العدد : ١٦٣٢٢ - الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٢ - الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

غزو الكويت جريمة بحق الشعبين

الثاني‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭ ‬يصادف‭ ‬الذكرى‭ ‬الـــ‭ ‬22‭ ‬للغزو‭ ‬العراقي‭ ‬لدولة‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة،‭ ‬الذي‭ ‬أحدث‭ ‬شرخا‭ ‬عميقا‭ ‬وتحولا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬العربية‭ ‬العربية،‭ ‬وساعد‭ ‬في‭ ‬تمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬التطورات‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وبعلاقاتها‭ ‬مع‭ ‬بضعها‭ ‬البعض،‭ ‬فهذا‭ ‬الحدث،‭ ‬أي‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو،‭ ‬ستبقى‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬المواطنين‭ ‬الكويتيين‭ ‬والعراقيين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬عايش‭ ‬وكابد‭ ‬تداعيات‭ ‬الغزو‭ ‬وانعكاساته‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬البلدين،‭ ‬وإنما‭ ‬ايضا‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬فطنت‭ ‬لهذا‭ ‬الحادث‭ ‬الخطير‭ ‬وعرفت‭ ‬تفاصيله‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬والوسائل‭ ‬المختلفة،‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬والتذكير‭ ‬بها‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬تفسيره‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬للجروح‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تندمل‭ ‬مع‭ ‬إنجاز‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‭ ‬وتخليصها‭ ‬من‭ ‬نير‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وإنما‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تكراره‭ ‬بين‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬العربية‭.‬

بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬يمكن‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الشعبين‭ ‬الشقيقين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والكويت،‭ ‬بل‭ ‬وبين‭ ‬الحكومتين،‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬سابق‭ ‬عهدها،‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الغزو،‭ ‬حيث‭ ‬أدركت‭ ‬جميع‭ ‬الفعاليات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الرسمية‭ ‬والأهلية‭ ‬الكويتية‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬ومؤسسات‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬ليسوا‭ ‬مسئولين‭ ‬ولا‭ ‬يتحملون‭ ‬الوزر‭ ‬السياسي‭ ‬للنظام‭ ‬الذي‭ ‬نفذ‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬خصومات‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬عن‭ ‬شعبين‭ ‬ودولتين‭ ‬شقيقتين‭ ‬وجارين‭ ‬يجمعهما‭ ‬من‭ ‬أواصر‭ ‬العلاقات‭ ‬وقوتها‭ ‬بما‭ ‬يمكنهما‭ ‬من‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬أعتى‭ ‬التقلبات‭.‬

من‭ ‬حيث‭ ‬الأضرار‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬فإن‭ ‬العراق‭ ‬هو‭ ‬الخاسر‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الكويتي‭ ‬الشقيق‭ ‬شرد‭ ‬من‭ ‬وطنه‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخسائر‭ ‬المادية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بالدولة‭ ‬الشقيقة،‭ ‬سواء‭ ‬نتيجة‭ ‬عملية‭ ‬الغزو‭ ‬أو‭ ‬أثناء‭ ‬حرب‭ ‬التحرير،‭ ‬وكذلك‭ ‬الضحايا‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬أثناء‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الخسائر‭ ‬لا‭ ‬تذكر‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قورنت‭ ‬بتلك‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬فيها‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬بالنسبة‭ ‬لشعب‭ ‬العراق‭ ‬والوطن‭ ‬العراقي‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يواصل‭ ‬دفعها‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭.‬

فتداعيات‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬مع‭ ‬إنجاز‭ ‬تحرير‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة،‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التداعيات‭ ‬استمرت‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭ ‬نسبيا،‭ ‬فإنها‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬وشعبه،‭ ‬فالغزو‭ ‬قدم‭ ‬هدية‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬بثمن‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬تربصوا‭ ‬بالعراق‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يبني‭ ‬فيها‭ ‬دولة‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬نواحي،‭ ‬فجاء‭ ‬الغزو‭ ‬ليضع‭ ‬اللبنة‭ ‬الأولى‭ ‬لتنفيذ‭ ‬مخطط‭ ‬تدمير‭ ‬العراق‭ ‬وتحجيمه،‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬الذي‭ ‬تواصل‭ ‬بعد‭ ‬عملية‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت،‭ ‬فتحت‭ ‬عناوين‭ ‬مختلفة‭ ‬تصدرتها‭ ‬‮«‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬العراقية‮»‬،‭ ‬جرى‭ ‬تنفيذ‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ابشع‭ ‬واقسى‭ ‬عملية‭ ‬حصار‭ ‬شامل‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬شل‭ ‬جميع‭ ‬القدرات‭ ‬العراقية‭ ‬وأعادت‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬

فالنظام‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬نفذ‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬له‭ ‬وجود،‭ ‬وقائده،‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬اعتقل‭ ‬وحوكم‭ ‬وأعدم‭ ‬بطريقة‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬المهزلة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬بقيت‭ ‬تطارد‭ ‬العراق‭ ‬وأبناءه،‭ ‬حيث‭ ‬فتحت‭ ‬جريمة‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬جميع‭ ‬أبواب‭ ‬تدمير‭ ‬البلد‭ ‬على‭ ‬مصاريعها،‭ ‬فلم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬نهب‭ ‬مقدرات‭ ‬البلد‭ ‬وثرواته‭ ‬الطبيعية‭ ‬وأرثه‭ ‬التاريخي‭ ‬والحضاري،‭ ‬وإنما‭ ‬حولت‭ ‬البلد‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬ساحات‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬مكنت‭ ‬جريمة‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬شاسعة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انهارت‭ ‬قواته‭ ‬وأجهزته‭ ‬الأمنية‭ ‬بفعل‭ ‬قرارات‭ ‬حاكم‭ ‬العراق‭ ‬الأمريكي‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭.‬

كان‭ ‬هدف‭ ‬تدمير‭ ‬العراق‭ ‬وشل‭ ‬قدراته‭ ‬ودوره‭ ‬القومي‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬أولويات‭ ‬مراكز‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحليفها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تعاظم‭ ‬قدراته‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بناه‭ ‬العراق‭ ‬انهار‭ ‬بجرة‭ ‬قلم‭ ‬بعد‭ ‬الحماقة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬بغزو‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬والذي‭ ‬وجدت‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فرصتها‭ ‬الذهبية‭ ‬لوضع‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬مصيدة‭ ‬التدمير‭ ‬التدريجي‭ ‬المدروس‭ ‬والذي‭ ‬انتهى‭ ‬بغزوه‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬عندما‭ ‬دخل‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬التدمير‭ ‬والتشطير‭ ‬العمودي‭ ‬للمجتمع،‭ ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬التداعيات‭ ‬المدمرة‭ ‬لجريمة‭ ‬غزو‭ ‬الكويت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬السابق،‭ ‬فالكويت‭ ‬عادت‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬الغزو‭ ‬وأفضل،‭ ‬أما‭ ‬العراق‭ ‬فلا‭ ‬يزال‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬تلك‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لشعبه‭ ‬دور‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬مسئولية‭.‬

 

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//