العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عندما يتعلق الأمر بالمبدأ والأخلاق

كتبت‭ ‬ربما‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الشاب‭ ‬البريطاني‭ ‬كريستوفر‭ ‬روتشستر‭ ‬الذي‭ ‬سقط‭ ‬من‭ ‬شرفة‭ ‬فندق‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬يونانية،‭ ‬عندما‭ ‬فقد‭ ‬توازنه،‭ ‬وكان‭ ‬شقيقه‭ ‬معه‭ ‬ساعة‭ ‬وقوع‭ ‬الحادث‭ ‬وقام‭ ‬بنقله‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وهناك‭ ‬وضع‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطباء‭ ‬كرستوفر‭ ‬على‭ ‬نقالة‭ ‬و‭(‬ركنوه‭) ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الممرات‭ ‬قرابة‭ ‬أربع‭ ‬ساعات‭ ‬حتى‭ ‬أسلم‭ ‬الروح،‭ ‬وطوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬ظلت‭ ‬بام‭ ‬كمنغز‭ ‬والدة‭ ‬كرستوفر‭ ‬تسافر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬وطنها‭ ‬بريطانيا‭ ‬واليونان‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬رفعت‭ ‬دعوى‭ ‬القتل‭ ‬غير‭ ‬العمد‭ ‬على‭ ‬الأطباء‭ ‬الثلاثة،‭ ‬وأدانت‭ ‬المحكمة‭ ‬الابتدائية‭ ‬ثلاثتهم‭ ‬ولكن‭ ‬محكمة‭ ‬الاستئناف‭ ‬برأتهم،‭ ‬ولم‭ ‬تيأس‭ ‬الأم‭ ‬المكلومة‭ ‬ولجأت‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬حكمها‭ ‬بالإدانة‭ ‬القاطعة‭ ‬بالتسبب‭ ‬في‭ ‬موت‭ ‬كريستوفر،‭ ‬بإهمال‭ ‬حالته،‭ ‬وقضت‭ ‬بسجنهم،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬حرمهم‭ ‬المجلس‭ ‬الطبي‭ ‬اليوناني‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬مهنة‭ ‬الطب‭.‬

والخطأ‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المهن،‭ ‬فالمحامي‭ ‬قد‭ ‬يودي‭ ‬موكّله‭ ‬في‭ ‬داهية‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يدرس‭ ‬القضية‭ ‬جيدا،‭ ‬وحتى‭ ‬القضاة‭ ‬قد‭ ‬يصدرون‭ ‬أحكاما‭ ‬خطأً،‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬تدرج‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬القضائي،‭ ‬ومن‭ ‬حق‭ ‬طرفي‭ ‬أي‭ ‬قضية‭ ‬تصعيدها‭ ‬بعد‭ ‬صدور‭ ‬الأحكام‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الابتدائية‭ ‬إلى‭ ‬محكمة‭ ‬الاستئناف‭ ‬العليا،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تقول‭ ‬صراحة‭ ‬إن‭ ‬قاضي‭ ‬محكمة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬خطأ‭ ‬عندما‭ ‬قضى‭ ‬بعقوبةٍ‭ ‬أو‭ ‬براءة،‭ ‬والأطباء‭ ‬العرب‭ ‬غير‭ ‬منزهين‭ ‬عن‭ ‬الخطأ،‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬أو‭ ‬اقرأ‭ ‬عن‭ ‬طبيب‭ ‬عربي‭ ‬تم‭ ‬تجريده‭ ‬من‭ ‬رخصة‭ ‬ممارسة‭ ‬الطب‭ ‬بسبب‭ ‬خطأ‭ ‬ارتكبه،‭ ‬يعني‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬إنصاف‭ ‬ضحية‭ ‬الخطأ‭ ‬الطبي‭ ‬في‭ ‬بلداننا،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يكون‭ ‬بفرض‭ ‬غرامة‭ ‬على‭ ‬المخطئ‭ (‬قد‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬الطبيب‭ ‬او‭ ‬المستشفى‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭)‬،‭ ‬ومازلت‭ ‬أذكر‭ ‬حالة‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬السودانية‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬عنها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصحف،‭ ‬عندما‭ ‬دخلت‭ ‬المستشفى‭ ‬للولادة‭ ‬بعملية‭ ‬قيصرية،‭ ‬وفوجئت‭ ‬بعد‭ ‬خروجها‭ ‬بأنهم‭ ‬استأصلوا‭ ‬رحمها‭ ‬بلا‭ ‬مبرر‭ (‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬جراحي‭) ‬وبدون‭ ‬الاستئذان‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬زوجها،‭ ‬وبعد‭ ‬جرجرة‭ ‬في‭ ‬المحاكم،‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬اعترف‭ ‬فيها‭ ‬الجراح‭ ‬نفسه‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬مبرر‭ ‬لاستئصال‭ ‬الرحم،‭ ‬نالت‭ ‬تلك‭ ‬الزولة‭ ‬تعويضا‭ ‬قدره‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬دولار‭ (‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬نظير‭ ‬حرمانها‭ ‬من‭ ‬الأمومة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭).‬

في‭ ‬بريطانيا‭ ‬أصدرت‭ ‬السلطات‭ ‬التعليمية‭ ‬قرارا‭ ‬بحرمان‭ ‬مدير‭ ‬مدرسة‭ ‬من‭ ‬التدريس‭ ‬والعمل‭ ‬الإداري‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعليم‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭. ‬هل‭ ‬اعتدى‭ ‬على‭ ‬طالب‭ ‬باليد‭ ‬أو‭ ‬اللسان؟‭ ‬لا‭!! ‬هل‭ ‬صدر‭ ‬عنه‭ ‬سلوك‭ ‬غير‭ ‬لائق‭ ‬تجاه‭ ‬طالب‭ ‬أو‭ ‬طالبة؟‭ ‬لا‭!! ‬هل‭ ‬أثبت‭ ‬فشله‭ ‬كمدير‭ ‬مدرسة؟‭ ‬بالعكس‭ ‬كان‭ ‬مديرا‭ ‬ناجحا‭ ‬ومدرسته‭ ‬تحرز‭ ‬نتائج‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬بريطانيا‭ ‬كلها،‭ ‬طيب‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الجرم‭ ‬الذي‭ ‬ارتكبه‭ ‬ليفقد‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬مهنته‭ ‬التي‭ ‬أمضى‭ ‬فيها‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة؟‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬سيارته‭ ‬بسرعة‭ ‬جنونية‭ ‬وصدم‭ ‬مواطنا‭ ‬وأصابه‭ ‬بالشلل‭ ‬الرباعي‭.‬

في‭ ‬بلداننا‭ ‬هذا‭ ‬حادث‭ ‬مروري‭ ‬‮«‬والسلام‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬كان‭ ‬الحادث‭ ‬المروري‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يستهتر‭ ‬بحياة‭ ‬الآخرين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يؤتمن‭ ‬على‭ ‬تنشئة‭ ‬الصغار‭. ‬ولهذا‭ ‬جاءت‭ ‬مقولة‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬مسلمون‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬إسلام،‭ ‬وفي‭ ‬بلداننا‭ ‬يوجد‭ ‬الإسلام‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬مسلمون‭ (‬بمعنى‭ ‬من‭ ‬يعملون‭ ‬بهدي‭ ‬وروح‭ ‬الإسلام‭ ‬وما‭ ‬يقتضيه‭ ‬من‭ ‬إنصاف‭ ‬المظلوم‭ ‬وإنزال‭ ‬العقوبة‭ ‬على‭ ‬المخطئ‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬فاطمة‭ ‬بنت‭ ‬أشرف‭ ‬الخلق‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلوات‭ ‬والتسليم‭).‬

أعود‭ ‬إلى‭ ‬حكاية‭ ‬بام‭ ‬كمنغز‭ ‬والدة‭ ‬الشاب‭ ‬كريستوفر‭ ‬الذي‭ ‬مات‭ ‬نتيجة‭ ‬للإهمال‭ ‬الطبي‭ ‬في‭ ‬اليونان،‭ ‬فقد‭ ‬كسبت‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬الابتدائية‭ ‬ضد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطباء،‭ ‬ولكن‭ ‬محكمة‭ ‬الاستئناف‭ ‬ألغت‭ ‬ذلك‭ ‬الحكم،‭ ‬ولكن‭ ‬بام‭ ‬لم‭ ‬تستسلم‭ ‬ولجأت‭ ‬الى‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬ونالت‭ ‬حكما‭ ‬بإدانة‭ ‬الأطباء،‭ ‬وفي‭ ‬سبيل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬سافرت‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬وطنها‭ ‬بريطانيا‭ ‬واليونان‭ ‬24‭ ‬مرة‭ ‬خلال‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬ثم‭ ‬رفعت‭ ‬قضية‭ ‬مدنية‭ ‬نالت‭ ‬بموجبها‭ ‬تعويضا‭ ‬بمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬تبرعت‭ ‬بها‭ ‬كلها‭ ‬لجمعية‭ ‬خيرية‭ ‬يونانية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬أمر‭ ‬مبدأ‭ ‬وأخلاق،‭ ‬وكما‭ ‬قالت‭: ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يروح‭ ‬شاب‭ ‬آخر‭ ‬نتيجة‭ ‬الإهمال‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬لكريستوفر‭... ‬أمر‭ ‬مبدأ‭ ‬وأخلاق،‭ ‬وليس‭ ‬ثأرا‭ ‬أو‭ ‬انتقاما‭ ‬أو‭ ‬طلبا‭ ‬للمال‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news