العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تحريك المياه السورية التركية الراكدة

الجديد‭ ‬المعلن‭ ‬فيما‭ ‬كشف‭ ‬عنه‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬التركي‭ ‬مولود‭ ‬تشاووش‭ ‬أوغلو‭ ‬مؤخرا‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬أجرى‭ ‬محادثة‭ ‬قصيرة‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السوري‭ ‬فيصل‭ ‬المقداد،‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬اجتماع‭ ‬حركة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭ ‬الذي‭ ‬عقد‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي‭ ‬بالعاصمة‭ ‬الصربية‭ ‬بلغراد،‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬يعد‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والسياسي‭ ‬بين‭ ‬المسؤولين‭ ‬السوريين‭ ‬والأتراك‭ ‬منذ‭ ‬تفجر‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬ودخول‭ ‬تركيا‭ ‬طرفا‭ ‬مباشرا‭ ‬فيها‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬واللوجستي‭ ‬لمختلف‭ ‬الجماعات‭ ‬التي‭ ‬زج‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬سوريا،‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تصنفها‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جماعات‭ ‬‮«‬معارضة‮»‬‭ ‬سورية،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الجماعات‭ ‬التي‭ ‬تصنفها‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جماعات‭ ‬إرهابية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬و«النصرة‮»‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭.‬

فرغم‭ ‬الخلافات‭ ‬الحادة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬وتدخل‭ ‬تركيا‭ ‬واحتلالها‭ ‬أجزاء‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬حماية‮»‬‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني‭ ‬ومحاربة‭ ‬الجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬السورية‭ ‬والتركية‭ ‬التي‭ ‬تصنفها‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جماعات‭ ‬إرهابية،‭ ‬فإن‭ ‬البلدين‭ ‬حافظا‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬أجهزتهما‭ ‬الاستخبارية،‭ ‬وربما‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬‮«‬شعرة‭ ‬معاوية‮»‬‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬معارضيها‭ ‬الأكراد،‭ ‬وطموحات‭ ‬الأكراد‭ ‬السوريين‭ ‬الانفصالية،‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬ربما‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تليين‭ ‬الموقف‭ ‬السياسي‭ ‬التركي‭ ‬وهيأت‭ ‬المناخ‭ ‬للقاء‭ ‬وزيري‭ ‬خارجية‭ ‬البلدين‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬المفتعلة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬سوريا‭ ‬منذ‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬خلفت‭ ‬أضرارا‭ ‬جسيمة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬والدولة‭ ‬السورية‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وشكلت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬التحديات،‭ ‬ليس‭ ‬أمام‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬للمنطقة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سوريا‭ ‬تحولت‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬وأخطر‭ ‬القواعد‭ ‬للجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬طرفا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وإنما‭ ‬تدخل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية،‭ ‬منها‭ ‬تركيا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬قوى‭ ‬دولية‭ ‬تتصدرها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬الأوربيون‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬السورية،‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬رئيسيا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬هذا‭ ‬الخطر‭ ‬حيث‭ ‬شكلت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الداعم‭ ‬الرئيسي‭ ‬المباشر‭ ‬لهذه‭ ‬الجماعات‭.‬

فانتشار‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬واتخاذها‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬قاعدة‭ ‬رئيسية‭ ‬بحجة‭ ‬محاربة‭ ‬نظام‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬شكل‭ ‬خطرا‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬منها‭ ‬تركيا‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬تحديا‭ ‬مزمنا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفصائل‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬التركي‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬الدولة‭ ‬السورية‭ ‬ظروفا‭ ‬مهيأة‭ ‬لتمتين‭ ‬وتقوية‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬أشقائه‭ ‬الأكراد‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬تصنفهم‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬جماعة‭ ‬إرهابية‭ ‬متحالفة‭ ‬مع‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬يهددون‭ ‬وحدة‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبنيهم‭ ‬نهجا‭ ‬انفصاليا،‭ ‬وهذا‭ ‬المشروع‭ ‬يحظى‭ ‬بدعم‭ ‬قوي‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

هذا‭ ‬المشروع‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬تهديده‭ ‬المباشر‭ ‬موجها‭ ‬لوحدة‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬حمل‭ ‬تهديدا‭ ‬أيضا‭ ‬لوحدة‭ ‬الأراضي‭ ‬التركية،‭ ‬حيث‭ ‬ترى‭ ‬أنقرة‭ ‬فيه‭ ‬تشجيعا‭ ‬للأكراد‭ ‬الأتراك‭ ‬الذين‭ ‬يخوضون‭ ‬صراعا‭ ‬عسكريا‭ ‬مع‭ ‬الجيش‭ ‬التركي،‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬تخلق‭ ‬تقاطعا‭ ‬في‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬وسوريا‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬البلدين‭ ‬معنيان‭ ‬بهذا‭ ‬التهديد،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬أنقرة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬وأده‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يمتد‭ ‬إليها،‭ ‬وهذا‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬اللغة‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬وإنما‭ ‬السياسية‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬طبيعة‭ ‬الاتصالات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬التركي‭ ‬مؤخرا‭.‬

تركيا‭ ‬باتت‭ ‬تدرك‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬ان‭ ‬إضعاف‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬لم‭ ‬يؤد‭ ‬إلى‭ ‬إسقاطها،‭ ‬ودمشق‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬حلفائها‭ ‬وأصدقائها،‭ ‬على‭ ‬رأسهم‭ ‬روسيا،‭ ‬قويت‭ ‬شوكتها‭ ‬واستطاعت‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬كانت‭ ‬خاضعة‭ ‬لسيطرة‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬و‮«‬المعارضة‮»‬،‭ ‬فإضعاف‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬جاء‭ ‬بمردود‭ ‬عكسي‭ ‬على‭ ‬تركيا‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬‮«‬التهديد‮»‬‭ ‬الكردي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أنقرة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬بضربة‭ ‬واحدة‭ ‬هدم‭ ‬جدار‭ ‬العداء‭ ‬الذي‭ ‬شيدته‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬احد‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬دمشق،‭ ‬ويمكن‭ ‬قراءة‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬أنقرة‭ ‬على‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬خاضعة‭ ‬لسيطرة‭ ‬حلفاء‭ ‬تركيا‭ ‬احتجاجا‭ ‬على‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬التركي‭ ‬بعد‭ ‬لقائه‭ ‬نظيره‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬بلغراد‭. ‬

ومثلما‭ ‬أن‭ ‬للحكومة‭ ‬السورية‭ ‬مصلحة‭ ‬وطنية‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬التراب‭ ‬السوري‭ ‬وما‭ ‬يمثله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬لوحدة‭ ‬وسلامة‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬أنقرة‭ ‬أيضا‭ ‬عدم‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعات‭ ‬الانفصالية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬لأن‭ ‬لذلك‭ ‬انعكاسا‭ ‬سلبيا‭ ‬وخطيرا‭ ‬على‭ ‬أنقرة‭ ‬ذاتها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//