العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أين أمريكا وحلفاؤها عن المأساة الحقيقية؟

بمجرد‭ ‬أن‭ ‬أطلقت‭ ‬روسيا‭ ‬عمليتها‭ ‬العسكرية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬قبل‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬تتردد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬عبر‭ ‬المحيطات‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬حزمة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬ضد‭ ‬موسكو،‭ ‬بل‭ ‬لوحت‭ ‬وتوعدت‭ ‬أيضا‭ ‬بمعاقبة‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسايرها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأحادية،‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬تنفذ‭ ‬‮«‬عدوانا‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬بلد‭ ‬ذي‭ ‬سيادة،‭ ‬أي‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وبذلك‭ ‬فإن‭ ‬روسيا،‭ ‬بحسب‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬أمريكا‭ ‬وحلفائها،‭ ‬تنتهك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬يحرم‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬واحتلال‭ ‬أراضيها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يجب‭ ‬معاقبتها‭ ‬على‭ ‬أفعالها،‭ ‬وذهبت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬حين‭ ‬زجت‭ ‬بنفسها‭ ‬طرفا‭ ‬شبه‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إغراق‭ ‬الجبهة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬المعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬مساعدة‮»‬‭ ‬كييف‭ ‬على‭ ‬التصدي‭ ‬للقوات‭ ‬الروسية‭. ‬قضية‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأوروبي‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬باحترام‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬و«رفضها‮»‬‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬جديد‭ ‬تشهده‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬الأوكراني،‭ ‬بدأت‭ ‬معالمه‭ ‬في‭ ‬التبلور‭ ‬منذ‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬لانهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬وتفكك‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توسع‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬واقترابه‭ ‬التدريجي‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬الروسية،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬مؤشرات‭ ‬قوية‭ ‬على‭ ‬نية‭ ‬الحلف‭ ‬ضم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جورجيا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬عضويته،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬اعتبرته‭ ‬موسكو‭ ‬تجاوزا‭ ‬خطيرا‭ ‬لخطوطها‭ ‬الحمراء‭. ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأوروبي‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬الروسي‭ ‬الأوكراني‭ ‬ووقوفهم‭ ‬المطلق‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الأوكراني‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬‮«‬الدفاع‮»‬‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬إنما‭ ‬هم‭ ‬بذلك‭ ‬يؤكدون‭ ‬انتهازية‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬ونفاقهم‭ ‬السياسي‭ ‬وإصرارهم‭ ‬غير‭ ‬الأخلاقي‭ ‬على‭ ‬الكيل‭ ‬بمكيالين،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقضايا‭ ‬السياسية‭ ‬والحقوقية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬منها‭ ‬تحديدا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يهمنا‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬منطقتنا‭ ‬العربية،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬حيث‭ ‬يتعرض‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬لأقسى‭ ‬درجات‭ ‬الإساءة‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬ابسط‭ ‬حقوقه‭ ‬الإنسانية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬أنه‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬مستقل‭ ‬أسوة‭ ‬بباقي‭ ‬شعوب‭ ‬المعمورة‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬الأوروبيون‭ ‬وغيرهم‭ ‬عبر‭ ‬المحيطات‭ ‬الذين‭ ‬هبوا‭ ‬بحماس‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬‮«‬للدفاع‮»‬‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وعن‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬وحق‭ ‬الشعب‭ ‬الأوكراني‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وعن‭ ‬وطنه،‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬الحماية‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬من‭ ‬انتهاكات‭ ‬سافرة‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬ولجميع‭ ‬قرارات‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بأوضاع‭ ‬وحقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬حازت‭ ‬تأييدا‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬وحلفائها،‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثل‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬رقم‭ ‬242‭ ‬الخاص‭ ‬بالأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والعربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬عدوان‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬والتي‭ ‬ضمت‭ ‬أجزاء‭ ‬كبيرة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية‭ ‬واعتراف‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها‭ ‬بهذا‭ ‬الإجراء‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالهضبة‭ ‬السورية‭.‬

مأساة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬تعتبر‭ ‬الآن‭ ‬هي‭ ‬أطول‭ ‬مأساة‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬وما‭ ‬يعانيه‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬وبدعم‭ ‬مباشر‭ ‬وغير‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬وحلفائها‭ ‬قل‭ ‬ان‭ ‬يعانيه‭ ‬شعب‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬المعمورة،‭ ‬وما‭ ‬تمارسه‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬من‭ ‬انتهاكات‭ ‬سافرة‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬تمارس‭ ‬مثله،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬مرأى،‭ ‬بل‭ ‬وليس‭ ‬تجنيا‭ ‬القول‭ ‬بموافقة‭ ‬ودعم‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬الآن‭ ‬وبقوة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬‮«‬دفاعا‮»‬‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحق‭ ‬الشعب‭ ‬الأوكراني‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوقه‭ ‬المشروعة،‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭. ‬لقد‭ ‬كشفت‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عن‭ ‬الوجه‭ ‬الحقيقي‭ ‬والنفاق‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تتصف‭ ‬به‭ ‬سياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفائها‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬لقد‭ ‬حللوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬جميع‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يعتبرونه‭ ‬محرما،‭ ‬مثل‭ ‬تسييس‭ ‬الرياضة‭ ‬والفن‭ ‬والأدب،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬اللغة‭ ‬أيضا،‭ ‬وأكدوا‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬للشك‭ ‬أن‭ ‬شعارات‭ ‬الحقوق‭ ‬الإنسانية‭ ‬والحريات‭ ‬والديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬ذرائع‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬رفعها‭ ‬هو‭ ‬تحقيق‭ ‬المآرب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تعارض‭ ‬الممارسات‭ ‬المرتبط‭ ‬بذلك،‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬الآخرين‭. ‬فالمأساة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬مضى‭ ‬عليها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬ذي‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬الاهتمام‭ ‬السياسي‭ ‬لهذه‭ ‬الدول،‭ ‬وكأن‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تتشدق‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬بل‭ ‬الأغرب‭ ‬والأنكى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تنكر‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الممارسات‭ ‬العدوانية‭ ‬والقمعية‭ ‬التي‭ ‬تنفذها‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬فوق‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬فيما‭ ‬تسمي‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ممارسات‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‮»‬،‭ ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬فإن‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬العورات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأوروبية‭ ‬سوف‭ ‬تتكشف‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//