العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

مقالات

التضخم مستمر في الآفاق

بقلم: د. أنيس الخياطي

الاثنين ١٩ ٢٠٢٢ - 02:00

ساد‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭ ‬شعور‭ ‬بأن‭ ‬مشكلة‭ ‬ارتقاع‭ ‬الأسعار‭ ‬مرتبطة‭ ‬بترددات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كورونا‭ ‬وبأنها‭ ‬مسألة‭ ‬وقتية‭ ‬ستتلاشى‭ ‬مع‭ ‬انحسار‭ ‬الوباء‭. ‬لكن‭ ‬التضخم‭ ‬دام‭ ‬وبنسق‭ ‬تصاعدي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭. ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لوقف‭ ‬دوامة‭ ‬الأسعار،‭ ‬ورفعت‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تجدي‭ ‬نفعا‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬تزيد‭ ‬الوضع‭ ‬سوءا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬التضخم‭ ‬ناجما‭ ‬عن‭ ‬الطلب‭ ‬المفرط‭ ‬مقارنة‭ ‬بالطاقة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬فإن‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حلا‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬ديناميكية‭ ‬الأسعار‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬التضخم‭ ‬الحالي،‭ ‬فقد‭ ‬تصعب‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬مواجهته‭ ‬لأنه‭ ‬منبثق‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتشعبة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭.‬

العامل‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭. ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬عندما‭ ‬أعيد‭ ‬فتح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بعد‭ ‬الموجة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الوباء،‭ ‬ارتفع‭ ‬سعر‭ ‬الشحن‭ ‬البحري‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بسبب‭ ‬التغيرات‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬عقب‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإغلاق‭. ‬المشكل‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬ستظل‭ ‬مرتفعة‭ ‬وسيستغرق‭ ‬تعديلها‭ ‬وقتا‭ ‬حسب‭ ‬توقعات‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتجارة‭ ‬والتنمية‭ (‬UNCTAD‭). ‬حسب‭ ‬تقديرات‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة،‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬النسق‭ ‬الذي‭ ‬لوحظ‭ ‬بين‭ ‬منتصف‭ ‬سنتي‭ ‬2020‭ ‬و2022،‭ ‬فسيؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬متوسط‭ ‬الأسعار‭ ‬للمستهلكين‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬2‭%‬‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وقد‭ ‬تفوق‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬7‭%‬‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭. ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تتأثر‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات‭ ‬المعقدة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ (‬كأجهزة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬وغيرها‭) ‬حيث‭ ‬تنتقل‭ ‬مكوناتها‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬بلدان‭ ‬قبل‭ ‬التجميع‭ ‬النهائي‭.‬

العامل‭ ‬الثاني‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تغير‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭. ‬فازدهار‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة‭ ‬كان‭ ‬مبنيا‭ ‬على‭ ‬السلام‭. ‬جلبت‭ ‬عودة‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬الصراع‭ ‬الروسي‭ ‬الأوكراني‭ ‬مصدرًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للاضطرابات‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬بمواقف‭ ‬روسيا‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬في‭ ‬أسوق‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬أن‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬السياسية‭ ‬هذه،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬تفاقم‭ ‬ردات‭ ‬فعلها‭ ‬حالة‭ ‬الركود‭ ‬الذي‭ ‬يلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة،‭ ‬يعتبر‭ ‬التضخم‭ ‬أيضًا‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عولمة‭ ‬التجارة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مصدر‭ ‬هشاشة‭ ‬وتبعية‭ ‬عوضا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مصدرًا‭ ‬للازدهار‭. ‬تمثل‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬تناقص‭ ‬عرض‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬وخاصة‭ ‬الحبوب‭ ‬والحظر‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الواردات‭. ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬المرحلة‭ ‬السادسة‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬سيتم‭ ‬حظر‭ ‬65‭%‬‭ ‬من‭ ‬الواردات‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬10‭%‬‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬وظيفة‭ ‬إدارة‭ ‬الازدهار‭ ‬والوفرة‭ ‬تواجه‭ ‬الآن‭ ‬مشكلة‭ ‬الندرة،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬تجلياتها‭.‬

أما‭ ‬العامل‭ ‬الثالث‭ ‬فيعلق‭ ‬بالتحول‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الصين‭ ‬الصناعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬اذ‭ ‬أصبحت‭ ‬الصين‭ ‬تعيد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭. ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬المصنع‭ ‬منخفض‭ ‬التكلفة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬تطمح‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬تصدير‭ ‬منتجات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬عالية‭. ‬في‭ ‬نقس‭ ‬الوقت،‭ ‬هي‭ ‬تريد‭ ‬أيضًا‭ ‬استيراد‭ ‬عدد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬المعقدة‭ ‬لأنها‭ ‬بصدد‭ ‬تعلم‭ ‬كيفية‭ ‬صنعها،‭ ‬وسيكون‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر‭ ‬عواقب‭ ‬سلبية‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬المصدرين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬كألمانيا‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬هذا‭ ‬الطموح‭ ‬والسعي‭ ‬الصيني‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا،‭ ‬كما‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬المطردة‭ ‬في‭ ‬التعقيد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للصادرات‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العشرين‭ ‬عامًا‭ ‬الماضية‭. ‬لكن‭ ‬التحول‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعديل‭ ‬أصبح‭ ‬مقرونًا‭ ‬بالرغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يرتكز‭ ‬النمو‭ ‬على‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬التصدير‭. ‬اكتسب‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الخطة‭ ‬الخمسية‭ ‬الصينية‭ ‬الأخيرة‭ (‬2021-2025‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬فيه‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬التداول‭ ‬المزدوج‮»‬‭. ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يستخدم‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تحفيز‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ (‬التداول‭ ‬الداخلي‭) ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬توازن‭ ‬الروابط‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ (‬التداول‭ ‬الخارجي‭). ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬ارتفاعات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي‭.‬

فهل‭ ‬محكوم‭ ‬علينا‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬مع‭ ‬تضخم‭ ‬مرتفع؟‭ ‬يمكن‭ ‬بوسائل‭ ‬مختلفة،‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬التضخم‭ ‬أساسا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مساعدة‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬ضعفاً‭. ‬ولكن‭ ‬لإطفاء‭ ‬التضخم‭ ‬بشكل‭ ‬حقيقي،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬الطارئة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬كافية‭. ‬يجب‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬جذريًا‭ ‬وعلى‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬في‭ ‬إمكانيات‭ ‬الإنتاج‭ ‬وطرق‭ ‬التوريد‭ ‬لدينا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬استغرق‭ ‬ذلك‭ ‬وقتا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//