العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

هل البقشيش رد للجميل

قرأت‭ ‬حكاية‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬عمود‭ (‬ضاع‭ ‬مني‭ ‬اسم‭ ‬كاتبه‭) ‬في‭ ‬قصاصة‭ ‬من‭ ‬الزميلة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬عربي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬أجنبي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬أهله،‭ ‬وقرر‭ ‬القيام‭ ‬بجولة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬فيه،‭ ‬وعلى‭ ‬بعد‭ ‬خطوات‭ ‬من‭ ‬الفندق‭ ‬استوقفه‭ ‬صبي‭ ‬وطفق‭ ‬يبرطم‭ ‬بكلام‭ ‬غير‭ ‬مفهوم‭ ‬لدى‭ ‬السائح‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬استنتج‭ ‬أن‭ ‬الفتى‭ ‬يستجدى‭ ‬المال‭ ‬فمد‭ ‬إليه‭ ‬قطعة‭ ‬معدنية،‭ ‬التقطها‭ ‬الصبي‭ ‬فرحاً‭ ‬مبتسماً‭ ‬ثم‭ ‬ابتعد‭ ‬مسرعاً،‭ ‬وتجول‭ ‬الرجل‭ ‬لنحو‭ ‬ساعتين‭ ‬حتى‭ ‬كلت‭ ‬قدماه‭ ‬فقرر‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الفندق،‭ ‬وظل‭ ‬يمشي‭ ‬ويمشي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعثر‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬للفندق،‭ ‬وحال‭ ‬حاجز‭ ‬اللغة‭ ‬دون‭ ‬استفساره‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬الفندق،‭ ‬فظل‭ ‬يهيم‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬أربع‭ ‬ساعات،‭ ‬وفجأة‭ ‬وجد‭ ‬الصبي‭ ‬المتسول‭ ‬أمامه‭ ‬فاستخدم‭ ‬الأسلوب‭ ‬العربي‭ ‬المعتاد‭ ‬للتخاطب‭ ‬مع‭ ‬الغرباء،‭ ‬وهو‭ ‬الفتك‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭: ‬أنا‭ ‬في‭ ‬مسكين‭.. ‬رجل‭ ‬مال‭ ‬أنا‭ ‬يعورني‭.. ‬شوية‭ ‬بعد‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬طيح‭.. ‬واجد‭ ‬تعبان‭ ‬ولازم‭ ‬روح‭ ‬هوتيل‭ ‬الحين‭ .. ‬ستة‭ ‬ساعة‭ ‬أنا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬يأكل‭ ‬هَم‭ ‬هَم‭.. ‬مي‭ ‬نو‭ ‬تاكسي‭ ‬منشان‭ ‬أنا‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬أدريس‭ (‬عنوان‭) ‬مال‭ ‬هوتيل‭!! ‬ولكن‭ ‬الصبي‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬منه‭ ‬شيئاً،‭ ‬فاستخدم‭ ‬لغة‭ ‬الإشارة‭ ‬كي‭ ‬يفهمه‭ ‬أنه‭ ‬تائه‭ ‬وأنه‭ ‬يريد‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬فقط‭ ‬اسمه‭ ‬وليس‭ ‬عنوانه،‭ ‬فابتسم‭ ‬الصبي‭ ‬وأشار‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬يتبعه،‭ ‬وبعد‭ ‬نحو‭ ‬ساعة‭ ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬مدخل‭ ‬فندقه،‭ ‬وإعراباً‭ ‬منه‭ ‬لتقديره‭ ‬للعون‭ ‬الذي‭ ‬وجده‭ ‬من‭ ‬الصبي،‭ ‬فتح‭ ‬محفظة‭ ‬نقوده‭ ‬ومد‭ ‬إلى‭ ‬الصبي‭ ‬مبلغاً‭ ‬كبيراً‭ ‬نسبياً،‭ ‬ولكن‭ ‬الصبي‭ ‬رفض‭ ‬قبول‭ ‬المبلغ‭ ‬وهو‭ ‬يرطن‭ ‬بلهجة‭ ‬غاضبة،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬السائح‭ ‬العربي‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬زاد‭ ‬المبلغ‭ ‬المعروض‭ ‬على‭ ‬الصبي،‭ ‬الذي‭ ‬ازداد‭ ‬غضباً،‭ ‬واستمرت‭ ‬المزايدة‭ ‬مالا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الرجل‭ ‬وغضباً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الصبي،‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬أحد‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬لفك‭ ‬الاشتباك،‭ ‬فشرح‭ ‬له‭ ‬الرجل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬إرشاد‭ ‬الصبي‭ ‬له‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الفندق‭ ‬وسخائه‭ ‬في‭ ‬مكافأته،‭ ‬وجشع‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬المطالبة‭ ‬بالمزيد،‭ ‬وتراطن‭ ‬الصبي‭ ‬وعامل‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ابتسم‭ ‬وقال‭ ‬للرجل‭ ‬إن‭ ‬الصبي‭ ‬غاضب‭ ‬لأنك‭ ‬قدمت‭ ‬له‭ ‬مالاً،‭ ‬فهو‭ ‬يعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬إهانة،‭ ‬ففي‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬طلب‭ ‬هو‭ ‬منك‭ ‬صدقة‭ ‬فأعطيته،‭ ‬وفي‭ ‬المرة‭ ‬الثانية‭ ‬سنحت‭ ‬له‭ ‬الفرصة‭ ‬لرد‭ ‬الجميل‭ ‬إليك‭ ‬بمساعدتك‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الفندق،‭ ‬وهو‭ ‬يرفض‭ ‬المال‭ ‬نظير‭ ‬مساعدة‭ ‬‮«‬صديق‭!!‬‮»‬‭ ‬ذلك‭ ‬الصبي‭ ‬متسول‭ ‬محترف،‭ ‬ويعيش‭ ‬على‭ ‬استجداء‭ ‬المال،‭ ‬ولكنه‭ ‬يحفظ‭ ‬الجميل‭ ‬ولم‭ ‬يتجرد‭ ‬من‭ ‬العواطف‭ ‬الإنسانية‭!‬

تلك‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬نقلتها‭ ‬عن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أثارت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬تساؤلاً‭ ‬ظل‭ ‬حيرني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭: ‬لماذا‭ ‬نعطي‭ ‬الجرسون‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬أو‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬أو‭ ‬عامل‭ ‬الفندق‭ ‬بقشيشاً‭ ‬نظير‭ ‬أداء‭ ‬عمله‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضى‭ ‬عنه‭ ‬أجراً،‭ ‬وندفع‭ ‬نحن‭ ‬عنه‭ ‬المبلغ‭ ‬المطلوب‭ ‬بالكامل؟‭ ‬طبعاً‭ ‬أدفع‭ ‬البقشيش‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬وغيرها‭ ‬ولكنني‭ ‬أحس‭ ‬بالذنب‭ ‬لأنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬البقشيش‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الرشوة‭ (‬ومن‭ ‬يدفعون‭ ‬بقشيشا‭ ‬كبيرا‭ ‬يبررون‭ ‬ذلك‭ ‬بأنهم‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬خاصة‭ ‬وسريعة‭ ‬في‭ ‬زياراتهم‭ ‬اللاحقة‭ ‬للمطاعم‭)‬،‭ ‬ولأن‭ ‬البقشيش‭ ‬صار‭ ‬شبه‭ ‬إلزامي،‭ ‬فالفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬الكبيرة‭ ‬تعطي‭ ‬الجرسونات‭ ‬رواتب‭ ‬بائسة‭ ‬وتقول‭ ‬لهم‭: ‬البركة‭ ‬في‭ ‬الزبائن‭!! (‬رفع‭ ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬مقاهي‭ ‬كوستا‭ ‬كوفي‭ ‬قضية‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقتطع‭ ‬لنفسها‭ ‬نسبة‭ ‬ثابتة‭ ‬من‭ ‬بقاشيش‭ ‬العاملين،‭ ‬وقضت‭ ‬المحكمة‭ ‬بتغريم‭ ‬الشركة‭ ‬قرابة‭ ‬200‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬ليُعاد‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬العاملين‭).‬

قضت‭ ‬الأقدار‭ ‬بأن‭ ‬تنجب‭ ‬زوجتي‭ ‬طفلنا‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية،‭ ‬وجاءتني‭ ‬ممرضة‭ ‬وطالبت‭ ‬بـ‮«‬الحلاوة‮»‬‭ ‬فمددت‭ ‬إليها‭ ‬طبقاً‭ ‬من‭ ‬الشوكلاتة‭ ‬لتتناول‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬تشاء،‭ ‬ولكنها‭ ‬طالبتني‭ ‬صراحة‭ ‬بتقديم‭ ‬بعض‭ ‬المال‭ ‬لها،‭ ‬فصحت‭ ‬فيها‭: ‬ليه؟‭ ‬هل‭ ‬تقاسمت‭ ‬مع‭ ‬زوجتي‭ ‬أعباء‭ ‬الحمل‭ ‬وأوجاع‭ ‬الولادة؟‭ ‬بمعنى‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬مساهمتك‭ ‬في‭ ‬الحمل‭ ‬والانجاب؟‭ ‬ثم‭ ‬أضفت‭: ‬هي‭ ‬بنت‭! ‬أي‭ ‬حلاوة‭ ‬وأي‭ ‬بطيخ،‭ ‬جاتك‭ ‬نيلة‭! ‬نحن‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬نلطم‭ ‬عندما‭ ‬نرزق‭ ‬ببنت‭ (‬وهذه‭ ‬كذبة‭ ‬فنحن‭ ‬ربما‭ ‬الشعب‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الذي‭ ‬يتفاخر‭ ‬فيه‭ ‬الرجال‭ ‬بالانتساب‭ ‬لبناتهم‭: ‬أنا‭ ‬أبوكِ‭ ‬يا‭ ‬مروة‭/ ‬فاطمة‭ / ‬سلوى،‭ ‬ولسنا‭ ‬مثل‭ ‬بعض‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬يستعرون‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬أمهاتهم‭).‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news