العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الصين الحكيمة لن تنجر إلى الاستفزازات

بعد‭ ‬مرور‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬على‭ ‬الزوبعة‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭  ‬التي‭ ‬احدثتها‭ ‬زيارة‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬نانسي‭ ‬بيلوسي‭ ‬لجزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية‭ ‬والتي‭ ‬واجهت‭ ‬اعتراضا‭ ‬صينيا‭ ‬شديدا‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬قيام‭ ‬الجيش‭ ‬الصيني‭ ‬بتنفيذ‭ ‬مناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬هي‭ ‬الأضخم‭ ‬في‭ ‬تاريخه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تجاوز‭ ‬القطع‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬والطائرات‭ ‬الحربية‭ ‬الخط‭ ‬الأوسط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬البر‭ ‬الصيني‭ ‬والجزيرة‭ ‬ودخول‭ ‬منطقة‭ ‬الدفاع‭ ‬التايوانية،‭ ‬وهو‭  ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬اعتبره‭ ‬قادة‭ ‬الجزيرة‭ ‬بمثابة‭ ‬بروفة‭ ‬عسكرية‭ ‬صينية‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬وإعادة‭ ‬الجزيرة‭  ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭ ‬بالقوة،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تنفيه‭ ‬بكين‭ ‬باستمرار‭ ‬وتؤكد‭ ‬على‭ ‬توجهها‭ ‬السلمي‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالتين‭ ‬أولهما‭ ‬نزول‭ ‬قوات‭ ‬أجنبية‭ ‬على‭ ‬الجزيرة‭ ‬أو‭ ‬إعلان‭ ‬قادتها‭ ‬الاستقلال‭.‬

بعد‭ ‬تلك‭ ‬الزوبعة‭ ‬قام‭ ‬وفد‭ ‬من‭ ‬الكونغرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬يضم‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ونائبة‭ ‬جمهورية‭ ‬يوم‭ ‬الأحد‭ ‬الماضي‭ ‬بزيارة‭ ‬للجزيرة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬زيارة‭ ‬أوسع‭ ‬لمنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬للجزيرة‭ ‬الصينية‭ ‬لم‭ ‬يعلن‭ ‬عنها‭ ‬مسبقا،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬سوف‭ ‬تثير‭ ‬غضبا‭ ‬صينيا‭ ‬ومن‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تفاقم‭ ‬من‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬بين‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وسوف‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬التوترات‭ ‬حول‭ ‬الجزيرة،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬تبعث‭ ‬برسائل‭ ‬خاطئة،‭ ‬لكنها‭ ‬متعمدة،‭ ‬إلى‭ ‬دعاة‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصينية‭.‬

ما‭ ‬تسمى‭ ‬بوزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬التايوانية‭ ‬أشادت‭ ‬بزيارة‭ ‬الوفد‭ ‬البرلماني‭ ‬الأمريكي‭ ‬واعتبرتها‭ ‬‮«‬مؤشرا آخر‭ ‬على‭ ‬دفء‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬تايبيه‭ ‬وواشنطن‮»‬‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تظهر‭ ‬‮«‬صداقة‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬تهديدات‭ ‬الصين‭ ‬وترهيبها،‭ ‬وتسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬القوي‭ ‬لتايوان‮»‬،‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬التايواني‭ ‬والمرحبة‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬تؤكد‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬للشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬وأهمها‭ ‬تشجيع‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬لقادة‭ ‬الجزيرة‭ ‬للمضي‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬استقلالها‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭.‬

فتكثيف‭ ‬الزيارات‭ ‬البرلمانية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للجزيرة‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬مدروس‭ ‬بدقة‭ ‬وبتعمد‭ ‬ولأهداف‭ ‬سياسية‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬سعي‭ ‬أمريكي‭ ‬محموم‭ ‬لكبح‭ ‬أو‭ ‬الإبطاء‭ ‬قدر‭ ‬المستطاع‭ ‬من‭ ‬انطلاقة‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬تهدد‭ ‬الريادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حيث‭ ‬جميع‭ ‬المراقبين‭ ‬والمحللين‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬اعتلاء‭ ‬الصين‭ ‬لمركز‭ ‬الريادة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬وقت،‭ ‬وهو‭ ‬وقت‭ ‬ليس‭ ‬ببعيد،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ممتعضة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬غير‭ ‬المعادي‭ ‬لروسيا‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬إطلاق‭ ‬الأخيرة‭ ‬لعمليتها‭ ‬العسكرية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ورفض‭ ‬بكين‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬العقوبات‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬واشطنن‭ ‬بالتضامن‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬الأوربيين‭ ‬وعبر‭ ‬المحيطات‭.‬

هذه‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬تايوان‭ ‬هي‭ ‬سياسة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬ومن‭ ‬شأنها‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬درجة‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحسب‭ ‬واشطن‭ ‬للعواقب‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬خاصة‭ ‬وان‭ ‬قادة‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬لا‭ ‬يخفون‭ ‬وأوضحوا‭ ‬موقف‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬وأن‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬ان‭ ‬تتهاون‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬دعوة‭ ‬لاستقلال‭ ‬تايوان،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬تستعجل‭ ‬إعادة‭ ‬الجزيرة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الأم،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬أنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬وهناك‭ ‬قول‭ ‬مأثور‭ ‬للزعيم‭ ‬الصيني‭ ‬الراحل‭ ‬ماو‭ ‬تسي‭ ‬تونغ‭ ‬حين‭ ‬سألوه‭ ‬عن‭ ‬موعد‭ ‬عودة‭ ‬الجزيرة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭ ‬قال‭: ‬‮«‬تايوان‭ ‬سترجع‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬وربما‭ ‬بعد‭ ‬مائة‭ ‬عام‮»‬‭. ‬

فالصين‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمرها‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعودة‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وهي‭ ‬تدرك‭ ‬وعلى‭ ‬يقين‭ ‬تام‭ ‬بالأهداف‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬الاستفزازية‭ ‬غير‭ ‬المبررة،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تكترث‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬تعهدا‭ ‬أمريكيا‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬الجزيرة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬قيام‭ ‬الصين‭ ‬بضمها‭ ‬بالقوة،‭ ‬فالصين‭ ‬ليست‭ ‬دولة‭ ‬ضعيفة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العسكرية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تعرف‭ ‬وتدرك‭ ‬ذلك،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬صدام‭ ‬عسكري‭ ‬بين‭ ‬القوتين‭ ‬العظميين‭ ‬ستكون‭ ‬تكاليفه‭ ‬باهظة‭ ‬ليس‭ ‬للصين‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬لأمريكا‭ ‬أيضا،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬صدام‭ ‬عسكري‭ ‬بين‭ ‬القوتين،‭ ‬وهو‭ ‬مستبعد‭ ‬تماما،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يدمر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬برمته‭ ‬نظرا‭ ‬للتغلغل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الصيني‭ ‬الكبير‭ ‬والواسع‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬أقوى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العالمية،‭ ‬أي‭ ‬اقتصادات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ ‬والدول‭ ‬الأوربية‭.‬

ثم‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬الاستفزاز‭ ‬الأمريكي‭ ‬المتواصلة‭ ‬للصين،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هدفها‭ ‬هو‭ ‬كبح‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني،‭ ‬فإن‭ ‬لها‭ ‬مرود‭ ‬عكسي‭ ‬سلبي‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬بهذه‭ ‬السياسة‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الروسية‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ ‬والتنسيق،‭ ‬وربما‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬أيضا‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الدولتين،‭ ‬أي‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬مستهدفتان‭ ‬بشكل‭ ‬مكشوف‭ ‬ومصرح‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬تحول‭ ‬التقارب‭ ‬الصيني‭ ‬الروسي‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحالف‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬تقاومه‭ ‬أمريكا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//