العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

الطبيعة والعمل السياسي.. أي علاقة (1)

بقلم: خالد فياض {

الخميس ٢٣ يونيو ٢٠٢٢ - 02:00

منذ‭ ‬فترة‭ ‬ليست‭ ‬بالقصيرة‭ ‬دعيت‭ ‬لإلقاء‭ ‬محاضرة‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬تعليمية‭ ‬عربية،‭ ‬وسألني‭ ‬أحد‭ ‬الحضور‭ ‬لماذا‭ ‬يتسم‭ ‬شعب‭ ‬دولتنا‭ ‬بالهدوء‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاتهم‭ - ‬لفظاً‭ - ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬رغم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬كتابياً‭ ‬وبتمكن‭ ‬يتميزون‭ ‬به،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬مجاورة‭ ‬تتسم‭ ‬بعكس‭ ‬تلك‭ ‬الصفات‭ ‬فنجد‭ ‬أبناءها‭ ‬يبدعون‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الخطابي‭ ‬ويستخدمون‭ ‬مهارات‭ ‬اقناعية‭ ‬في‭ ‬اثبات‭ ‬حجتهم‭ ‬بشكل‭ ‬يجعل‭ ‬الآخرين‭ ‬يقتنعون‭ ‬بقولهم‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬بدا‭ ‬احيانا‭ ‬غير‭ ‬منطقي‭.‬

ورغم‭ ‬حساسية‭ ‬السؤال‭ ‬وبالتالي‭ ‬حساسية‭ ‬إجابته‭ ‬فقد‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬لدي‭ ‬مسئولية‭ ‬اخلاقية‭ ‬في‭ ‬الاجتهاد‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬اجابة،‭ ‬وكانت‭ ‬اجابتي‭ ‬هي‭ ‬الطبيعة،‭ ‬وهنا‭ ‬اندهش‭ ‬الحضور‭... ‬أي‭ ‬طبيعة‭ ‬يقصد؟‭ ‬وبدت‭ ‬على‭ ‬ملامح‭ ‬الحضور‭ ‬همهمات‭ ‬من‭ ‬نوع،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديك‭ ‬الاجابة‭ ‬فلا‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تراوغ‭ ‬وقل‭ ‬لا‭ ‬أعرف،‭ ‬بل‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬ظهر‭ ‬على‭ ‬ملامحه‭ ‬الامتعاض‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬واجابته‭ ‬باعتبار‭ ‬ان‭ ‬السائل‭ ‬افترض‭ ‬افتراضا‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬اصلا‭ ‬فنحن‭ ‬متميزون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وأي‭ ‬شيء‭ - ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬فئة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬ذاتهم‭ ‬احياناً‭ - ‬ويعتقدون‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬تشويه‭ ‬للصورة‭ ‬الذهنية‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭. ‬ولكني‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أكمل‭ ‬اجابتي‭ ‬التي‭ ‬سأعرضها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬المقالة‭ ‬ولكن‭ ‬بتفصيل‭ ‬أكثر،‭ ‬مؤمناً‭ ‬كل‭ ‬الإيمان‭ ‬أن‭ ‬التحليل‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬انساني،‭ ‬بعضه‭ ‬طيب‭ ‬وبعضه‭ ‬خبيث،‭ ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬الخبيث‭ ‬من‭ ‬الطيب‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬نعلن‭ ‬عنه‭ ‬ونظهره،‭ ‬ويراه‭ ‬الناس‭ ‬فيتناقشون‭ ‬حوله‭ ‬ويقررون‭ ‬ما‭ ‬يقررون‭ ‬بشأنه،‭ ‬فيتقبلون‭ ‬الطيب‭ ‬ويطورونه‭ ‬ويلفظون‭ ‬الخبيث‭ ‬ويستبعدونه‭.‬

لقد‭ ‬اهتم‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬وجوده‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الارض‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬الملائمة‭ ‬لسكنه‭ ‬والتي‭ ‬تتوفر‭ ‬فيها‭ ‬المقومات‭ ‬الحياتية‭ ‬المناسبة‭ ‬لاستمرار‭ ‬بقائه‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬حياً‭ ‬يرزق،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬توجد‭ ‬هذه‭ ‬المقومات‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تطويع‭ ‬الطبيعة‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬تطويع‭ ‬نفسه‭ ‬لتلك‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ليتلاءم‭ ‬معها‭ ‬وتتلاءم‭ ‬معه،‭ ‬وقد‭ ‬نشأ‭  ‬علم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬سمي‭ ‬بعلم‭ ‬الطبوغرافيا،‭ ‬والذي‭ ‬يعرف‭ ‬بأنه‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬يهتم‭ ‬بدراسة‭ ‬تضاريس‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬ما،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البحيرات‭ ‬والأنهار‭ ‬الرئيسية‭ ‬والجبال‭ ‬والوديان‭ ‬وخطوط‭ ‬العرض‭ ‬والطول،‭ ‬ويستخدم‭ ‬المصطلح‭ ‬أيضًا‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الدراسة‭ ‬الشاملة‭ ‬لسطح‭ ‬الأرض‭ ‬والقمر‭ ‬والكويكبات‭ ‬والنيازك‭ ‬والكواكب‭ ‬الأخرى،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬مصطلح‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬السمات‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬معينة‭ ‬مثل‭ ‬الأنهار‭ ‬والسدود‭ ‬والبحيرات‭ ‬والطرق‭ ‬والمحيطات‭ ‬والوديان‭ ‬والمدن‭ ‬والتلال‭.‬

وقد‭ ‬سلمت‭ ‬كافة‭ ‬المدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬بتأثير‭ ‬الاطار‭ ‬الطبيعي‭ (‬الطبوغرافي‭)‬،‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬السياسية‭ ‬للشعوب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬سلوكهم‭ ‬السياسي‭ ‬وحركتهم‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الداخلي‭ ‬والخارجي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نقطة‭ ‬الخلاف‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬لمدى‭ ‬تأثير‭ ‬الطبوغرافيا‭ ‬على‭ ‬السياسة،‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬يجنح‭ ‬دعاة‭ ‬الفكر‭ ‬المحافظ‭ ‬إلى‭ ‬تضخيم‭ ‬هذا‭ ‬التأثير،‭ ‬يميل‭ ‬أنصار‭ ‬الفكر‭ ‬الراديكالي‭ ‬إلى‭ ‬التهوين‭ ‬من‭ ‬شأنه،‭ ‬وأياً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الأمر،‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يختلف‭ ‬دارسو‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬المحيط‭ ‬الجغرافي‭ ‬أحد‭ ‬المتغيرات‭ ‬البيئية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬السياسية‭ ‬للشعوب،‭ ‬ولكن‭ ‬بعضهم‭ ‬استخدم‭ ‬تفسيرات‭ ‬خاصة‭ ‬أراد‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬فرض‭ ‬رؤية‭ ‬عنصرية‭ ‬تتعلق‭ ‬بمستوى‭ ‬شعوب‭ ‬معينة‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى،‭ ‬فنجد‭ ‬شخصاً‭ ‬مثل‭ ‬مونتسكيو‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الفرنسي‭ ‬الذي‭ ‬ذاع‭ ‬صيته‭ ‬بكتابه‭ ‬الأشهر‭ ‬روح‭ ‬القوانين‭ ‬والتي‭ ‬تحدث‭ ‬فيه‭ - ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تحدث‭ - ‬عن‭ ‬نظرية‭ ‬المناخ‭ ‬الجوي،‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬إن‭ ‬المناخ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬تأثيرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الإنسان‭ ‬ومجتمعه‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬التأثيرات‭ ‬البيئية‭ ‬كحالة‭ ‬مادية‭ ‬للحياة،‭ ‬حيث‭  ‬أوعز‭ ‬مونتسكيو‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬الحديث‭ ‬بتأثير‭ ‬الظروف‭ ‬المادية،‭ ‬مثل‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتاحة،‭ ‬ونظم‭ ‬الإنتاج،‭ ‬والتقنيات،‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الثقافية‭ ‬المعقدة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أنه‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬سبب‭ ‬تفوق‭ ‬العنصر‭ ‬الأوروبي‭ ‬الأبيض‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬الأفريقية‭ ‬السمراء‭ ‬هو‭ ‬عنصر‭ ‬المناخ‭ ‬الحار،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الافارقة‭ ‬قوماً‭ ‬لا‭ ‬ينتجون‭ ‬ولا‭ ‬يبدعون،‭ ‬بل‭ ‬أنه‭ ‬وصل‭ ‬به‭ ‬الحال‭ ‬الى‭ ‬قول‭ ‬عبارات‭ ‬شهيرة‭ ‬عنهم‭  ‬احتوت‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العنصرية‭ ‬البغيضة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬طرح‭ ‬رؤيته‭ ‬تلك‭ ‬ليقدم‭ ‬تبريراً‭ ‬لسياسات‭ ‬الرق‭ ‬والعبودية‭ ‬التي‭ ‬مورست‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الرجل‭ ‬الأوروبي‭ ‬الأبيض‭ ‬ضد‭ ‬الأفارقة‭ ‬السود‭ ‬والحجة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المناخ‭ ‬الذي‭ ‬أورث‭ ‬هؤلاء‭ ‬العقل‭ ‬غير‭ ‬البشري،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬البارد‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬قوماً‭ ‬يبدعون‭ ‬ويتميزون‭ ‬بابتكاراتهم‭  ‬وهو‭ ‬تفسير‭ ‬عنصري‭ ‬اخر‭ ‬لمصلحة‭ ‬الرجل‭ ‬الأبيض‭ ‬وجزء‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬الاستعماري‭ ‬الغربي‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭ ‬أبداً،‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬الطبيعة‭ ‬أبداً‭ ‬عائقا‭ ‬أمام‭ ‬تقدم‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب،‭ ‬وما‭ ‬الحضارات‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعوب‭ ‬الافريقية‭ ‬إلا‭ ‬رداً‭ ‬حاسماً‭ ‬وكافياً‭ ‬على‭ ‬رؤى‭ ‬مفكر‭ ‬أُستخدم‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة‭ ‬ليكون‭ ‬سوطاً‭ ‬قاسياً‭ ‬للمستعمر‭ ‬الأوربي‭ ‬ضد‭ ‬أبناء‭ ‬القارة‭ ‬السمراء‭.‬

ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭ ‬أبداً‭ ‬عند‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬اهتموا‭ ‬بدارسة‭ ‬تأثير‭ ‬الطبوغرافيا‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬السياسية‭ ‬للشعوب‭. ‬ووضعه‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬الصحيح‭ ‬دون‭ ‬تأويل‭ ‬خاطئ‭ ‬أو‭ ‬تفسير‭ ‬منحرف،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سنتعرض‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬المقالة‭ ‬القادمة‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭. ‬

{‭ ‬خبير‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬

والاستشارات‭ - ‬دولة‭ ‬الإمارات‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news