العدد : ١٦٣٢٢ - الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٢ - الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

مغامرة أمريكية فاشلة استراتيجيا

من‭ ‬الطبيعي‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬تثير‭ ‬زيارة‭ ‬نانسي‭ ‬بيلوسي‭ ‬لجزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية‭ ‬غضبا‭ ‬شديدا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬تعد‭ ‬انتهاكا‭ ‬صارخا‭ ‬للسيادة‭ ‬الصينية‭ ‬باعتبار‭ ‬الجزيرة‭ ‬أرضا‭ ‬صينية‭ ‬وفقا‭ ‬للشرائع‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تعترف‭ ‬بصين‭ ‬واحدة‭ ‬وهي‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثل‭ ‬الأمة‭ ‬الصينية‭ ‬منذ‭ ‬صدور‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2758‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1971‭ ‬بإقصاء‭ ‬تايوان‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنح‭ ‬مقعدها‭ ‬لجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية،‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬فإن‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تقريبا‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬سوى‭ ‬بصين‭ ‬واحدة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬تايوان‭ ‬بمثابة‭ ‬عقبة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬التطور‭ ‬السلمي‭ ‬السريع‭ ‬للصين‭ ‬الشعبية‭ ‬ومحاولة‭ ‬واشنطن‭ ‬عرقلة‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬بشتى‭ ‬الوسائل،‭ ‬ومنها‭ ‬المسألة‭ ‬التايوانية‭.‬

فزيارة‭ ‬بيلوسي‭ ‬لتايوان،‭ ‬ليست‭ ‬زيارة‭ ‬عادية،‭ ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬أو‭ ‬ممثلي‭ ‬المنظمات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فهي‭ ‬بصفتها‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الدولة‭ ‬الأساسيين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬القادة‭ ‬الصينيين‭ ‬تعتبر‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الصين‭ ‬الواحدة‭ ‬التي‭ ‬تعلن‭ ‬أمريكا‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬متمسكة‮»‬‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬تعتبر‭ ‬خرقا‭ ‬للبيان‭ ‬الصيني‭ ‬الأمريكي‭ ‬المشترك‭ ‬بشأن‭ ‬إقامة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬والذي‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تعترف‭ ‬واشنطن‭ ‬ببكين‭ ‬باعتبارها‭ ‬الحكومة‭ ‬الشرعية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الصين‭.‬

هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وعلاقات‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬مع‭ ‬تايوان،‭ ‬لم‭ ‬تتبلور‭ ‬بعد‭ ‬ولم‭ ‬تتضح‭ ‬معالم‭ ‬الردود‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الانتهاك‭ ‬الخطير‭ ‬لسيادتها،‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬ستصبح‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬لأكبر‭ ‬شخصية‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تزور‭ ‬رسميا‭ ‬الجزيرة‭ ‬منذ‭ ‬25‭ ‬عاما،‭ ‬فردود‭ ‬الأفعال‭ ‬الصينية‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بقيت‭ ‬ملتزمة‭ ‬بعدم‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬الكبير،‭ ‬فهذه‭ ‬المناورات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬شواطئ‭ ‬الجزيرة،‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الرد‭ ‬الصيني‭ ‬المرتقب،‭ ‬بكثر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬رسالة‭ ‬للانفصاليين‭ ‬في‭ ‬تايوان‭ ‬من‭ ‬مغبة‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬توجهاتهم‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الآخر،‭ ‬أي‭ ‬صوب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬واي‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬تغازل‭ ‬الانفصاليين‭ ‬التايوانيين،‭ ‬بأن‭ ‬مسألة‭ ‬تايوان‭ ‬بالنسبة‭ ‬للصين‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للمساومة،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬تزامن‭ ‬الإعلان‭ ‬الأمريكي‭ ‬بتصفية‭ ‬زعيم‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬الإرهابي‭ ‬أيمن‭ ‬الظواهري‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬إصرار‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬خططها‭ ‬لزيارة‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصينية،‭ ‬يفهم‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬محاولة‭ ‬لتحسين‭ ‬الوضع‭ ‬الانتخابي‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الأمريكي‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬النصفية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم،‭ ‬حيث‭ ‬تدل‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬شعبية‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬وإمكانية‭ ‬فقدانهم‭ ‬الأغلبية‭ ‬في‭ ‬مجلسي‭ ‬الشيوخ‭ ‬والنواب،‭ ‬لكن‭ ‬تحسين‭ ‬وضع‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬هذه‭ ‬المغامرة‭ ‬السياسية‭ ‬الخطيرة،‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬غير‭ ‬صائبة،‭ ‬وخاصة‭ ‬ان‭ ‬الناخب‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬تهمه‭ ‬كثيرا‭ ‬أداء‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخارجية،‭ ‬وإنما‭ ‬أوضاعه‭ ‬المعيشية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الداخلية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

أيًّا‭ ‬تكن‭ ‬الدوافع‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬زيارة‭ ‬بيلوسي‭ ‬لجزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية،‭ ‬فإن‭ ‬تصريح‭ ‬المسؤولة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأن‭ ‬زيارتها‭ ‬جاءت‭ ‬لتأكيد‭ ‬‮«‬التزام‮»‬‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬بدعم‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجزيرة،‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬شعارات‭ ‬مألوفة‭ ‬تقف‭ ‬وراءها‭ ‬أهداف‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬ورقة‭ ‬تايوان‭ ‬حاضرة‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬جهودها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬الصينية،‭ ‬فالإدارات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬الجمهورية‭ ‬منها‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬لأن‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأولى‭ ‬عالميا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الجهود‭ ‬الأمريكية‭ ‬تنصب‭ ‬حاليا‭ ‬على‭ ‬إبطاء‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الحتمي،‭ ‬بعد‭ ‬التيقن‭ ‬من‭ ‬استحالة‭ ‬إفشاله‭.‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬اللعب‭ ‬بالورقة‭ ‬التايوانية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الصين‭ ‬وعرقلة‭ ‬انطلاقتها،‭ ‬هي‭ ‬ورقة‭ ‬خاسرة‭ ‬تماما،‭ ‬فالسياسة‭ ‬الصينية‭ ‬تتسم‭ ‬بالحكمة‭ ‬والعقلنة‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تنجر‭ ‬وراء‭ ‬المغامرات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬العسكرية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬السذاجة،‭ ‬تفسير‭ ‬عدم‭ ‬لجوء‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬لوقف‭ ‬وإبطال‭ ‬زيارة‭ ‬بيلوسي‭ ‬للجزيرة‭ ‬الصينية،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ضعف‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الجدية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموقفها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬الجزيرة،‭ ‬فالاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لمدى‭ ‬جدية‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مسألتين،‭ ‬الأولى‭ ‬إعلان‭ ‬الجزيرة‭ ‬استقلالها،‭ ‬أو‭ ‬نزول‭ ‬قوات‭ ‬أجنبية‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬وهذا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬الصين‭ ‬مواصلة‭ ‬عملية‭ ‬البناء‭ ‬والتطوير،‭ ‬ولكل‭ ‬حادث‭ ‬حديث‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//