العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

مقالات

التأمين الإلزامي والأخطاء الطبية (2 – 2)

الاثنين ١٩ ٢٠٢٢ - 02:00

كنا‭ ‬قد‭ ‬تحدثنا‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬إقرار‭ ‬قانون‭ ‬خاص‭ ‬لمساءلة‭ ‬الأطباء‭ ‬ليس‭ ‬لإدخال‭ ‬الخوف‭ ‬والذعر‭ ‬وأن‭ ‬وجود‭ ‬التأمين‭ ‬الإلزامي‭ ‬على‭ ‬الأطباء‭ ‬قبل‭ ‬ممارسة‭ ‬مهنهم‭ ‬الطبية‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬تعطي‭ ‬الطمأنينة‭ ‬للمريض‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬وجود‭ ‬الخطأ‭ ‬الطبي‭ ‬يستطيع‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التعويض‭ ‬العادل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬شركة‭ ‬التأمين‭ ‬المؤمن‭ ‬لديها‭ ‬كون‭ ‬ذلك‭ ‬إلزامياً‭.‬

وهذا‭ ‬كله‭ ‬لا‭ ‬يشجع‭ ‬الأطباء‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬التقصير‭ ‬وأخذ‭ ‬الحيطة‭ ‬والحذر‭ ‬في‭ ‬عملهم‭ ‬الطبي‭ ‬كونهم‭ ‬مغطين‭ ‬بالتأمين‭ ‬الإلزامي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حصول‭ ‬الخطأ،‭ ‬وإنما‭ ‬ذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬بوليصة‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تكرار‭ ‬خطئهم‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬جهات‭ ‬تأمينية‭ ‬تقبل‭ ‬بالتأمين‭ ‬بنفس‭ ‬الشروط‭ ‬المعتاد‭ ‬عليها،‭ ‬وهذا‭ ‬مما‭ ‬يؤثر‭ ‬مالياً‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الطبيب‭ ‬المخطئ‭.‬

يجب‭ ‬عملياً‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬متأنين‭ ‬عندما‭ ‬نضع‭ ‬أي‭ ‬قانون‭ ‬خاص‭ ‬يحكم‭ ‬مساءلة‭ ‬الأطباء‭ ‬وفي‭ ‬الاهتمام‭ ‬بوضع‭ ‬المحاور‭ ‬الرئيسية‭ ‬للقانون‭ ‬ومن‭ ‬أهمها‭ ‬وأبرزها‭ ‬موضوع‭ ‬اللجان‭ ‬الطبية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كيفية‭ ‬تشكيلها‭ ‬وصلاحيتها‭ ‬والطعن‭ ‬بقراراتها،‭ ‬وألا‭ ‬نحرم‭ ‬المضرور‭ ‬وهو‭ ‬المريض‭ ‬أو‭ ‬ذويه‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬برفع‭ ‬الدعوى‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬المختص‭ ‬بسبب‭ ‬تقرير‭ ‬اللجنة‭ ‬الطبية،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يمنع‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬التقاضي‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬المختص‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نصت‭ ‬عليه‭ ‬دساتير‭ ‬العالم،‭ ‬بحق‭ ‬التقاضي‭ ‬وعلى‭ ‬درجتين‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬قانوني‭ ‬حاد‭ ‬وهو‭ ‬عدم‭ ‬دستورية‭ ‬القانون‭.‬

القانون‭ ‬الخاص‭ ‬لمساءلة‭ ‬الأطباء‭ ‬على‭ ‬أخطائهم‭ ‬حتى‭ ‬نكون‭ ‬منصفين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬محورا‭ ‬آخر‭ ‬وهو‭ ‬التدريب‭ ‬والتعليم‭ ‬المستمر‭ ‬للطبيب،‭ ‬يقدم‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دورات‭ ‬تدريبية‭ ‬وندوات‭ ‬ومؤتمرات‭ ‬علمية‭ ‬طبية‭ ‬وعالمية‭ ‬أحدث‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬العلم‭ ‬الطبي،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬الطبيب‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬بكل‭ ‬هذا،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬مردود‭ ‬ذلك‭ ‬عليه‭ ‬إيجابياً‭ ‬وعلى‭ ‬المريض‭ ‬أولاً‭ ‬وفي‭ ‬كيفية‭ ‬أداء‭ ‬العمل‭ ‬الطبي‭ ‬ثانياً‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬أفضل‭ ‬وأحدث‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬التي‭ ‬توصل‭ ‬إليها‭ ‬العلم‭ ‬الطبي‭ ‬وهذا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬وقوع‭ ‬الأخطاء‭ ‬الطبية،‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬حتى‭ ‬نسأل‭ ‬الطبيب‭ ‬عن‭ ‬أخطائه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬منصفين‭ ‬بأن‭ ‬نقدم‭ ‬له‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬العلم‭ ‬الطبي‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬التقنيات‭ ‬الطبية‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لديه‭ ‬العذر‭ ‬بذلك‭.‬

وكون‭ ‬الطبيب‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬والإنسان‭ ‬يخطئ‭ ‬ولا‭ ‬يتصف‭ ‬بالكمال‭ ‬إنما‭ ‬الكمال‭ ‬لله‭ ‬سبحانه،‭ ‬ولا‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الطبيب‭ ‬المستحيل‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬يمكنه‭ ‬أخذه‭ ‬بالاعتبار‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬بالعمل‭ ‬الطبي،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬يقوم‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الاحتمالية‭ ‬كقاعدة‭ ‬عامة‭ ‬إلا‭ ‬باستثناءات‭.‬

أكرر‭ ‬وأعيد‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬رقابة‭ ‬صارمة‭ ‬جادة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الطبية‭ ‬والإدارية‭ ‬المختصة‭ ‬بالشأن‭ ‬الصحي‭ ‬على‭ ‬العيادات‭ ‬الطبية‭ ‬والمستشفيات‭ ‬الخاصة‭ ‬وأن‭ ‬تطبق‭ ‬معايير‭ ‬الجودة‭ ‬بكل‭ ‬دقة‭ ‬وعدم‭ ‬التهاون‭ ‬بذلك،‭ ‬ووضع‭ ‬العقوبات‭ ‬التأديبية‭ ‬الرادعة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬قيام‭ ‬المؤسسات‭ ‬الطبية‭ ‬بالالتزام‭ ‬الكامل‭ ‬بمعايير‭ ‬الجودة‭ ‬ونوعية‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬المناسبة‭ ‬والملائمة‭ ‬لحالة‭ ‬المريض‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬أسلوب‭ ‬التدليس‭ ‬على‭ ‬المريض‭ ‬أو‭ ‬ذويه،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الطبيب‭ ‬والمريض‭ ‬كعلاقة‭ ‬الأب‭ ‬مع‭ ‬أولاده،‭ ‬ليست‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬المنفعة‭ ‬المالية‭ ‬وألا‭ ‬يعامل‭ ‬المريض‭ ‬كمستهلك‭ ‬أو‭ ‬زبون‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تخلو‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬إنسانية‭ ‬تذكر‭ ‬وهنا‭ ‬يتحول‭ ‬الطبيب‭ ‬إلى‭ ‬تاجر‭ ‬وهدفه‭ ‬الأول‭ ‬والأساسي‭ ‬هو‭ ‬الربح‭ ‬المادي‭ ‬السريع‭.‬

أحد‭ ‬مقاييس‭ ‬تقدم‭ ‬الدول‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬قوانين‭ ‬عصرية‭ ‬لمواجهة‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬نتيجة‭ ‬الإهمال‭ ‬الطبي‭ ‬ووضع‭ ‬حلول‭ ‬لها‭ ‬تناسب‭ ‬الجميع‭ ‬وتواكب‭ ‬التطور‭ ‬العالمي،‭ ‬ولهذا‭ ‬أنا‭ ‬أستغرب‭ ‬من‭ ‬البعض‭ ‬بأنهم‭ ‬ضد‭ ‬وجود‭ ‬قوانين‭ ‬خاصة‭ ‬تحكم‭ ‬الأخطاء‭ ‬الطبية‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كثرتها‭ ‬وتزايدها‭ ‬اللافت‭ ‬للنظر‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬والحل‭ ‬موجود‭ ‬ولكن‭ ‬للأسف‭ ‬لا‭ ‬نسعى‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬المشكلة‭ ‬بل‭ ‬نتجاهلها‭ ‬أو‭ ‬نسعى‭ ‬لوضع‭ ‬حلول‭ ‬مؤقتة‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬أبداً‭ ‬مع‭ ‬المشكلة‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬عالمياً‭ ‬والاستعانة‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭.‬

 

خبير‭ ‬قانوني‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬الأخطاء‭ ‬الطبية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//