العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تنصل من جريمة قتل شيرين أبوعاقلة

}‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬يثق،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬يعتقد،‭ ‬أن‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬سوف‭ ‬تعترف‭ ‬صراحة‭ ‬بمسئوليتها‭ ‬عن‭ ‬جريمة‭ ‬اغتيال‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬المواطنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة‭ ‬خلال‭ ‬اقتحام‭ ‬جنود‭ ‬الاحتلال‭ ‬لمخيم‭ ‬جنين‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬الماضي،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الجريمة‭ ‬الأولى‭ ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬الجرائم‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬تقترفها‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬بشبه‭ ‬يومي‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئا‭ ‬لأحد‭ ‬ذلك‭ ‬البيان‭ ‬الفضفاض‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬الجيش‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬ورجح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬احتمال‭ ‬كبير‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬أحد‭ ‬جنوده‭ ‬قتل‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ولكن‭ ‬بـ«الخطأ‭ ‬طبعا‮»‬‭.‬

سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬عملت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعها‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬مسئولية‭ ‬اقتراف‭ ‬قواتها‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬لاقت‭ ‬استنكارا‭ ‬واسعا‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬ومختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحفية‭ ‬والإعلامية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬السلطات‭ ‬لم‭ ‬تعر‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الاستنكار‭ ‬والشجب،‭ ‬كونها‭ ‬تعودت‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬الصحفية‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬العدوانية‭ ‬اليومية‭ ‬لهذه‭ ‬السلطات،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬تام‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬حماية‭ ‬أمريكية‭ ‬مضمونة‭ ‬لعدم‭ ‬محاسبتها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الضحية‭ ‬هي‭ ‬مواطنة‭ ‬أمريكية،‭ ‬يفرض‭ ‬الدستور‭ ‬والقانون‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬سلطات‭ ‬بلادها‭ ‬حمايتها‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭.‬

فالبيان‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬الجيش‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬‮«‬رجح‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬جنوده‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أطلق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬الشهيدة،‭ ‬ساق‭ ‬في‭ ‬ضمنه‭ ‬تبريرا‭ ‬لوقوع‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الخطأ‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الجنود‭ ‬تعرضوا‭ ‬لإطلاق‭ ‬نار‭ ‬كثيف‭ ‬من‭ ‬مخيم‭ ‬جنين،‭ ‬وعندما‭ ‬أطلقوا‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬اتجاهها‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬أنها‭ ‬صحفية،‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬التشخيص‮»‬‭ ‬لجريمة‭ ‬الاغتيال،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬محاولة‭ ‬تنصل‭ ‬وهروب‭ ‬من‭ ‬تحمل‭ ‬مسئولية‭ ‬ارتكابها،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬ضغوط‮»‬‭ ‬أمريكية‭ ‬تطالب‭ ‬بإجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬شفاف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬خلص‭ ‬تحقيق‭ ‬لمفوضية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬السامية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬أبوعاقلة‭ ‬قتلت‭ ‬بنيران‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‮»‬‭. ‬وبأنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬لمسلحين‭ ‬فلسطينيين‭ ‬بالقرب‭ ‬منها‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬تعرضت‭ ‬لإطلاق‭ ‬الرصاص‭.‬

إن‭ ‬نوعية‭ ‬الإصابة‭ ‬والمكان‭ ‬الذي‭ ‬استقرت‭ ‬فيه‭ ‬رصاصة‭ ‬القتل‭ ‬كلها‭ ‬تكشف‭ ‬زيف‭ ‬‮«‬التحقيق‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬الجيش‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬،‭ ‬فالشهيدة‭ ‬كانت‭ ‬ترتدي‭ ‬سترة‭ ‬واقية‭ ‬من‭ ‬الرصاص‭ ‬كتبت‭ ‬عليها‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬صحافة‮»‬‭ ‬وخوذة‭ ‬واقية،‭ ‬عندما‭ ‬أصيبت‭ ‬برصاصة‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬أسفل‭ ‬خوذتها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإطلاق‭ ‬كان‭ ‬متعمدا‭ ‬ومن‭ ‬عنصر‭ ‬محترف‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬القنص،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬لن‭ ‬تغير‭ ‬شيئا،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬محاسبة‭ ‬أو‭ ‬عقاب،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الجيش‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬قال‭ ‬صراحة‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يستدعي‭ ‬فتح‭ ‬تحقيق‭ ‬جنائي،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬يعني‭ ‬إغلاقا‭ ‬نهائيا‭ ‬لملف‭ ‬الجريمة‭ ‬ليضاف‭ ‬إلى‭ ‬ملفات‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الجنود‭ ‬ورجال‭ ‬الأمن‭ ‬‮«‬الإسرائيليين‮»‬‭.‬

هناك‭ ‬حقيقة‭ ‬يعرفها‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بأسره،‭ ‬وجميع‭ ‬الدول،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭ ‬والداعمة‭ ‬لسلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتتمادى‭ ‬في‭ ‬الانتهاكات‭ ‬السافرة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وللقوانين‭ ‬والقرارات‭ ‬الدولية،‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬جريمة‭ ‬اغتيال‭ ‬الشهيدة‭ ‬شيرين‭ ‬أبوعاقلة‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬إفرازات‭ ‬والنتائج‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬السكوت‭ ‬عن‭ ‬الجريمة‭ ‬الكبرى،‭ ‬وهي‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬احتلال‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والعربية‭ ‬وحرمان‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬حقوقه‭ ‬الإنسانية‭ ‬المشروعة،‭ ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬منها‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬دولته‭ ‬المستقلة‭ ‬وعاصمتها‭ ‬القدس،‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬وتنص‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬جميع‭ ‬القوانين‭ ‬والشرائع‭ ‬الدولية،‭ ‬وباعتراف‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭ ‬والصديقة‭ ‬والداعمة‭ ‬لسلطات‭ ‬الاحتلال‭.‬

فاستمرار‭ ‬الأوضاع‭ ‬الناجمة‭ ‬والمترتبة‭ ‬على‭ ‬السكوت‭ ‬عن‭ ‬تداعيات‭ ‬الجريمة‭ ‬الكبرى،‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬المئات‭ ‬بل‭ ‬والآلاف‭ ‬معرضون‭ ‬للالتحاق‭ ‬بالشهيدة‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة،‭ ‬فالوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك،‭ ‬فلا‭ ‬يكاد‭ ‬يمر‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدون‭ ‬السجلات‭ ‬الطبية‭ ‬سقوط‭ ‬شهداء‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وهدم‭ ‬للمنازل،‭ ‬وما‭ ‬يرافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬قضم‭ ‬تدريجي‭ ‬للأراضي‭ ‬والأملاك‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة‭ ‬التي‭ ‬يدعي‭ ‬حلفاء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬أنهم‭ ‬‮«‬يدعمونها‮»‬‭ ‬و‮«‬يؤيدون‮»‬‭ ‬قيامها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إزالة‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬لإفرازات‭ ‬الجريمة‭ ‬الكبرى‭ ‬فإن‭ ‬مسلسل‭ ‬الجرائم‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬نهاية‭.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//