العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

عام على «طالبان» من دون تغيير

في‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬أغسطس‭ ‬يمضي‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬الأفغانية‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬أفغانستان‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬العشرين‭ ‬عاما‭ ‬حين‭ ‬أطاحت‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬من‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬بحكم‭ ‬الحركة‭ ‬بعد‭ ‬هجمات‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والتي‭ ‬تبناها‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬بزعامة‭ ‬رئيسه‭ ‬الراحل‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن،‭ ‬طوال‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬ان‭ ‬تحسن‭ ‬ولو‭ ‬جزئيا‭ ‬من‭ ‬صورتها‭ ‬وسمعتها‭ ‬السيئة‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المجتمع‭  ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬باكستان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الداعمين‭ ‬والمؤيدين‭ ‬للحركة‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬تقاتل‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأطلسية‭ ‬قبل‭ ‬الخروج‭ ‬المذل‭ ‬لهذه‭ ‬القوات‭ ‬من‭ ‬البلد‭.‬

على‭ ‬مدى‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬وحديثها‭ ‬عن‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬مقاومتها‭ ‬للقوات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أظهرت‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وجهها‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتغير،‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموقفها‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬التعليم،‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬فأصدرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬والقوانين‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬تقييدا‭ ‬صارما‭ ‬للحريات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تجاه‭ ‬النساء‭ ‬وإنما‭ ‬تجاه‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬الأفغاني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مصادرة‭ ‬حق‭ ‬باقي‭ ‬مكونات‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تسيير‭ ‬وإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬البلاد،‭ ‬وطوال‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬الحركة‭ ‬أي‭ ‬تقدم‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بحكمها‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ترفض‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬الدبلوماسية‭.‬

فباكستان‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الداعمين‭ ‬لهذه‭ ‬الحركة،‭ ‬باتت‭ ‬الآن‭ ‬تتوجس‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬الوطني،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬عن‭ ‬شكوك‭ ‬قوية‭ ‬بوجود‭ ‬تعاون‭ ‬وعلاقات‭ ‬بين‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬الأفغانية‭ ‬وحركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬الباكستانية،‭ ‬التي‭ ‬تقاتل‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬إسلام‭ ‬آباد،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬الناطق‭ ‬باسم‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الباكستانية‭ ‬عاصم‭ ‬افتخار‭ ‬عندما‭ ‬قال‭: ‬‮«‬إن‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬ناقشت‭ ‬خطر‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ (‬طالبان‭) ‬ولن‭ ‬تتخذ‭ ‬خطوة‭ ‬أحادية‭ ‬تجاه‭ ‬عملية‭ ‬الاعتراف‭ ‬بحكم‭ ‬حركة‭ ‬طالبان‭ ‬الأفغانية،‭ ‬وتكرر‭ ‬خطأ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1996‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬هنا‭ ‬يشير‭  ‬إلى‭ ‬اعتراف‭ ‬بلاده‭ ‬بحكم‭ ‬الحركة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إجماع‭ ‬إقليمي‭ ‬أو‭ ‬دولي‭.‬

فالشكوك‭ ‬تساور‭ ‬الحكومة‭ ‬الباكستانية‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الأفغاني،‭ ‬في‭ ‬قدرة‭  ‬الحركة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تشكلها‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬مأوى‭ ‬ومركزا‭ ‬لها،‭ ‬مثل‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬وعلاقته‭ ‬بحركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬الباكستانية‭ ‬الإرهابية،‭ ‬فالحركة‭ ‬لم‭ ‬تتحرك،‭ ‬عمليا‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لمواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬التصدي‭ ‬للعمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬ينفذها‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ ‬ضد‭ ‬أتباع‭ ‬الأقليات‭ ‬الدينية‭ ‬والعرقية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وقد‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬البنية‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬للحركة،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬تجاهلا‭ ‬متعمدا‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاعتراف‭ ‬بحكمها‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬كسلطة‭ ‬سياسية‭ ‬قائمة‭ ‬وليس‭ ‬كأمر‭ ‬واقع‭.‬

حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فإن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وخاصة‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية‭ ‬القريبة‭ ‬جغرافيا‭ ‬من‭ ‬أفغانستان،‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬أمر‭ ‬واقع،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يرتق‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الاعتراف‭ ‬السياسي‭ ‬بالسلطة‭ ‬الجديدة،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬الآن‭ ‬تلك‭ ‬المقاومة‭ ‬لحكمها‭ ‬الجديد،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬نيل‭ ‬اعتراف‭ ‬دولي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إقليمي‭ ‬بسلطتها‭ ‬الحاكمة،‭ ‬فهي‭ ‬تسعى‭ ‬جاهدة‭ ‬لتقديم‭ ‬رؤية‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬توجهاتها‭ ‬وبأنها‭ ‬‮«‬تعلمت‮»‬‭ ‬من‭ ‬أخطاء‭ ‬حكمها‭ ‬السابق،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬صدى‭ ‬فعليا‭ ‬لها،‭ ‬وتكذبها‭ ‬الممارسات‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وإصرار‭ ‬الحركة‭ ‬على‭ ‬قمع‭ ‬خصومها‭ ‬والمختلفين‭ ‬معها‭ ‬والسير‭ ‬على‭ ‬نهجها‭ ‬الديني‭ ‬المتزمت‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬دولية‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ ‬انتهت‭ ‬بإسقاط‭ ‬حكمها‭ ‬بعد‭ ‬هجمات‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬الإرهابية‭ ‬وتمسك‭ ‬الحركة‭ ‬بتقديم‭ ‬المأوى‭ ‬لتنظيم‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬المسئول‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الهجمات‭.‬

فالأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬تزداد‭ ‬سوءا‭ ‬فيما‭ ‬ترفض‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬الغربية‭ ‬منها‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬التعاطي‭ ‬السياسي‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية،‭ ‬ولزيادة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬سارعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬تجميد‭ ‬الأموال‭ ‬الأفغانية‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬الأمريكية‭ ‬وأوقفت‭ ‬‮«‬المساعدات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقدمها‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬بغية‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬لتغيير‭ ‬نهجها،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يعقد‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والمعيشي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬سوف‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬وجهود‭ ‬كبيرة‭ ‬ومضنية‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬يتطلب‭ ‬مواقف‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الحركة،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬1996‭ ‬ليست‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬2021،‭ ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بحكم‭ ‬تركيبتها‭ ‬الأيدولوجية‭ ‬والصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬بين‭ ‬اجنحتها‭ ‬المختلفة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//