العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

مقالات

الكتابة والمعاناة

بقلم: تقي محمد البحارنة

الاثنين ١٩ ٢٠٢٢ - 02:00

يعاني‭ ‬تلامذة‭ ‬المدارس‭ ‬من‭ ‬زجر‭ ‬الوالدين‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬ومن‭ ‬تحكـّم‭ ‬المدرسين‭ ‬في‭ ‬ميلهم‭ ‬إلى‭ ‬التأديب‭ ‬والعقاب‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬طفولتي‭ ‬حين‭ ‬دخلت‭ ‬المدرسة‭ ‬الخليفية‭ ‬للبنين‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬وكانت‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬بيتنا‭ ‬وكان‭ ‬عمري‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬ولكن‭ ‬التلميذ‭ ‬المجتهد‭ ‬المجد‭ ‬يتحمـّل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ويمضي‭ ‬في‭ ‬التحصيل‭ ‬الدراسي‭.‬

قصة‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬درست‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الأهلية‭ ‬للمرحوم‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الرسول‭ ‬التاجر،‭ ‬وتعلمت‭ ‬مبادئ‭ ‬العربية‭ ‬والنحو‭ ‬والإنجليزية‭ ‬والحساب‭ ‬والخط‭ ‬في‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬واشتاقت‭ ‬نفسي‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬الحكومية‭.‬

كان‭ ‬والدي‭ ‬يصحبني‭ ‬يوميا‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬المنامة،‭ ‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬تشبثت‭ ‬بثوبه‭ ‬و«حرنت‮»‬‭ ‬في‭ ‬مكاني‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬إدخالي‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬فاستجاب‭ ‬وقد‭ ‬سحب‭ ‬يدي‭ ‬من‭ ‬ثيابه‭ ‬قائلا‭ ‬اذهب‭ ‬إلى‭ ‬الأستاذ‭ ‬سالم‭ ‬العريض‭ ‬وأبلغه‭ ‬سلامي‭ ‬واطلب‭ ‬منه‭ ‬ذلك‭.‬

اختبرني‭ ‬المرحوم‭ ‬الأستاذ‭ ‬سالم‭ ‬العريض‭ ‬وأدخلني‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭ ‬الابتدائي‭.‬

كانت‭ ‬الحصة‭ ‬مخصصة‭ ‬للإملاء‭ ‬وأستاذ‭ ‬الصف‭ ‬كان‭ ‬المرحوم‭ ‬أحمد‭ ‬المهزع‭.‬

وكان‭ ‬المهزع‭ ‬يتجول‭ ‬بين‭ ‬المقاعد‭ ‬متلصصا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭ ‬التلامذة‭ ‬وهو‭ ‬يملي‭ ‬عليهم‭ ‬الدرس‭ - ‬ومعظمهم‭ ‬يكبرونني‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬حتى‭ ‬وقف‭ ‬خلفي‭ ‬ليقرأ‭ ‬ما‭ ‬كتبت‭ ‬وإذا‭ ‬بصفعة‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬أظلمت‭ ‬فيها‭ ‬عليّ‭ ‬الدنيا‭ ‬وهو‭ ‬يصرخ‭: ‬يا‭ ‬غبي‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تكتب‭ ‬اسمك‭ ‬والصف‭ ‬والتاريخ‭ ‬على‭ ‬ورقتك،‭ ‬ثم‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬ورقتي‭ ‬بالحبر‭ ‬الأحمر‭ ‬1357‭ ‬هجرية‭.‬

وما‭ ‬زلت‭ ‬أذكر‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬بسبب‭ ‬تلك‭ ‬الصفعة‭.‬

ثم‭ ‬أني‭ ‬تقبـّلت‭ ‬تلك‭ ‬الصفعة‭ ‬بصدر‭ ‬رحب‭ ‬وبذلت‭ ‬جهدي‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الخامس‭ ‬حتى‭ ‬صرت‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الامتحان‭ ‬النهائي‭ ‬لهذا‭ ‬الصف‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬صفوف‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الثانوية‭. ‬

حين‭ ‬يتم‭ ‬الطالب‭ ‬المجد‭ ‬دراساته‭ ‬العليا‭ ‬يصبح‭ ‬همه‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬موضعا‭ ‬مع‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الخريجين‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ميوله‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬والنشر‭.‬

فإذا‭ ‬كتب‭ ‬أو‭ ‬نشر‭ ‬وضع‭ ‬بين‭ ‬عينيه‭ ‬صدى‭ ‬كتاباته‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬القراء،‭ ‬بين‭ ‬التقريض‭ ‬أو‭ ‬النقد‭. ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬التقريض‭ ‬في‭ ‬إذكاء‭ ‬عزيمته‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬ويستفيد‭ ‬من‭ ‬الانتقاد‭ ‬لتصحيح‭ ‬الأخطاء‭.‬

حين‭ ‬يقف‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬رجليه‭ ‬وتشتهر‭ ‬أعماله‭ ‬يصبح‭ ‬له‭ ‬شأن‭ ‬آخر،‭ ‬فهو‭ ‬يطرق‭ ‬أبواب‭ ‬الإبداع‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬والنشر‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬همه‭ ‬الفكر‭ ‬والأدب‭ ‬أو‭ ‬الشعر‭ ‬والفن‭.‬

إن‭ ‬الذي‭ ‬يبدع‭ ‬فيما‭ ‬يكتب‭ ‬أو‭ ‬يقول‭ ‬يعتبر‭ ‬معاناته‭ ‬الفنية‭ ‬جزءا‭ ‬منه‭ ‬وشطرا‭ ‬من‭ ‬تعب‭ ‬الفكر‭ ‬والفؤاد‭ ‬يتقبل‭ ‬النقد‭ ‬والتصحيح‭ ‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬محله‭ ‬ويرفضه‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭.‬

كان‭ ‬أستاذنا‭ ‬الكبير‭ ‬المرحوم‭ ‬إبراهيم‭ ‬العريض‭ ‬يهوى‭ ‬المديح‭ ‬في‭ ‬إبداعاته‭ ‬وهو‭ ‬القائل‭: (‬أنا‭ ‬ولله‭ ‬معجب‭ ‬بحميد‭ ‬الذكر‭ ‬حتى‭ ‬كأنــّه‭ ‬بعض‭ ‬ديني‭).‬

وكان‭ ‬يتأبـّى‭ ‬على‭ ‬حذف‭ ‬أو‭ ‬تصحيح‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬ولم‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فيما‭ ‬أظن‭ ‬سوى‭ ‬شخصيتين‭: ‬الأولى‭ ‬منهما‭ ‬هو‭ ‬المرحوم‭ ‬فضيلة‭ ‬الشيخ‭ ‬عبدالحسين‭ ‬الحلـّي‭ ‬والثانية‭ ‬هو‭ ‬المرحوم‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬التاجر‭.‬

الشيخ‭ ‬الحلي‭ ‬عاتب‭ ‬العريض‭ ‬حين‭ ‬كتب‭ ‬قصيدة‭ ‬مؤثرة‭ ‬يعلن‭ ‬فيها‭ ‬عزوفه‭ ‬عن‭ ‬نظم‭ ‬الشعر‭ ‬والتي‭ ‬مطلعها‭: ‬

‭(‬نقضت‭ ‬كفـّي‭ ‬من‭ ‬ورد‭ ‬ومن‭ ‬اس‭ ‬*‭ ‬وعدت‭ ‬بالشوك‭ ‬إكليلا‭ ‬على‭ ‬راسي‭)‬

فأجابه‭ ‬الشيخ‭ ‬الحلي‭ ‬بأبيات‭ ‬يستميله‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬الرجوع‭ ‬مطلعها‭:‬

‭(‬بحياتي‭ ‬عد‭ ‬إلى‭ ‬الفـنّ‭ ‬الذي‭ ‬*‭ ‬هو‭ ‬روح‭ ‬وهو‭ ‬روح‭ ‬لحياتك‭)‬

ولم‭ ‬يستجب‭ ‬العريض‭ ‬لنداء‭ ‬الشيخ‭ ‬الحلي‭ ‬فثار‭ ‬الشيخ‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬مطلعها‭:‬

‭(‬أعاتبه‭ ‬عما‭ ‬جنى‭ ‬وأقوده‭ ‬*‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬أحرى‭ ‬بالأديب‭ ‬المثــّقف‭)‬

فلم‭ ‬أر‭ ‬منه‭ ‬غير‭ ‬مطل‭ ‬أبانه‭ ‬*بلا‭ ‬خشية‭ ‬‭ ‬في‭ ‬قول‭: ‬أحرجت‭ ‬موقفي‭)‬

أما‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬التاجر‭ ‬فكان‭ ‬العريض‭ ‬يتقبل‭ ‬منه‭ ‬النقد‭ ‬أيضا،‭ ‬وقد‭ ‬بالغ‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬التاجر‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬العريض‭ ‬فتقبـّل‭ ‬منه‭ ‬ذاك‭ ‬ولم‭ ‬يستشط‭ ‬عليه‭ ‬غضبا‭.‬

وتفصيل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ (‬أحاديث‭ ‬وسير‭).‬

وختاما‭ ‬فأنا‭ ‬اليوم‭ ‬أعــّد‭ ‬كتابا‭ ‬أهديه‭ ‬إلى‭ ‬الصحافة‭ ‬المحلية‭ ‬تحية‭ ‬وتقديرا‭ ‬وفيه‭ ‬مجموعة‭ ‬مما‭ ‬كتبت‭ ‬وما‭ ‬كتبه‭ ‬عني‭ ‬غيري‭ ‬وتم‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬والمنتديات‭ ‬فيما‭ ‬تقدم‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬عمري‭ ‬وما‭ ‬تأخــّر‭. ‬وأتساءل‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قانون‭ ‬جديد‭ ‬للصحافة‭ ‬آملا‭ ‬أن‭ ‬يحالفني‭ ‬التوفيق‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//