العدد : ١٦٣٢٢ - الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٢ - الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الاستفتاء لم يضع نقطة النهاية

ربما‭ ‬يكون‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬التونسي‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬قد‭ ‬أغلق‭ ‬صفحة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الأوضاع‭ ‬غير‭ ‬المستقرة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬تونس‭ ‬منذ‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬الرئيس‭ ‬التونسي‭ ‬الراحل‭ ‬زين‭ ‬العابدين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إغلاق‭ ‬ملف‭ ‬التوترات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تفارق‭ ‬الساحة‭ ‬التونسية‭ ‬من‭ ‬انتصار‭ ‬ثورتها،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬ذلك‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬حلم‭ ‬به‭ ‬المناهضون‭ ‬لحكم‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬أو‭ ‬كانوا‭ ‬يتمنون،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬خرجت‭ ‬أصوات‭ ‬تتحسر‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬وتحن‭ ‬إليه،‭ ‬نتيجة‭ ‬لما‭ ‬تسببت‭ ‬فيه‭ ‬المشاحنات‭ ‬والمشاغبات‭ ‬والصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والخضات‭ ‬الأمنية‭ ‬من‭ ‬مصاعب‭ ‬ومتاعب‭ ‬للشعب‭ ‬التونسي‭ ‬انعكست‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬وضعه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمعيشي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭.‬

القول‭ ‬بأن‭ ‬حيازة‭ ‬الدستور‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬النسبة‭ ‬العالية‭ ‬من‭ ‬التصويت‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬الــ92‭%‬،‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬أو‭ ‬تجلب‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬المنشود،‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬تنقصه‭ ‬الدقة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬أخذت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬التصويت‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يحق‭ ‬لهم‭ ‬ذلك،‭ ‬فنسبة‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬تجاوزت‭ ‬الـــ‭ ‬27‭ ‬بالمائة،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬قليلة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تسعة‭ ‬ملايين‭ ‬تونسي‭ ‬يتمتعون‭ ‬بهذا‭ ‬الحق،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الذين‭ ‬قاطعوا‭ ‬أو‭ ‬امتنعوا‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يشاركوا‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬كان،‭ ‬هي‭ ‬نسبة‭ ‬عالية‭ ‬تجاوزت‭ ‬الثلثين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يبقي‭ ‬باب‭ ‬الصراع‭ ‬مفتوحا‭ ‬بين‭ ‬فريق‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬والفريق‭ ‬المعارض‭.‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬اعتماد‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬للتصويت،‭ ‬فإن‭ ‬الدستور‭ ‬الجديد‭ ‬سيتم‭ ‬اعتماده،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬المرسوم‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬الرئيس‭ ‬سعيد‭ ‬المنظم‭ ‬لهذا‭ ‬الاستفتاء‭ ‬لا‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬مطلوب‭ ‬لنسبة‭ ‬المشاركة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اعتماد‭ ‬نتائج‭ ‬الاستفتاء،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬سوف‭ ‬يشكل‭ ‬منعطفا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬التونسية‭ ‬وسيدخل‭ ‬فرقاء‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المناكفات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬بل‭ ‬تصاعدت‭ ‬بعد‭ ‬الإجراءات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬أقدم‭ ‬عليها‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يوليو‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬شملت‭ ‬إقالة‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬وتجميد‭ ‬أعمال‭ ‬البرلمان‭ ‬قبل‭ ‬حله‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬الماضي‭. ‬

ما‭ ‬يأخذه‭ ‬معارضو‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الرئيس،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الإجراءات‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬تركيز‭ ‬جميع‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬يده،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬مشروع‭ ‬الدستور‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬التصويت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬ليزيد‭ ‬الطين‭ ‬بله‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاتهامات‭ ‬والشكوك‭ ‬حول‭ ‬النوايا‭ ‬الحقيقية‭ ‬للرئيس،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الدستور،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬مدير‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬‮«‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للحقوقيين‮»‬‭ ‬سعيد‭ ‬بنعربية‭ ‬إن‭ ‬الدستور‭ ‬الجديد‭ ‬‮«‬يمنح‭ ‬تقريباً‭ ‬كل‭ ‬السلطات‭ ‬للرئيس‭ ‬ويحذف‭ ‬كل‭ ‬الأنظمة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تراقبه‮»‬‭.‬

من‭ ‬الطبيعي‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لم‭ ‬توقف‭ ‬فيه‭ ‬المناكفات‭ ‬والصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬بعد‭ ‬التحول‭ ‬النوعي‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتعرض‭ ‬لحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬لأسباب‭ ‬مختلفة،‭ ‬بعضها‭ ‬يعود،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معظمها،‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬التونسية‭ ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬منها‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬النهضة‮»‬‭ ‬الإسلامية،‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬ركزت‭ ‬اهتمامها‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭ ‬الحزبية‭ ‬الضيقة‭ ‬ونست،‭ ‬أو‭ ‬تغافلت‭ ‬وتجاهلت‭ ‬الهدف‭ ‬الأهم‭ ‬والأكبر،‭ ‬وهو‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬الجديدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬الجميع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬لانتماءاتها‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية‭ ‬والعقدية‭.‬

فتونس،‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الوحيدة‭ ‬تقريبا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إراقة‭ ‬الدماء‭ ‬الغزيرة‭ ‬وتدمير‭ ‬البشر‭ ‬والحجر،‭ ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وبصورة‭ ‬أقل‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ولكن‭ ‬رغم‭ ‬هذه‭ ‬الميزة،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬بدونه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬تطوير‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬فأبواب‭ ‬المناكفات‭ ‬والصدامات‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مشرعة‭ ‬وهي‭ ‬تتسع‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬آخر،‭ ‬وليس‭ ‬مبالغة‭ ‬القول،‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬الجديد‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الاستفتاء‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬ونسبة‭ ‬المقاطعة‭ ‬العالية،‭ ‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬النوافذ‭ ‬الواسعة‭ ‬لدخول‭ ‬الرياح‭ ‬السياسية‭ ‬العاتية‭.‬

فالبلاد‭ ‬وبعد‭ ‬مضي‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬السياسية‭ ‬الجديدة،‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬أي‭ ‬جديد،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬البلاد‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬أزمات‭ ‬سياسية‭ ‬متتالية‭ ‬والشقاق‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬التونسية‭ ‬آخذ‭ ‬في‭ ‬الاتساع،‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الطلاق‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة،‭ ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬التذكير‭ ‬فقط،‭ ‬بأن‭ ‬القضاء‭ ‬التونسي‭ ‬ينظر‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة،‭ ‬وهي‭ ‬اتهام‭ ‬رئيس‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬النهضة‮»‬‭ ‬الإسلامية‭ ‬بالضلوع‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬توصف‭ ‬بالإرهاب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬مستقبلي‭ ‬كبير‭ ‬وخطير‭ ‬أيضا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//