العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

فرص جديدة لطاقات جديدة

بقلم: د. عبدالله العباسي {

الثلاثاء ٢١ يونيو ٢٠٢٢ - 02:00

تواجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تحديات‭ ‬جدية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬توليد‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهربائية‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬المعاصرة‭ ‬والزيادة‭ ‬المطردة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السكان،‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ليست‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبات،‭ ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬مقدار‭ ‬زيادة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬للطاقة‭ ‬ستة‭ ‬أضعاف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬سنة‭ ‬1980م،‭ ‬وهذا‭ ‬أكبر‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬للاستهلاك‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ومما‭ ‬يعقد‭ ‬المشهد‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬وقوعُها‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬مشحون‭ ‬سياسياً‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تأمين‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬هدفاً‭ ‬سيادياً،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬تنموياً‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

ولذلك‭ ‬فتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬نحو‭ ‬مصادر‭ ‬جديدة‭ ‬بخلاف‭ ‬المصادر‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬أصبح‭ ‬هدفاً‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل،‭ ‬حيث‭ ‬إنه‭ ‬يوفر‭ ‬استدامة‭ ‬الموارد‭ ‬النفطية‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مزيج‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً‭ ‬للطاقة،‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬حديثة،‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭.‬

ولكن‭ ‬حينما‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬فهل‭ ‬نقصد‭ ‬الطاقة‭ ‬المتولدة‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬متجددة‭ ‬كالشمس‭ ‬والرياح؟‭ ‬أم‭ ‬نقصد‭ ‬أيضاً‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية؟

يعتقد‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصنف‭ ‬كطاقة‭ ‬متجددة،‭ ‬وذلك‭ ‬لكونها‭ ‬طاقة‭ ‬نظيفة،‭ ‬وبالإمكان‭ ‬أيضاً‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬مخلفاتها‭ ‬لتستعمل‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬ولعل‭ ‬الرأي‭ ‬الأصوب‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تميل‭ ‬إليه‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصنف‭ ‬طاقة‭ ‬متجددة‭ ‬لأنها‭ ‬تحمل‭ ‬بعض‭ ‬مخاطر،‭ ‬وهي‭ ‬كذلك‭ -‬رغم‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬إعادة‭ ‬التدوير‭-‬سوف‭ ‬تولد‭ ‬مخلفات‭.‬

ولهذا‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تصنف‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬طاقة‭ ‬جديدة‭ ‬وليست‭ ‬متجددة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فكل‭ ‬طاقة‭ ‬متجددة‭ ‬هي‭ ‬بالضرورة‭ ‬طاقة‭ ‬جديدة،‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬التقليدية‭ ‬للطاقة‭ ‬مثل‭ ‬الغاز‭ ‬والفحم‭. ‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬هي‭ ‬قدرة‭ ‬مواردها‭ ‬على‭ ‬التجدد‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى،‭ ‬ولها‭ ‬خمسة‭ ‬مصادر‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬هي‭: ‬الكتلة‭ ‬الحيوية،‭ ‬وطاقة‭ ‬الرياح،‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬والطاقة‭ ‬المائية،‭ ‬والطاقة‭ ‬الحرارية‭ ‬الأرضية‭.‬

ورجوعاً‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬الخليجي‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ -‬بلا‭ ‬استثناء‭- ‬قد‭ ‬أطلقت‭ ‬مؤخراً‭ ‬مشاريع‭ ‬للطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذه‭ ‬الطاقات‭ ‬قديمًا‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فقد‭ ‬قام‭ ‬معهد‭ ‬الكويت‭ ‬للأبحاث‭ ‬العلمية‭ ‬بالنظر‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬منذ‭ ‬السبعينيات‭ ‬وحتى‭ ‬منتصف‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬وقد‭ ‬خلص‭ ‬حينها‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬تقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬ليست‭ ‬بالنضج‭ ‬الكافي‭ ‬ولا‭ ‬تمتلك‭ ‬المقومات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لتنافس‭ ‬المصادر‭ ‬التقليدية‭ ‬للطاقة،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تبدل‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بسبب‭ ‬التطور‭ ‬التقني‭ ‬لهذه‭ ‬الصناعة‭. ‬

وفيما‭ ‬يخص‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬فقد‭ ‬قررت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2006م‭ ‬تطوير‭ ‬برنامج‭ ‬نووي‭ ‬مشترك،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أحداث‭ ‬مفاعل‭ ‬فوكوشيما‭ ‬الياباني‭ ‬في‭ ‬2011‭ ‬م‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬انسحاب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬وقطر‭ ‬وعمان‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج،‭ ‬فيما‭ ‬استمرت‭ ‬الإمارات‭ ‬والسعودية‭ ‬في‭ ‬برامجهما‭ ‬النووية‭.‬

ومما‭ ‬ينبغي‭ ‬التنبه‭ ‬له‭ -‬مع‭ ‬صعود‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬الكهرباء‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭- ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فرقاً‭ ‬كبيراً‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مشغلاً‭ ‬للتكنولوجيا،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬مالكاً‭ ‬لها،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬بناء‭ ‬المفاعل‭ ‬النووي‭ ‬يستغرق‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬بينما‭ ‬بناء‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬النووية‭ ‬تستغرق‭ ‬عشرات‭ ‬السنوات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الإيراني‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬فقد‭ ‬استغرق‭ ‬بناء‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬سنة،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬تفوق‭ ‬عمر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالجمهورية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والأمر‭ ‬عينه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الطاقات‭ ‬الأخرى،‭ ‬فهي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬خبرات‭ ‬محلية‭ ‬وتهيئة‭ ‬للسوق‭ ‬المحلية‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المسؤولة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬قدرة‭ ‬المشغلين‭ ‬لهذه‭ ‬الطاقات‭ ‬ليستفيدوا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬أحسن‭ ‬وجه،‭ ‬ولمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬عادة‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببيئة‭ ‬التشغيل‭ ‬وبطبيعة‭ ‬الشبكة‭ ‬الكهربائية‭.‬

مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ذكر‭ ‬آنفاً‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لمنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬لبناء‭ ‬منظومتها‭ ‬الحديثة‭ ‬للطاقة‭ ‬الكهربائية‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬متمحورة‭ ‬حول‭ ‬بناء‭ ‬صناعة‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬استيرادها‭ ‬فقط،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وبناء‭ ‬الكوادر‭ ‬المؤهلة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬إلا‭ ‬بتبني‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬يكون‭ ‬عمادها‭ ‬ربط‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬بالبحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والشركات‭ ‬المحلية،‭ ‬وتشمل‭ ‬كذلك‭ ‬برامج‭ ‬لتشجيع‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬وجهة‭ ‬للشباب‭ ‬الصاعد‭. ‬

وينبغي‭ ‬كذلك‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬لكسب‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬خطط‭ ‬الدول‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬حين‭ ‬تعاقدت‭ ‬مع‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬لبناء‭ ‬مفاعلاتها‭ ‬النووية،‭ ‬فبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬مطامع‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فقد‭ ‬استفادت‭ ‬الإمارات‭ ‬من‭ ‬رغبة‭ ‬كوريا‭ ‬للتعريف‭ ‬بصادراتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬المشروع‭ ‬تحت‭ ‬كلفة‭ ‬الخط‭ ‬الصناعي‭ ‬المتوسط‭ ‬بنسبة‭ ‬20‭%‬‭.‬

 

{ خبير‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ - ‬مركز‭ ‬البحرين‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والدولية‭ ‬والطاقة‭ (‬دراسات‭)‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news