العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الأستاذ سعيد الحمد.. رحيلك أوجعنا

خبر‭ ‬مؤسف،‭ ‬وشعور‭ ‬حزين،‭ ‬ورحيل‭ ‬موجع،‭ ‬وفراق‭ ‬مؤلم،‭ ‬وأمر‭ ‬صادم،‭ ‬ونبأ‭ ‬مفاجئ‭.. ‬تلك‭ ‬مشاعر‭ ‬إنسانية‭ ‬مضاعفة،‭ ‬انتابت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عرف‭ ‬وعمل،‭ ‬أو‭ ‬رافق‭ ‬وزامل،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬قرأ‭ ‬وسمع‭ ‬وشاهد‭ ‬الأستاذ‭ ‬والكاتب‭ ‬الصحفي‭ ‬‮«‬سعيد‭ ‬الحمد‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أمس‭ ‬الأول‭. ‬

شريط‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬والمواقف‭ ‬والحكايات،‭ ‬دار‭ ‬في‭ ‬مخيلتي،‭ ‬حينما‭ ‬وصلت‭ ‬إلي‭ ‬الرسالة‭ ‬الهاتفية‭ ‬الفاجعة،‭ ‬لتحمل‭ ‬معها‭ ‬خبر‭ ‬رحيل‭ ‬الأستاذ‭ ‬‮«‬سعيد‭ ‬الحمد‮»‬‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭.. ‬سارعت‭ ‬بالاتصال‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الزملاء‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الرسالة،‭ ‬التي‭ ‬تمنيتها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬إشاعة‭ ‬مغرضة‮»‬‭.. ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬تبين‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬حقيقة‭ ‬مؤلمة‮»‬‭.. ‬لقد‭ ‬رحل‭ ‬الأستاذ‭ ‬‮«‬سعيد‭ ‬الحمد‮»‬‭.‬

سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬عملت‭ ‬تحت‭ ‬رئاسته‭ ‬وإدارته،‭ ‬تعلمت‭ ‬منه‭ ‬الكثير،‭ ‬ولطالما‭ ‬كان‭ ‬يوصيني‭ ‬ويوجهني،‭ ‬وكان‭ ‬يوكل‭ ‬إلي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬الصحفية‭.. ‬أتاح‭ ‬لي‭ ‬الفرص‭ ‬الكثيرة‭ ‬حينما‭ ‬عملت‭ ‬تحت‭ ‬إشرافه‭. ‬وبفضل‭ ‬دعمه‭ ‬وعلاقاته‭ ‬أجريت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحوارات‭ ‬واللقاءات‭ ‬مع‭ ‬الشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬والوطنية‭ ‬والإعلامية‭.. ‬أسماء‭ ‬كبيرة‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أحلم‭ ‬أن‭ ‬ألتقيها‭ ‬وأجلس‭ ‬معها‭ ‬وأحاورها‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬لولا‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬أتاحها‭ ‬لي،‭ ‬ولولا‭ ‬إيمانه‭ ‬وثقته‭ ‬ودعمه‭ ‬لشاب‭ ‬بحريني‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬في‭ ‬بداياته‭.‬

كان‭ ‬حلمه‭ ‬أن‭ ‬أجري‭ ‬لقاءات‭ ‬صحفية‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الشخصيات‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬اعتيادية‭ ‬وغير‭ ‬تقليدية‭.. ‬كان‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأسئلة‭ ‬تغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬والأسئلة‭ ‬المعتادة‭.. ‬كان‭ ‬يقول‭: ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نخرج‭ ‬بحوار‭ ‬صحفي‭ ‬يستفيد‭ ‬منه‭ ‬القارئ،‭ ‬والشخص‭ ‬نفسه،‭ ‬والوطن‭ ‬كذلك‭.. ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬المألوفة،‭ ‬والحوارات‭ ‬المعروفة‭.. ‬وأن‭ ‬نوثق‭ ‬ذلك‭ ‬بالتسجيل‭ ‬الصوتي،‭ ‬مع‭ ‬عرض‭ ‬الحوار‭ ‬الصحفي‭ ‬برسومات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الفوتوغرافية‭.. ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬صباح‭ ‬الخير‮»‬‭ ‬المصرية‭.. ‬وقد‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حلمه‭ ‬الجميل‭.‬

ذات‭ ‬مرة،‭ ‬كتبت‭ ‬موضوعا‭ ‬حادّا‭ ‬وشديد‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬ما،‭ ‬وتلقيت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العتاب‭ ‬من‭ ‬شخصيات‭ ‬وجهات‭.. ‬ولكن‭ ‬الأستاذ‭ ‬‮«‬سعيد‭ ‬الحمد‮»‬‭ ‬وقف‭ ‬بجانبي،‭ ‬وتواصل‭ ‬مع‭ ‬الجميع،‭ ‬ورفض‭ ‬أن‭ ‬أتلقى‭ ‬أي‭ ‬جزاء،‭ ‬وقال‭: ‬‮«‬إن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬إجراء‭ ‬مع‭ ‬الكاتب،‭ ‬فأنا‭ ‬أتحمل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وأنا‭ ‬من‭ ‬وافق‭ ‬على‭ ‬النشر،‭ ‬وأتفق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬نشره،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬لصوت‭ ‬الشباب‭ ‬الوطني‭ ‬هنا،‭ ‬فهل‭ ‬نتركهم‭ ‬ليكتبوا‭ ‬في‭ ‬منابر‭ ‬ومواقع‭ ‬أخرى‭ ‬كي‭ ‬يستغل‭ ‬المغرضون‭ ‬الأمر،‭ ‬ويوقعوا‭ ‬شبابنا‭ ‬في‭ ‬شباكهم‭..‬؟؟‭ ‬لنوجه‭ ‬شبابنا‭ ‬نحو‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬المسؤولة،‭ ‬ونرشدهم‭ ‬وندعمهم‭ ‬ونحتضنهم،‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نوقف‭ ‬أقلامهم‭ ‬وأحلامهم‮»‬‭.‬

وأذكر‭ ‬أنه‭ ‬زاره‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬مكتبه،‭ ‬ودار‭ ‬حديثهما‭ ‬عن‭ ‬اعتزاز‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬بلهجتهم‭ ‬المحلية‭ ‬وهويتهم‭ ‬الوطنية،‭ ‬ولتأكيد‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬الحضور‭ ‬عند‭ ‬الزائر‭ ‬وسألني‭ ‬باللهجة‭ ‬المحلية‭: ‬وين‭ ‬تصير‭ ‬المنطقة‭ ‬‮«‬الفلانية»؟‭ ‬وسمى‭ ‬لي‭ ‬إحدى‭ ‬المناطق‭ ‬البحرينية‭.. ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬باللهجة‭ ‬المحرقاوية‭: ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬قريبة‭ ‬جدا‭ ‬منا،‭ ‬هي‭ ‬‮«‬حذفة‭ ‬حصاه،‭ ‬وحديدن‭ ‬سهل‮»‬‭.. ‬فقال‭ ‬له‭ ‬الزائر‭: ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لديكم‭ ‬لغة‭ ‬خاصة،‭ ‬فأنا‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬ما‭ ‬قلتما،‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬مكان‭ ‬المنطقة‭.. ‬فرد‭ ‬عليه‭ ‬الأستاذ‭ ‬سعيد‭ ‬الحمد‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬ضاحكا‭: ‬هكذا‭ ‬هم‭ ‬شعب‭ ‬البحرين،‭ ‬وخاصة‭ ‬أهل‭ ‬المحرق،‭ ‬لديهم‭ ‬اعتزاز‭ ‬بلهجتهم،‭ ‬وفخر‭ ‬بالهوية‭ ‬الوطنية‭. ‬

خالص‭ ‬التعازي‭ ‬وصادق‭ ‬المواساة‭ ‬لأسرته‭ ‬الكريمة،‭ ‬وللأسرة‭ ‬الصحفية،‭ ‬وجمعية‭ ‬الصحفيين‭ ‬البحرينية،‭ ‬والزملاء‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬الأيام‮»‬‭.. ‬لقد‭ ‬ترجل‭ ‬فارس‭ ‬القلم‭ ‬والوطن،‭ ‬والإذاعة‭ ‬والتلفزيون‭.. ‬لقد‭ ‬فقدنا‭ ‬رجلا‭ ‬إعلاميا‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الأول‭.. ‬لقد‭ ‬غاب‭ ‬عنا‭ ‬صوت‭ ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬الوطن‭ ‬المخلصة‭.. ‬لقد‭ ‬خسرنا‭ ‬قيمة‭ ‬وقامة،‭ ‬وإنسانا‭ ‬كريما،‭ ‬وجبلا‭ ‬شامخا،‭ ‬تصدى‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬وحمل‭ ‬رسالة‭ ‬التنوير‭.. ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬وأسكنه‭ ‬فسيح‭ ‬جناته،‭ ‬وإنا‭ ‬لله‭ ‬وإنا‭ ‬إليه‭ ‬راجعون‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news