تحقق‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة،‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬النظام،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬للنظام‭ ‬جماهيره‭ ‬وكتله‭ ‬البشرية‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ومن‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬فإن‭ ‬النظام‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬الأجهزة‭ ‬والأدوات‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬للتصدي‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬احتجاجات‭ ‬بالحجم‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬مقتل‭ ‬أميني،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانيات‭ ‬ليست‭ ‬مطلقة‭ ‬وهناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك،‭ ‬منها‭ ‬إيران‭ ‬ذاتها،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تنفع‭ ‬شاه‭ ‬إيران‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬رضا‭ ‬بهلوي‭ ‬أجهزته‭ ‬الكثيرة‭ ‬والقوية‭ ‬من‭ ‬تأمين‭ ‬الحماية‭ ‬للعرش‭ ‬الذي‭ ‬تهاوى‭ ‬أمام‭ ‬الكتلة‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬تفجرت‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬عام‭ ‬1979‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//