العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

التمييز ضد البنات

جاء‭ ‬صديقي‭ ‬يسألني‭ ‬عن‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬تدرس‭ ‬فيها‭ ‬ابنتي،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬ثقافتي‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬عالية‮»‬،‭ ‬فعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طوال‭ ‬ظللت‭ ‬أنقب‭ ‬عن‭ ‬الجامعات‭ ‬وبرامجها،‭ ‬وبدأ‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬حان‭ ‬موعد‭ ‬التحاق‭ ‬ولدي‭ ‬الأكبر‭ ‬بالجامعة،‭ ‬حيث‭ ‬جلسنا‭ ‬أنا‭ ‬وهو‭ ‬أمام‭ ‬الإنترنت‭ ‬شهوراً‭ ‬طوالا‭ ‬نتراسل‭ ‬مع‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البلدان‭ ‬ماعدا‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬لأسباب‭ ‬بديهية‭!‬‭ ‬وبذلك‭ ‬اجتمعت‭ ‬لدي‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬تلال‭ ‬من‭ ‬الكتيبات‭ ‬والمنشورات‭ ‬من‭ ‬جامعات‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬وآسيا‭ ‬وإفريقيا‭ (‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬فقط‭)‬،‭ ‬يعود‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإنترنت،‭ (‬كنت‭ ‬وقتها‭ ‬أنقِّب‭ ‬عن‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬النت‭ ‬ثم‭ ‬أراسلها‭ ‬بالفاكس‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم‭ ‬بوجود‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬طرق‭ ‬استخدامه،‭ ‬وقبلوا‭ ‬ولدي‭ ‬ذاك‭ ‬في‭ ‬جامعات‭ ‬بريطانية‭ ‬وكندية‭ ‬وأسترالية‭ ‬ومالطية‭ ‬وسنغافورية‭ ‬وكورية‭ ‬جنوبية،‭ ‬واستقر‭ ‬رأينا‭ ‬على‭ ‬نيوزيلندا‭ (‬لأنه‭ ‬يشبه‭ ‬سكانها‭ ‬الأصليين‭ ‬ولأنها‭ ‬أقل‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭ ‬جرائم‭ ‬وليس‭ ‬بها‭ ‬تمييز‭ ‬عنصري‭!)‬،‭ ‬وازددت‭ ‬معرفة‭ ‬بأحوال‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القارات،‭ ‬وأنا‭ ‬أناقش‭ ‬مع‭ ‬عيالي‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأخرين‭ ‬خياراتهم‭ ‬الأكاديمية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭.‬

وقلتها‭ ‬مرارا‭ ‬وسأظل‭ ‬أقولها‭ ‬إنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الجامعة‭ ‬ونوع‭ ‬الدراسة‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬قرار‭ ‬يتخذه‭ ‬الطالب‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ (‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قرار‭ ‬اختيار‭ ‬شريك‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنني‭ ‬أولي‭ ‬تلك‭ ‬المسألة‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬أفرض‭ ‬على‭ ‬عيالي‭ ‬كليات‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬أترك‭ ‬لهم‭ ‬اختيار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬للتخصص،‭ ‬ثم‭ ‬أقضي‭ ‬وقتاً‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الجامعة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬اعتبارات‭ ‬أكاديمية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ومالية‭ ‬وثقافية‭!!‬

المهم‭ ‬أجبت‭ ‬عن‭ ‬استفسارات‭ ‬ذلك‭ ‬الصديق‭ ‬عن‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬تدرس‭ ‬بها‭ ‬ابنتي،‭ ‬فتحمس‭ ‬لإلحاق‭ ‬ابنته‭ ‬بها،‭ ‬ثم‭ ‬سألني‭ ‬عن‭ ‬المصروفات‭ ‬الدراسية‭ ‬فأجبته‭ ‬عن‭ ‬سؤاله،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬انتفض‭ ‬واقفاً‭ ‬وهو‭ ‬يصيح‭: ‬مجنون‭ ‬أنت؟‭ ‬تصرف‭ ‬على‭ ‬بنت‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الآلاف‭ ‬بعدين‭ ‬يجي‭ ‬واحد‭ ‬يتزوجها‭ ‬وفلوسك‭ ‬تروح‭ ‬في‭ ‬الهوا؟‭ ‬أحتفظ‭ ‬لنفسي‭ ‬عادة‭ ‬بمساحة‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬أسمح‭ ‬لأي‭ ‬كائن‭ ‬باقتحامها،‭ ‬فقلت‭ ‬لصاحبي‭: ‬مش‭ ‬شغلك‭ ‬كيف‭ ‬وأين‭ ‬أعلم‭ ‬ابنتي‭ ‬وكم‭ ‬يكلفني‭ ‬تعليمها‭! ‬فحاول‭ ‬الاستدراك‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البنت‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬الأمر‭ ‬وفي‭ ‬غالب‭ ‬الأحوال‭ ‬لزوجها‭ ‬وإنه‭ ‬يكفي‭ ‬تزويدها‭ ‬بتعليم‭ ‬بسعر‭ ‬الكلفة‭. ‬يعني‭ ‬شهادة‭ ‬جامعية‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬وبعدها‭ ‬تشيل‭ ‬شيلتها‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭! ‬قلت‭ ‬له‭: ‬برضو‭ ‬مش‭ ‬شغلك‭! ‬ولأنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬فقد‭ ‬حاولت‭ ‬تلطيف‭ ‬تعقيبي‭ ‬الجاف‭ ‬على‭ ‬كلامه‭ ‬ووجهت‭ ‬إليه‭ ‬سيلاً‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬بنتي‭ ‬من‭ ‬يتزوجها؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬ثم‭ ‬تطلقت‭ ‬أو‭ ‬ترملت؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬وأصيب‭ ‬زوجها‭ ‬بإعاقة؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬برجل‭ ‬جلدة‭ ‬وقيحة‭ ‬يحرمها‭ ‬من‭ ‬ضروريات‭ ‬الحياة‭ ‬مثل‭ ‬صاحبنا‭ ‬فلان‭ (‬وذكرت‭ ‬اسم‭ ‬شخص‭ ‬يعرفه‭ ‬كلانا‭ ‬بالبخل‭ ‬بدرجة‭ ‬أنه‭ ‬يلزم‭ ‬زوجته‭ ‬التي‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬لتأكل‭ ‬وتلبس‭ ‬وتعالج‭ ‬نفسها‭ ‬وعيالهما‭ ‬على‭ ‬نفقتها‭)‬؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتزوج‭ ‬وأصبحنا‭ ‬أنا‭ ‬وأمها‭ ‬عواجيز‭ ‬مكعكعين‭ ‬بلا‭ ‬عائل‭ ‬ونحن‭ ‬ننتمي‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬ضمان‭ ‬للعجزة‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬وصغار‭ ‬السن‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬بعض‭ ‬جيرانه‭ ‬العرب‭ ‬والأفارقة؟

ثم‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬هل‭ ‬تريد‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬آخذ‭ ‬اعتبارات‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬وتأهيل‭ ‬بنتي؟‭ ‬ومن‭ ‬يضمن‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الولد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬أحق‭ ‬بالتعليم‭ ‬العالي‭ ‬‮«‬الغالي‮»‬‭ ‬سيكون‭ ‬باراً‭ ‬وحافظاً‭ ‬للجميل‭ ‬وسيرد‭ ‬إليك‭ ‬الجميل‭ ‬عدا‭ ‬نقدا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬الحياة‭ ‬العملية؟‭ ‬هنا‭ ‬وجدها‭ ‬صديقي‭ ‬فرصة‭ ‬ليسألني‭: ‬ألا‭ ‬يدفع‭ ‬لك‭ ‬ولدك‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬جزءاً‭ ‬ثابتاً‭ ‬من‭ ‬راتبه؟‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬برضو‭ ‬مش‭ ‬شغلك‭.. ‬أنا‭ ‬لم‭ ‬أنفق‭ ‬على‭ ‬تعليمه‭ ‬ما‭ ‬أنفقت‭ ‬كي‭ ‬‮«‬أحاسبه‮»‬‭ ‬لاحقاً‭.. ‬ولعلمك‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعطيني‭ ‬فلساً‭ ‬واحداً‭.. ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬بإيعاز‭ ‬مني‭... ‬والبركة‭ ‬في‭ ‬أمه‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تتقاضى‭ ‬منه‭ ‬راتباً‭ ‬ثابتاً‭ ‬وصارت‭ ‬تقول‭ ‬لي‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬فولدي‭ ‬جنبني‭ ‬وقوف‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬اللئيم‭...‬واللئيم‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭.. ‬وربنا‭ ‬على‭ ‬المفتري‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news