العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تنمّر ألماني تجاه فلسطين

لا‭ ‬تحتاج‭ ‬ألمانيا‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مناسبة‭ ‬أو‭ ‬حجة‭ ‬لتثبت‭ ‬خضوعها‭ ‬للوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬العالمي‭ ‬وتبنيها‭ ‬المطلق‭ ‬للسياسة‭  ‬العدوانية‭ ‬التي‭ ‬تنتهجها‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ (‬الإسرائيلي‭) ‬تجاه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬فالضجة‭ ‬التي‭ ‬افتعلتها‭ ‬ألمانيا‭ ‬حيال‭  ‬تصريح‭ ‬الزعيم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬محمود‭ ‬عباس‭ ‬بشأن‭ ‬محرقة‭ ‬اليهود‭ (‬الهولوكست‭) ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الزعيم‭ ‬لم‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬فظاعة‭ ‬المذبحة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬تجاه‭ ‬اليهود،‭ ‬وإنما‭ ‬شبه‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ولا‭ ‬تواجه‭ ‬بالإدانة‭ ‬والاستنكار‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ -‬ومنها‭ ‬ألمانيا‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬مساعدات‭ ‬سخية‭ ‬لسلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬بما‭ ‬يساعدها‭ ‬ويشجعها‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬السياسة‭ ‬العدوانية‭ ‬تجاه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭- ‬شبهها‭ ‬بالهولوكوست‭.‬

الزعيم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬قال‭ ‬حرفيا‭: (‬من‭ ‬عام‭ ‬1947‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬ارتكبت‭ ‬إسرائيل‭ ‬50‭ ‬مجزرة‭ ‬في‭ ‬خمسين‭ ‬بلدة‭ ‬فلسطينية‭ ‬من‭ ‬دير‭ ‬ياسين‭ ‬لقبية‭ ‬للطنطورة‭ ‬وكفر‭ ‬قاسم‭ ‬وغيرها‭... ‬50‭ ‬مذبحة،‭ ‬50‭ ‬هولوكوست،‭ ‬وإلى‭ ‬الآن،‭ ‬كلّ‭ ‬يوم،‭ ‬هناك‭ ‬قتلى‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭).. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬الخطأ‭ ‬الذي‭ ‬وجدته‭ ‬ألمانيا‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القول؟‭ ‬ألم‭ ‬ترتكب‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬البشعة‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬ترتكبها‭ ‬تجاه‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬أليس‭ ‬القتل‭ ‬خارج‭ ‬القانون‭ ‬جريمة؟‭ ‬وماذا‭ ‬تسمي‭ ‬ألمانيا‭ ‬جريمة‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬بيوت‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتهجيرهم‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬هدمها‭ ‬وتشريدهم‭ ‬في‭ ‬العراء؟‭ ‬أليست‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬وفرت‭ ‬الغطاء‭ ‬والحماية‭ ‬لارتكاب‭ ‬مجزرة‭ ‬صبرا‭ ‬وشاتيلا‭ ‬في‭ ‬لبنان؟‭ ‬لتخرج‭ ‬برلين‭ ‬وتسمي‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتبارى‭ ‬لتبرير‭ ‬السياسة‭ ‬العدوانية‭ (‬الإسرائيلية‭) ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭.‬

حسنا‭ ‬فعلت‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بإصدارها‭ ‬استنكارا‭ ‬ونقدا‭ ‬للموقف‭ ‬الألماني‭ ‬والهستيريا‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬اتبعتها‭ ‬حكومة‭ ‬برلين‭ ‬تجاه‭ ‬تصرح‭ ‬الزعيم‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬عندما‭ ‬أعربت‭ ‬الجامعة‭ ‬عن‭ (‬رفضها‭ ‬لحملة‭ ‬التنمر‭ ‬الألمانية‭ ‬ضد‭ ‬فلسطين‭ ‬ورئيسها‭ ‬محمود‭ ‬عباس،‭ ‬تعقيبا‭ ‬على‭ ‬استخدامه‭ ‬مصطلح‭ ‬هولوكوست‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭)‬،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ (‬ردّات‭ ‬الفعل‭ ‬الألمانية‭ ‬ذهبت‭ ‬بعيدا،‭ ‬وبشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬وليس‭ ‬له‭ ‬تبرير‭ ‬مقنع،‭ ‬في‭ ‬شيطنة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والاستهانة‭ ‬بمعاناتهم‭ ‬الهائلة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عقود،‭ ‬وكأن‭ ‬الحقائق‭ ‬صارت‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬وانقلبت‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬جانٍ‭ ‬وتحول‭ ‬الجاني‭ ‬الحقيقي‭ ‬وهو‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬ضحية‭). ‬جرائم‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬لم‭ ‬تطل‭ ‬اليهود‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬العالم،‭ ‬ويكفي‭ ‬فقط‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬مليون‭ ‬سوفيتي‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬شنها‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ضد‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭.. ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭  ‬تكبدته‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬بشرية‭ ‬هائلة‭. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬بشاعة‭ ‬الهولوكوست‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬لكن‭ ‬بشاعة‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬طالت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشعوب،‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬ومنها‭ ‬بكل‭  ‬تأكيد‭ ‬جريمة‭ ‬الهولوكوست،‭ ‬تركب‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬إرثا‭ ‬ثقيلا‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬الألمانية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭  (‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬لتسجيل‭ ‬نقاط‭ ‬سياسية‭ ‬ضد‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وقائدها‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬طمس‭ ‬المعاناة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬الاحتلال‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬استفادة‭ ‬لقوة‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المنكوب‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يدعو‭ ‬ألمانيا‭ ‬إلى‭ ‬التنكر‭ ‬للمحرقة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬ضد‭ ‬اليهودي،‭ ‬وبالقدر‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭  ‬على‭ ‬ألمانيا‭  ‬التصدي‭ ‬لأي‭ ‬تهوين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ (‬اليهود‭)‬،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ألمانيا‭ ‬تتحلى‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬تجاه‭ ‬ذلك،‭ ‬فعليها‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬تتحلى‭ ‬بهذه‭ ‬المسئولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬تجاه‭ ‬قضية‭ ‬شعب‭ ‬شرّد‭ ‬من‭ ‬وطنه‭ ‬ويتعرض‭ ‬يوميا‭ ‬لمختلف‭ ‬أصناف‭ ‬الجرائم،‭ ‬وعلى‭ ‬الساسة‭ ‬الألمان‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬جيدا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الألماني‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬محاباة‭ ‬وإرضاء‭ ‬قادة‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬إنما‭ ‬يعد‭ ‬تشجيعا‭ ‬ضمنيا‭ ‬للسياسة‭ ‬العدوانية‭ ‬التي‭ ‬تنتهجها‭ ‬هذه‭ ‬السلطات‭ ‬تجاه‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬ألمانيا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بدولة‭ ‬فلسطين‭ ‬وتكتفي‭ (‬برفض‭) ‬السياسة‭ ‬الاستيطانية‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬لكنها‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬عملي‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬إلزام‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬بالتوقف‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬والانصياع‭ ‬لقرارات‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬242‭ ‬الذي‭ ‬يطالب‭ (‬إسرائيل‭) ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والعربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬في‭ ‬عدوان‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬عام‭ ‬1967‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//