العدد : ١٦٢٦٨ - الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٦٨ - الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

سياسة سعر الفائدة وموجة التضخم العالمي: فهم لجذور المشكلة

بقلم: علي فقيه

الخميس ١١ ٢٠٢٢ - 02:00

مع‭ ‬قدوم‭ ‬موجة‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي،‭ ‬تقوم‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬برفع‭ ‬معدل‭ ‬الفائدة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬انتهاجها‭ ‬لسياسات‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الصفر‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬النطاق،‭ ‬يعتبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬أحد‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭: ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعمالة‭ ‬والاستثمار‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬بمستوى‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭. ‬ويعتبر‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المستهلك‭ ‬أو‭ ‬مقياس‭ ‬الـ‭ ‬CPI‭ ‬أحد‭ ‬المقاييس‭ ‬الأساسية‭ ‬لقياس‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬ما‭. ‬ففي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قفز‭ ‬مؤشر‭ ‬سعر‭ ‬المستهلك‭ ‬إلى‭ ‬9‭.‬1‭%‬‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يونيو،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬أسرع‭ ‬وتيرة‭ ‬للتضخم‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المتسوقين‭ ‬دفعوا‭ ‬أسعارًا‭ ‬أعلى‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لمجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬خصوصا‭ ‬لمنتجات‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬قفزت‭ ‬أسعارها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬50‭%‬،‭ ‬حيث‭ ‬أبقى‭ ‬التضخم‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬المتباطئ‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬ولكن‭ ‬آثاره‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حادة،‭ ‬إذ‭ ‬سجلت‭ ‬قطر‭ ‬والامارات‭ ‬أعلى‭ ‬نسبة‭ ‬تضخم‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭.‬4‭%‬،‭ ‬تليها‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭.‬52‭%‬‭ ‬تليها‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬بمعدل‭ ‬2‭.‬85‭%‬‭ ‬وأخيرا‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬بنسب‭ ‬منخفضة‭.‬

قد‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭: ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬سلع‭ ‬معينة‭ ‬لدى‭ ‬المستهلكين،‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد،‭ ‬زيادة‭ ‬الضرائب‭ ‬والأسعار‭ ‬الجمركية،‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬الندرة‭ ‬ونقص‭ ‬المواد،‭ ‬الحرب،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬زيادة‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ (‬التضخم‭ ‬المالي‭) ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوسع‭ ‬الائتماني‭ ‬والانفاق‭ ‬الحكومي‭. ‬يحدث‭ ‬التضخم‭ ‬المالي‭ ‬عندما‭ ‬ينمو‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬لبلد‭ ‬ما‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للبلد‭ ‬مما‭ ‬يسبب‭ ‬تضخم‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتحدة‭ ‬عندما‭ ‬أقرت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬خطط‭ ‬إنفاق‭ ‬بلغت‭ ‬حوالي‭ ‬6‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬لدعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬تأثر‭ ‬بجائحة‭ ‬الكوفيد‭-‬19‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬البنك‭ ‬الفيدرالي‭ ‬بخفض‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الى‭ ‬الصفر‭. ‬وبالفعل،‭ ‬حدثت‭ ‬طفرة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬وارتفاع‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬انفاق‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬وزيادة‭ ‬الاستثمارات‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬الآثار‭ ‬الجانبية‭ ‬والتي‭ ‬أدت‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬الى‭ ‬تضخم‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬وارتفاع‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المستهلك‭ ‬وانخفاض‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لربعين‭ ‬متتاليين‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ركود‭ ‬اقتصادي‭.‬

يعتقد‭ ‬الكثيرون‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬بالاستمرار‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬وذلك‭ ‬لتحقيق‭ ‬أكبر‭ ‬منفعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ممكنة‭. ‬ولكن‭ ‬آثار‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬الأسعار‭ ‬سترتفع‭ ‬بشكل‭ ‬مطرد‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأجور،‭ ‬وهذا‭ ‬يضر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬المدخرين‭ ‬للمال‭ ‬بسبب‭ ‬انخفاض‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬مدخراتهم‭ ‬عند‭ ‬انفاقها‭. ‬فعلى‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يظن‭ ‬علماء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ك‭ ‬Paul‭ ‬Krugman،‭ ‬خفض‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬الازدهار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬سياسة‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬المنخفض‭ ‬غير‭ ‬فعالة،‭ ‬ستقوم‭ ‬الحكومة‭ ‬بالتدخل‭ ‬وزيادة‭ ‬الانفاق‭ ‬على‭ ‬المشاريع‭ ‬وغيرها‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬ورفع‭ ‬انفاقهم‭ ‬وذلك‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬لأن‭ ‬البنك‭ ‬الفيدرالي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الصفر‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬بالفعل‭ ‬عندما‭ ‬اقترحت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بايدن‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬قانونا‭ ‬جديدا‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭ ‬Inflation‭ ‬Reduction‭ ‬Act‭ ‬Bill‭ ‬2022‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬الانفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬المتفق‭ ‬عليه‭ ‬الى‭ ‬739‭ ‬بليون‭ ‬دولار‭ ‬لدعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬وخفض‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬ان‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬يتعلموا‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬حول‭ ‬مسببات‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬الانفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬ترليونات‭ ‬دولار‭ ‬وسياسة‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الصفرية‭ ‬التي‭ ‬تبدوا‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تجدي‭ ‬نفعا‭ ‬حتى‭ ‬الان‭. ‬

وستذكر‭ ‬هنا‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬2007‭-‬2008‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬مما‭ ‬سبب‭ ‬ارتفاعا‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬خصوصا‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭. ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬عندما‭ ‬تقوم‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬بخفض‭ ‬نسبة‭ ‬الفائدة،‭ ‬ويقوم‭ ‬مطورو‭ ‬العقارات‭ ‬باقتراض‭ ‬الأموال‭ ‬بأسعار‭ ‬فائدة‭ ‬منخفضة‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬لهدف‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬العقارات،‭ ‬فيرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬العقارات‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬عليها،‭ ‬وهكذا‭. ‬تستمر‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬فيها‭ ‬الديون‭ ‬الى‭ ‬مراحل‭ ‬خطيرة‭ ‬بسبب‭ ‬الاقتراض‭ ‬المتواصل،‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬البنوك‭ ‬لمرحلة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬تقرض‭ ‬أحد،‭ ‬وتبدأ‭ ‬الكارثة‭ ‬عندما‭ ‬يطلب‭ ‬المطورون‭ ‬اقتراض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬لعدم‭ ‬استطاعتهم‭ ‬اكمال‭ ‬بناء‭ ‬المشاريع‭ ‬فتنخفض‭ ‬الأسعار‭ ‬بسبب‭ ‬قلة‭ ‬الطلب‭ ‬ويتكبد‭ ‬الدائنون‭ (‬البنوك‭) ‬الخسائر‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬استطاعتهم‭ ‬استرجاع‭ ‬الأموال‭ ‬المقترضة،‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬المدينون‭ (‬المستثمرون‭) ‬رد‭ ‬الأموال‭ ‬المقترضة‭ ‬للبنوك‭. ‬فتبدأ‭ ‬البنوك‭ ‬بإعلان‭ ‬افلاسها،‭ ‬ويبدأ‭ ‬حصول‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬الحكومات‭ ‬برفع‭ ‬مستوى‭ ‬الانفاق‭ ‬الى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

ولمواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬تقوم‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬برفع‭ ‬نسبة‭ ‬الفائدة‭. ‬والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬آثار‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬وكيف‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم؟

تقوم‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬برفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬لمحاربة‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خفض‭ ‬مستوى‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والقوة‭ ‬الشرائية‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬بهدف‭ ‬خفض‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم،‭ ‬زادت‭ ‬مطالبات‭ ‬العمال‭ ‬بزيادة‭ ‬الأجور،‭ ‬وهذه‭ ‬الزيادة‭ ‬تدفع‭ ‬بتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاعمال‭ ‬التجارية‭ ‬الى‭ ‬الزيادة‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬لاحقاً‭. ‬لذلك‭ ‬تقوم‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬برفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬لخفض‭ ‬مستوى‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬بدوره‭ ‬لخفض‭ ‬مستوى‭ ‬التضخم‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬سابقاً‭ ‬الرئيس‭ ‬رونالد‭ ‬ريغن‭ ‬في‭ ‬محاولته‭ ‬لمحاربة‭ ‬التضخم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الى‭ ‬20‭%‬‭. ‬لهذا،‭ ‬يبقى‭ ‬السبب‭ ‬الجذري‭ ‬لارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬بسبب‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬الأساس‭. ‬

تشار‭ ‬بفترة‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وامتدادها‭ ‬إلى‭ ‬أوائل‭ ‬الثمانينيات‭ ‬باسم‭ ‬التضخم‭ ‬العظيم‭ ‬التي‭ ‬ارتفع‭ ‬فيها‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬14‭%‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1980‭. ‬وتعتبر‭ ‬سياسات‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬التي‭ ‬شجعت‭ ‬زيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬للتضخم‭ ‬الكبير‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬بيرنز،‭ ‬الذي‭ ‬قام،‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬انعكاسات‭ ‬صانع‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية‭ (‬1969-1978‭)‬،‭ ‬بإلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬التضخم‭ ‬الكبير‭ ‬دون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬النقدي‭ ‬الكارثي‭. ‬حيث‭ ‬لام‭ ‬الكثيرون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬الرهيبة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وتسعير‭ ‬النفط‭. ‬في‭ ‬حينها،‭ ‬كتبت‭ ‬صحيفة‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬جورنال،‭ ‬عند‭ ‬مراجعة‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬1986،‭ ‬‮«‬حصلت‭ ‬أوبك‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الفضل‭ ‬لما‭ ‬فعلته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬لنفسها‮»‬‭. ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ألقوا‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والمضاربة‭ ‬بالعملة‭ ‬وجشع‭ ‬التجار‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬سياساتهم‭ ‬المالية‭. ‬ويبدوا‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه‭ ‬الآن‭ ‬مع‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭ ‬لقمة‭ ‬جدة‭ ‬للمحاولة‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬بزيادة‭ ‬انتاجها‭ ‬للنفط‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تعديل‭ ‬سياساته‭ ‬المالية‭.‬

يقول‭ ‬العالم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ميلتون‭ ‬فريدمان‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬ظاهرة‭ ‬مالية،‭ ‬وأن‭ ‬العلاج‭ ‬الوحيد‭ ‬للتضخم‭ ‬هو‭ ‬خفض‭ ‬المعدل‭ ‬الذي‭ ‬ينمو‭ ‬به‭ ‬إجمالي‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬والإنفاق‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭. ‬قد‭ ‬يشتمل‭ ‬هذا‭ ‬العلاج‭ ‬على‭ ‬آثار‭ ‬جانبية‭ ‬مؤقتة،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬فريدمان‭: ‬‮«‬لا‭ ‬توجد‭ ‬طريقة‭ ‬لإبطاء‭ ‬التضخم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬البطالة‭ ‬وخفضاً‭ ‬مؤقتاً‭ ‬في‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬الإنتاج‭. ‬لكن‭ ‬تكاليف‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬ستكون‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬سيتم‭ ‬تكبدها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السماح‭ ‬لمرض‭ ‬التضخم‭ ‬بالانتشار‭ ‬دون‭ ‬رادع‮»‬‭. ‬فلتجنب‭ ‬التضخم‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬يقترح‭ ‬فريدمان‭ ‬ان‭ ‬رفع‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬كمية‭ ‬توافر‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬منخفضًا،‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬يرتفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬البنكية‭ ‬لعدم‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الديون‭ ‬والتضخم،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬مرتفعًا،‭ ‬فيمكن‭ ‬خفض‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news