العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

العراق المطلوب أمريكيا

ما‭ ‬أرادت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬تحققه‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬غزوها‭ ‬لهذا‭ ‬البلد‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬بات‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منه،‭ ‬كمشروع،‭ ‬لتصفية‭ ‬كيان‭ ‬كان‭ ‬تاريخيا‭ ‬متماسكا‭ ‬وقويا‭ ‬رغم‭ ‬التنوع‭ ‬العرقي‭ ‬والديني‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬يتسم‭ ‬به‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي،‭ ‬فإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬بوابة‭ ‬العبور‭ ‬للبدء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬التخريبي‭ ‬والتدميري‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬وضعته‭ ‬واشتغلت‭ ‬عليه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬صنع‭ ‬القرارات‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فتنفيذ‭ ‬وإنجاز‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬مع‭ ‬قرار‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬تنفيذه،‭ ‬فإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬وينجز‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬الأدوات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة‭.. ‬ومن‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى،‭ ‬فإن‭ ‬القوى‭ ‬المعارضة‭ ‬للنظام‭ ‬ليست‭ ‬قادرة‭ ‬ولا‭ ‬مؤهلة‭ ‬للقيام‭ ‬وإنجاز‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬الصعبة‭ ‬والمعقدة‭.‬

رغم‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬الضعيفة‭ ‬للقوى‭ ‬المعارضة‭ ‬لنظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬استخدامها‭ ‬كأدوات‭ ‬منفذة‭ ‬للمشروع‭ ‬التفتيتي‭ ‬الذي‭ ‬وضعته‭ ‬للعراق،‭ ‬وما‭ ‬ساعد‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القوى،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬العداء‭ ‬المستحكم‭ ‬لنظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تعطشها‭ ‬لتبوء‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والجلوس‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬لم‭ ‬تتردد‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الصعود‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الدبابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وهي‭ ‬تحرق‭ ‬أخضر‭ ‬العراق‭ ‬ويابسه‭ ‬وتعيد‭ ‬البلاد‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬وتحول‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬متآلف‭ ‬متكاتف‭ ‬ومترابط‭ ‬عرقيا‭ ‬ودينيا‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬مشطر‭ ‬عموديا‭ ‬ومتناحرا،‭ ‬ليس‭ ‬عرقيا‭ ‬أو‭ ‬دينيا،‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬بين‭ ‬أتباع‭ ‬الطائفة‭ ‬الواحدة‭ ‬أيضا،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬‮«‬السياسية‮»‬‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الشيعي‭.‬

وما‭ ‬كان‭ ‬للمشروع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الخبيث‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬الخطير‭ ‬ويحول‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬كانت‭ ‬جميع‭ ‬مكوناته‭ ‬تتفاخر‭ ‬بانتمائها‭ ‬الوطني‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬تتبارى‭ ‬فيه‭ ‬أبناء‭ ‬المكونات‭ ‬الضيقة،‭ ‬العرقية‭ ‬منها‭ ‬والدينية‭ ‬والطائفية،‭ ‬إلى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المكون‭ ‬الضيق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭ ‬مع‭ ‬علمها‭ ‬التام‭ ‬بأن‭ ‬الدفاع‭ ‬والتمسك‭ ‬بمصالح‭ ‬المكون‭ ‬الضيق‭ ‬يعنيان‭ ‬السير‭ ‬المتعمد‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬والفعلي‭ ‬للمشروع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬القوى‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬بدون‭ ‬تعاونها‭ ‬وتعاملها‭ ‬مع‭ ‬الهدف‭ ‬الأمريكي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬للولايات‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬بالعراق‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الآن‭.‬

فالعراق‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬دولة‭ ‬مترابطة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وما‭ ‬نشاهده‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬هرمي‭ ‬للسلطة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬مثل‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬والحكومة‭ ‬والبرلمان،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬مؤسسات‭ ‬مطلوبة‭ ‬سياسيا‭ ‬لإثبات‭ ‬وجود‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬والتضليل‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تختبئ‭ ‬وراءها‭ ‬الأهداف‭ ‬الحقيقية‭ ‬البعيدة‭ ‬المدى‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬المشروع‭ ‬الأمريكي‭ ‬وضلوع‭ ‬القوى‭ ‬العراقية‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬فيه،‭ ‬فهذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية‭ ‬هي‭ ‬مؤسسات‭ ‬مشلولة‭ ‬الإرادة‭ ‬تماما‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬أو‭ ‬تنفيذ‭ ‬قرار‭ ‬سيادي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬عرقلة‭ ‬المشروع‭ ‬الخبيث،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحجيم‭ ‬الدور‭ ‬التخريبي‭ ‬للقوى‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬الضالعة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭.‬

فالأحداث‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وتحديدا‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬أنصار‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬بقيادة‭ ‬زعيمه‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر،‭ ‬خروجهم‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬واحتلالهم‭ ‬‮«‬رمز‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬البرلمان‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي،‭ ‬العرقية‭ ‬منها‭ ‬والدينية،‭ ‬هؤلاء،‭ ‬وهم‭ ‬بالمناسبة‭ ‬ليسوا‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مكون‭ ‬طائفي‭ ‬من‭ ‬المكونات‭ ‬الدينية‭ ‬العراقية،‭ ‬عطلوا‭ ‬عمله‭ ‬تحت‭ ‬حجة‭ ‬‮«‬محاربة‭ ‬الفساد‮»‬،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المصلحة‭ ‬الوطنية‮»‬‭ ‬للشعب‭ ‬العراقي،‭ ‬مع‭ ‬أنهم،‭ ‬و«خصومهم‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬مواجهة‭ ‬الفاسدين‮»‬‭ ‬والتصدي‭ ‬لهم،‭ ‬ليسوا‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬انخرطت‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الأمريكي‭ ‬منذ‭ ‬تدشينه‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2003‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عملية‭ ‬هدم‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية،‭ ‬وهو‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬كيانا‭ ‬وطنيا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬هذه‭ ‬المصالح‭. ‬العراق‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬العراق‭ ‬المطلوب‭ ‬أمريكيا،‭ ‬وهو‭ ‬الكيان‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنشائه‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليه،‭ ‬زجت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬جنودها‭ ‬وعتادها‭ ‬وداست‭ ‬جميع‭ ‬قوانين‭ ‬وقرارات‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬هذا‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬رسمته‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬مطابخها‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬الصدر‭ ‬ولا‭ ‬غيره‭ ‬أن‭ ‬يزحزحه‭ ‬عن‭ ‬الموقع‭ ‬المرسوم‭ ‬له‭ ‬أمريكيا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//