العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

رواج حبوب منع الحمل الفكري

كانت‭ ‬أجمل‭ ‬هدية‭ ‬تلقيتها‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬ميلادي‭ ‬الأخير‭ (‬الكم؟‭ ‬مش‭ ‬شغلك‭)‬،‭ ‬مجموعة‭ ‬كتب‭ ‬مستوردة‭ ‬وآخر‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬كيندل‭ ‬وهو‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬اللوحي‭ ‬الخاص‭ ‬بشركة‭ ‬أمازون‭ ‬والذي‭ ‬يحوي‭ ‬مئات‭ ‬الكتب‭ ‬ويمكِّنك‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الرقيب‭ ‬وقراءتها‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬تستطيع‭ ‬ضبط‭ ‬الإضاءة‭ ‬وحجم‭ ‬الحروف‭ ‬فيها،‭ ‬ورغم‭ ‬تدهور‭ ‬العلاقات‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬أمريكا‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬اتسلل‭ ‬بانتظام‭ ‬الى‭ ‬موقع‭ ‬جريدة‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز‭ ‬لأحصل‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬أفضل‭ ‬الكتب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التوزيع‭ ‬وإشادة‭ ‬النقاد‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬تصيبني‭ ‬الصحف‭ ‬البريطانية‭ ‬والأمريكية‭ ‬بالقرف‭ ‬والإحباط،‭ ‬لا‭ ‬لسبب‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬جردة‭ ‬كاملة‭ ‬لمنجزات‭ ‬ثقافية‭ ‬وحضارية‭ ‬وفكرية‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬تنقضي،‭ ‬وبما‭ ‬أنني‭ ‬ثور‭ ‬في‭ ‬برسيم‭ (‬جت‭) ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالابتكارات‭ ‬والاختراعات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬عموما،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬فيها‭ ‬وعنها‭ ‬كثير‭ ‬شيء،‭ ‬فإنني‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬التقارير‭ ‬الصحفية‭ ‬المتصلة‭ ‬بعالم‭ ‬الكتب‭ ‬والمؤلفات،‭ ‬وذلك‭ ‬لسببين‭: ‬أولهما‭ ‬لأنني‭ ‬نشأت‭ (‬لا‭ ‬أقول‭ ‬أبدا‭ ‬إنني‭ ‬‮«‬ترعرعت‮»‬،‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬ولأنني‭ ‬لا‭ ‬اعتقد‭ ‬أنني‭ ‬شهدت‭ ‬وخبِرت‭ ‬الترعرع‭ ‬أيّاً‭ ‬كان‭) ‬المهم‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬مناخات‭ ‬فيها‭ ‬أوصياء‭ ‬عليَّ‭ ‬لا‭ ‬يسمحون‭ ‬لي‭ ‬باقتناء‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكتب،‭ ‬لأنهم‭ ‬حريصون‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬عذريتنا‭ ‬الفكرية،‭ ‬والإبقاء‭ ‬على‭ ‬أدمغتنا‭ ‬‮«‬خامة‮»‬،‭ ‬وثانيهما،‭ ‬مجاراة‭ ‬لتقليد‭ ‬ثقافي‭ ‬عربي‭ ‬يقتضي‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬بمعرفة‭ ‬أسماء‭ ‬الكتب‭ ‬المشهورة‭ ‬ومؤلفيها،‭ ‬للإشارة‭ ‬إليها‭ ‬أثناء‭ ‬الحديث،‭ ‬بما‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬المتحدث‭ ‬هالة‭ ‬تشي‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬مثقف‭ ‬خطير‮»‬‭.‬

أقول‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬زيارة‭ ‬لي‭ ‬إلى‭ ‬مكتبة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬لأنني‭ ‬لست‭ ‬طالباً‭ ‬جامعياً،‭ ‬ولست‭ ‬بالتالي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬لي‭ ‬أو‭ ‬يبيعني‭ ‬بحثاً‭ ‬أحصل‭ ‬بموجبه‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬‮«‬ممتاز‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تقدير‭ ‬‮«‬حمار‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أستحقه‭! ‬ولكنني‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أجزم‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المكتبات‭ ‬تستقبل‭ ‬سنوياً‭ ‬نحو‭ ‬مائتي‭ ‬كتاب‭ ‬جديد،‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الأناقة‭ ‬والبهاء‭ ‬ولكن‭ ‬معظمها‭ ‬يضر‭ ‬بالصحة‭ ‬العقلية‭ ‬والجسدية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تم‭ ‬استخدامها‭ ‬كورق‭ ‬تواليت،‭ ‬فسبب‭ ‬تفشي‭ ‬فيروس‭ ‬خبيث‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انحطاط‭ ‬فكري‭ ‬ومعرفي،‭ ‬فإن‭ ‬كثيرين‭ ‬ممن‭ ‬يفكّون‭ ‬الخط‭ ‬يتحولون‭ ‬إلى‭ ‬شعراء،‭ ‬وكُتّاب‭ ‬قصص،‭ ‬مواضيعها‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬‮«‬فوق‭ ‬الرُّكبة‮»‬‭.‬

وأعرف‭ ‬شاعراً‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تستحي‭ ‬أن‭ ‬تصفعه‮»‬،‭ ‬أعلن‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬أنه‭ ‬بصدد‭ ‬إصدار‭ ‬ديوان،‭ ‬ثم‭ ‬اعتكف‭ ‬يومين‭ ‬كاملين‭ ‬يؤلف‭ ‬قصائد‭ ‬الديوان‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬النور‭ ‬بعدها‭ ‬بنحو‭ ‬6‭ ‬أيام،‭ ‬وأعطاني‭ ‬منه‭ ‬20‭ ‬نسخة‭ ‬كي‭ ‬أوزعها‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬أشاء،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬أعدائي‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬الـ‭ ‬20،‭ ‬فقط‭ ‬تخلصت‭ ‬من‭ ‬19‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬ديوانه‭ ‬فور‭ ‬أن‭ ‬أعطاني‭ ‬‮«‬عرض‭ ‬أكتافه‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بان‭ ‬زرت‭ ‬مكتبة‭ ‬تبيع‭ ‬مواد‭ ‬القرطاسية‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬غير‭ ‬الصالحة‭ ‬للقراءة،‭ ‬وتركت‭ ‬الـ19‭ ‬كتابا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أرففها،‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬عديمة‭ ‬خلق‭ ‬وعقل‭ ‬ودين‭ ‬بالتخلص‭ ‬من‭ ‬جنين‭ ‬لها‭ ‬ولد‭ ‬سفاحا،‭ ‬وقلّبت‭ ‬النسخة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬احتفظت‭ ‬بها،‭ ‬وأحسست‭ ‬بحزن‭ ‬شديد،‭ ‬على‭ ‬الوريقات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تلويثها‭ ‬بكلام‭ ‬بايخ‭ ‬وسخيف،‭ ‬ثم‭ ‬اصطحبت‭ ‬تلك‭ ‬النسخة‭ ‬اليتيمة‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬بسيارتي،‭ ‬وانتهى‭ ‬بي‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬المقابر‭ ‬حيث‭ ‬واريتها‭ ‬الثرى‭ ‬لأن‭ ‬إكرام‭ ‬الميت‭ ‬‮«‬دفنه‮»‬،‭ ‬وبعد‭ ‬أشهر‭ ‬سألني‭ ‬عن‭ ‬رأيي‭ ‬في‭ ‬الديوان‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ (‬وليسامحني‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الكذب‭) ‬إن‭ ‬أصدقائي‭ ‬استولوا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬النسخ،‭ ‬فأبدى‭ ‬أسفه‭ ‬لأن‭ ‬الديوان‭ ‬‮«‬نفد‮»‬‭ ‬من‭ ‬المكتبات‭ ‬ولم‭ ‬تبق‭ ‬معه‭ ‬سوى‭ ‬نسخة‭ ‬يتيمة‭ ‬لـ«الذكرى‭!!‬‮»‬‭.‬

وبالمقابل‭ ‬فإن‭ ‬الشعراء‭ ‬والقصاصين‭ ‬‮«‬الحقيقيين‮»‬‭ ‬يقتطعون‭ ‬من‭ ‬أقوات‭ ‬عيالهم‭ ‬لطباعة‭ ‬نسخ‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬أعمالهم،‭ ‬لتوزيعها‭ ‬على‭ ‬الذوّاَقة،‭ ‬لعلمهم‭ ‬أن‭ ‬صورهم‭ ‬الموضوعة‭ ‬على‭ ‬الأغلفة‭ ‬‮«‬تخرّع‮»‬،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بهم‭ ‬وضع‭ ‬صور‭ ‬العجرمية‭ ‬وأخواتها‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الأغلفة‭ ‬لضمان‭ ‬رواج‭ ‬مؤلفاتهم‭. ‬هل‭ ‬رحم‭ ‬حواء‭ ‬العربية‭ ‬عقيم؟‭ ‬حاشا،‭ ‬ولكن‭ ‬أبناءها‭ ‬وبناتها‭ ‬ذوي‭ ‬الخصوبة‭ ‬يتعاطون‭ ‬حبوب‭ ‬منع‭ ‬الحمل‭ ‬الفكري‭ ‬طلباً‭ ‬للسلامة‭ ‬وخوف‭ ‬الندامة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إدراكهم‭ ‬للأعراض‭ ‬الجانبية‭ ‬لتلك‭ ‬الحبوب‭ ‬وأخفّها‭ ‬الهلوسة‭ ‬والهذيان،‭ ‬فالرؤوس‭ ‬تمور‭ ‬بالأفكار‭ ‬التي‭ ‬تصبو‭ ‬إلى‭ ‬التلاقح‭ ‬والتناسل،‭ ‬فتؤدي‭ ‬محاولة‭ ‬إسكاتها‭ ‬بالعقاقير‭ ‬إلى‭ ‬بلبلة‭ ‬وتشويش‭ ‬دماغي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news