العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

فرنسا والجزائر.. الاعتذار مفتاح التطبيع

جميع‭ ‬المحاولات‭ ‬والمبادرات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬العلاقات‭ ‬الجزائرية‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيح‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬تطورا‭ ‬طبيعيا‭ ‬وسلسا‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقات،‭ ‬ستبقى‭ ‬تصطدم‭ ‬بعقبة‭ ‬كأداء‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬خلفته‭ ‬132‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬للجزائر‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬1830‭ ‬إلى‭ ‬1962‭ ‬تعرض‭ ‬خلالها‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬لشتى‭ ‬أصناف‭ ‬الجرائم،‭ ‬ورغم‭ ‬اعتراف‭ ‬فرنسا‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬غير‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬القوات‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬ووصف‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬المناسبات،‭ ‬الاستعمار‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬جريمة‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فرنسا‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ترفض‭ ‬الاعتذار‭ ‬عن‭ ‬ماضيها‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭.‬

مثل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتذار‭ ‬الذي‭ ‬ينتظره‭ ‬الجزائريون‭ ‬ويعتبرونه‭ ‬مطلبا‭ ‬مشروعا،‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬المفتاح‭ ‬الملائم‭ ‬لفتح‭ ‬جميع‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬تطوير‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الميادين،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬الجريئة‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ (‬الاعتذار‭) ‬ستبقى‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬مد‭ ‬وجزر‭ ‬ولن‭ ‬تحقق‭ ‬فرنسا‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬شراكة‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬الجزائر،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهي‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬فرنسا‭ ‬حيوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الساحل‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مالي‭ ‬التي‭ ‬خسرتها‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭.‬

فرنسا‭ ‬تعرف‭ ‬جيدا‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬الفشل‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬مالي‭ ‬وتحول‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬الأفريقية‭ ‬إلى‭ ‬ناحية‭ ‬روسيا‭ ‬حيث‭ ‬خاضت‭ ‬فرنسا‭ ‬حربا‭ ‬ضد‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬تنشده،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬السياسة‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الساحل‭ ‬الأفريقي‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬ملموسة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المستعمرات‭ ‬الفرنسية‭ ‬السابقة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬فيضا‭ ‬ثقيلا‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬عدم‭ ‬إقدام‭ ‬فرنسا‭ ‬على‭ ‬الاعتذار‭ ‬عن‭ ‬ماضيها‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الجزائر،‭ ‬لن‭ ‬يخدم‭ ‬محاولات‭ ‬فرنسا‭ ‬فتح‭ ‬صفحات‭ ‬جديدة‭ ‬ومفيدة‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭.‬

خلال‭ ‬زيارته‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر،‭ ‬سعى‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إلى‭ ‬الدفع‭ ‬بالعلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬ومحاولة‭ ‬طي‭ ‬صفحة‭ ‬الخلافات‭ ‬التي‭ ‬نشبت‭ ‬بينهما‭ ‬بعد‭ ‬تصريحات‭ ‬سابقة‭ ‬له‭ ‬تضمنت‭ ‬تشكيكا‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬أمة‭ ‬جزائرية‭ ‬قبل‭ ‬1830،‭ ‬أي‭ ‬عام‭ ‬بدء‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬لهذا‭ ‬البلد‭ ‬العربي،‭ ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يبادر‭ ‬إلى‭ ‬الاعتذار،‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬اقتصادية‭ ‬مثل‭ ‬زيادة‭ ‬كمية‭ ‬الغاز‭ ‬الجزائري‭ ‬المصدر‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬بسبب‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وتوجه‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬الاستغناء‭ ‬التدريجي‭ ‬عن‭ ‬الطاقة‭ ‬الروسية،‭ ‬ومنها‭ ‬الغاز‭ ‬والنفط‭.‬

ليس‭ ‬أمام‭ ‬فرنسا‭ ‬من‭ ‬خيار،‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬حقا‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬عربة‭ ‬العلاقات‭ ‬الفرنسية‭ ‬الجزائرية‭ ‬على‭ ‬السكة‭ ‬الصحيحة،‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تعتذر‭ ‬عن‭ ‬ماضيها‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬وأن‭ ‬تقبل‭ ‬بالمطلب‭ ‬الجزائري‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬باريس‭ ‬الأرشيف‭ ‬للباحثين‭ ‬والمؤرخين،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنه‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬فرنسية‭ ‬جزائرية‭ ‬مشتركة‭ ‬لدراسة‭ ‬الأرشيف‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬والثورة‭ ‬التحررية‭ ‬لشعب‭ ‬الجزائر،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يزيل‭ ‬العقبة‭ ‬الكأداء‭ ‬أمام‭ ‬مسار‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

فما‭ ‬تركته‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الجزائريين‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الهين‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬بمجرد‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬وجود‭ ‬علاقات‭ ‬طبيعية‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬والساسة‭ ‬الفرنسيون‭ ‬يعرفون‭ ‬ذلك‭ ‬جيدا،‭ ‬لكن‭ ‬أيا‭ ‬منهم‭ ‬لم‭ ‬يمتلك‭ ‬الشجاعة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بسلبية‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الاعتذار‭ ‬لأبناء‭ ‬الجزائر،‭ ‬وذلك‭ ‬كله‭ ‬يعود‭ ‬بالطبع‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬مقاومة‭ ‬اليمين‭ ‬الفرنسي‭ ‬لخطوة‭ ‬كهذه،‭ ‬أي‭ ‬الاعتذار‭.‬

هذا‭ ‬الإصرار‭ ‬الفرنسي‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬الاعتذار‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬سيبقى‭ ‬يمثل‭ ‬العقبة‭ ‬الرئيسية‭ ‬أمام‭ ‬تطور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬أيضا،‭ ‬فمطلب‭ ‬الاعتذار‭ ‬هو‭ ‬مطلب‭ ‬مشروع‭ ‬للشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬ضحية‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وتعرض‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬لممارسات‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬للإنسانية‭ ‬بصلة،‭ ‬وهي‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجزائريين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬ولدوا‭ ‬بعد‭ ‬التحرير‭ ‬وانتهاء‭ ‬حقبة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬فأبناء‭ ‬الجزائر‭ ‬سيظلون‭ ‬أمينين‭ ‬على‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬الوطنية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//