العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ما علاقة «محاربة» الإرهاب بسرقة النفط؟

منذ‭ ‬أن‭ ‬وطئت‭ ‬أقدام‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الفوضى‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬عمت‭ ‬سوريا‭ ‬بعد‭ ‬تفجر‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬أصبغ‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مسمى،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يتناقض‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تسببت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الاضطرابات‭ ‬من‭ ‬مآس‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬لتجاوزها،‭ ‬منها‭ ‬المآسي‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬سوريا‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬دخلت‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قوات‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬حلفائها‭ ‬الأوروبيين‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬محاربة‮»‬‭ ‬إرهاب‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‮»‬‭ (‬داعش‭).‬

هذه‭ ‬الحجة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الحجج‭ ‬التي‭ ‬تتستر‭ ‬وراءها‭ ‬أمريكا‭ ‬لتبرير‭ ‬تدخلاتها‭ ‬المباشرة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عمليات‭ ‬الغزو‭ ‬والاحتلال‭ ‬هي‭ ‬حجة‭ ‬كاذبة‭ ‬تماما،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬والقرائن‭ ‬والوقائع‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬وحلفاءها‭ ‬الأطلسيين‭ ‬وغيرهم‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬وفروا‭ ‬لهذه‭ ‬الجماعات‭ ‬جميع‭ ‬الظروف‭ ‬والإمكانيات‭ ‬للتدفق‭ ‬الحر‭ ‬والدخول‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬والدعم‭ ‬العسكري‭ ‬والمالي‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬مكنها‭ ‬من‭ ‬بسط‭ ‬سيطرتها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.. ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬غضت‭ ‬طرفها‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬التي‭ ‬أحدثها‭ ‬تطور‭ ‬أعمال‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬ومنها‭ ‬العراق‭ ‬أيضا‭.‬

ممارسات‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬والأهداف‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقها‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬جميعها‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬بأي‭ ‬صلة‭ ‬للمحاربة‭ ‬الفعلية‭ ‬والحقيقية‭ ‬للإرهاب،‭ ‬ولا‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬هي‭ ‬الداعم‭ ‬الكبير‭ ‬للجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬صدام‭ ‬مع‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬وأخرجتها‭ ‬من‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬السورية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفه‭ ‬محاربة‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬والإرهاب‭ ‬أصلا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أنه‭ ‬دعم‭ ‬للتوجهات‭ ‬الانفصالية‭ ‬للجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية،‭ ‬وهي‭ ‬التوجهات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬تهديدا‭ ‬مباشرا‭ ‬للسيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬السورية،‭ ‬بل‭ ‬ودول‭ ‬الجوار‭ ‬وخاصة‭ ‬تركيا‭ ‬التي‭ ‬تصنف‭ ‬الجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬المنظمات‭ ‬‮«‬الإرهابية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬أمنها،‭ ‬واستخدمت‭ ‬أنقرة‭ ‬ذريعة‭ ‬مواجهة‭ ‬تهديد‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬حجة‭ ‬لاحتلال‭ ‬أجزاء‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.‬

فالوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬هو‭ ‬احتلال‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى،‭ ‬وأن‭ ‬استمراره‭ ‬يشكل‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬السيادة‭ ‬السورية‭ ‬والمصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬للشعب‭ ‬السوري‭.. ‬فهذه‭ ‬القوات،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬تأمينها‭ ‬الحماية‭ ‬للمشروع‭ ‬الانفصالي‭ ‬الكردي‭ ‬السوري،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬بسرقة‭ ‬النفط‭ ‬السوري‭ ‬من‭ ‬الآبار‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬تحتلها،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬باستمرار‭ ‬بإخراج‭ ‬أرتال‭ ‬محملة‭ ‬بآليات‭ ‬وصهاريج‭ ‬معبأة‭ ‬بالنفط‭ ‬المسروق‭ ‬من‭ ‬الآبار‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬الحسكة‭ ‬عبر‭ ‬معبر‭ ‬الوليد‭ ‬إلى‭ ‬قواعدها‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭.. ‬آخر‭ ‬العمليات‭ ‬قيام‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬بإخراج‭ ‬رتل‭ ‬مؤلف‭ ‬من‭ ‬88‭ ‬صهريجا‭ ‬تحمل‭ ‬نفطا‭ ‬مسروقا‭ ‬من‭ ‬آبار‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ ‬والجزيرة‭ ‬عبر‭ ‬معبر‭ ‬المحمودية‭ ‬غير‭ ‬الشرعي‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬العراق،‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬300‭ ‬صهريج‭ ‬سبق‭ ‬للقوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬أخرجتها‭ ‬محملة‭ ‬بالنفط‭ ‬المسروق‭ ‬خلال‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬أفادت‭ ‬به‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬السورية‭ ‬‮«‬سانا‮»‬‭.‬

إذن،‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تستخدم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحجج‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أجندات‭ ‬تصب‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬أهداف‭ ‬استراتيجية‭ ‬خطرة‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬وسلام‭ ‬الدول،‭ ‬فالوقائع‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لاحتلال‭ ‬وغزو‭ ‬وتدخلات‭ ‬أمريكية‭ ‬مباشرة‭ ‬كلها‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك،‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬تحوي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع،‭ ‬فأمريكا‭ ‬دمرت‭ ‬العراق‭ ‬بكذبة‭ ‬تخليص‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬‮«‬التهديد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تشكله‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬العراقية،‭ ‬وهي‭ ‬الكذبة‭ ‬التي‭ ‬أكدتها‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬ذاتها‭ ‬لهذا‭ ‬البلد‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعثر‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السلاح،‭ ‬وما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬كذبة‭ ‬‮«‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬العراقية‮»‬‭ ‬نجد‭ ‬تكرارا‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬النسخة‭ ‬السورية‭ ‬حيث‭ ‬السرقة‭ ‬المتواصلة‭ ‬للنفط‭ ‬وثروات‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬تؤكد‭ ‬كذبة‭ ‬‮«‬التصدي‭ ‬للإرهاب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تتخذ‭ ‬منه‭ ‬أمريكا‭ ‬ستارا‭ ‬لتبرير‭ ‬احتلالها‭ ‬أجزاء‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.‬

فسياسة‭ ‬تفتيت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وسرقة‭ ‬ثرواتها‭ ‬ليست‭ ‬بالجديدة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فالذي‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬سوريا‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬لوحدتها‭ ‬الجغرافية‭ ‬ونسيجها‭ ‬المجتمعي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬نفذته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬حيث‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تشجيع‭ ‬أكراد‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬الانفصال‭ ‬ووفرت‭ ‬لهم‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية‭ ‬خلال‭ ‬حكم‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬تحت‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬المنطقة‭ ‬الآمنة‮»‬‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬الآن‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعلاقتها‭ ‬مع‭ ‬أكراد‭ ‬سوريا‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الداعم‭ ‬لتوجهاتهم‭ ‬فرصة‭ ‬سانحة‭ ‬للمضي‭ ‬في‭ ‬مشروعهم‭ ‬الانفصالي‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬بالضبط‭ ‬مع‭ ‬أكراد‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭ ‬حين‭ ‬نفذوا‭ ‬يوم‭ ‬25‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬استفتاء‭ ‬للانفصال‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//