العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وكم من أميٍّ يتفوق

نعم‭ ‬العلم‭ ‬نورٌ‭ ‬لأنه‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬العقل‭ ‬كشافا‭ ‬ويجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الطريق‭ ‬الممهد‭ ‬وذاك‭ ‬المليء‭ ‬بالمنعرجات‭ ‬والمطبات،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬فمن‭ ‬الظلم‭ ‬الفادح‭ ‬أن‭ ‬يوصف‭ ‬الشخص‭ ‬الأمي‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬جاهل‮»‬،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬جاهل‭ ‬يحمل‭ ‬الشهادات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الرفيعة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬وضعوا‭ ‬مداميك‭ ‬الحضارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬معظمهم‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وقرأت‭ ‬تقريرا‭ ‬في‭ ‬صحفية‭ ‬خليجية‭ ‬حول‭ ‬النساء‭ ‬الخليجيات‭ ‬اللواتي‭ ‬اقتحمن‭ ‬مجالات‭ ‬المال‭ ‬والاعمال،‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬5000‭ ‬منهن‭ ‬يبصمن‭ ‬أو‭ ‬يستخدمن‭ ‬الأختام‭ ‬على‭ ‬الأوراق‭ ‬الرسمية،‭ ‬لأنهن‭ ‬لا‭ ‬يعرفن‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬التقرير‭ ‬سيخرس‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬تحسن‭ ‬سوى‭ ‬الإنفاق‭ ‬والتبذير‭ ‬وإعداد‭ ‬السلطة‭ ‬بالخس‭ ‬والجرجير،‭ ‬فها‭ ‬هي،‭ ‬وبدون‭ ‬شهادات‭ ‬تقتحم‭ ‬مجالات‭ ‬كان‭ ‬يحتكرها‭ ‬الرياييل‭ ‬وصارت‭ ‬تكتنز‭ ‬الدنانير‭ ‬والدلالير‭ ‬والريالات‭ ‬والدراهمات‭ (‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أصل‭ ‬كلمة‭ ‬درهم‭ ‬دراخما‭ ‬اليونانية‭ ‬فلا‭ ‬ضير‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬صيغة‭ ‬الجمع‭ ‬لها‭ ‬‮«‬دراهمات‮»‬‭).‬

في‭ ‬أمريكا‭ ‬حصل‭ ‬خريج‭ ‬جامعي‭ ‬طالع‭ ‬فريش‭ ‬من‭ ‬الفرن،‭ ‬على‭ ‬أول‭ ‬فرصة‭ ‬وظيفية‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬تجارية‭ ‬وكلفوه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬بتنظيف‭ ‬المكاتب،‭ ‬فدخل‭ ‬مكتب‭ ‬المدير‭ ‬محتجاً‭: ‬أنا‭ ‬جامعي‭ ‬فكيف‭ ‬تطلبون‭ ‬مني‭ ‬أداء‭ ‬عمل‭ ‬لا‭ ‬صلة‭ ‬له‭ ‬بمجال‭ ‬تخصصي،‭ ‬هنا‭ ‬اعتذر‭ ‬له‭ ‬المدير‭ ‬قائلاً‭: ‬معليش‭ ‬يا‭ ‬ابني‭ ‬نسيت‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يدرسونكم‭ ‬أشياء‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬ثم‭ ‬أمسك‭ ‬المدير‭ ‬بالمكنسة‭ ‬الكهربائية‭ ‬وشرع‭ ‬في‭ ‬تنظيف‭ ‬المكتب‭ ‬والممر‭ ‬القريب‭ ‬منه،‭ ‬وأمسك‭ ‬بفوطة‭ ‬ومسح‭ ‬الطاولات،‭ ‬ثم‭ ‬التفت‭ ‬إلى‭ ‬الشاب‭ ‬قائلاً‭: ‬شفت‭ ‬شلون‭.. ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬التدريب‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭... ‬والشاهد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الجامعة‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬تهيئك‭ ‬لأداء‭ ‬أي‭ ‬وظيفة،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬درست‭ ‬أحد‭ ‬العلوم‭ ‬التطبيقية‭ (‬طب‭ ‬بشري‭ ‬وهندسة‭ ‬وبيطرة‭ ‬إلخ‭) ‬فإنك‭ ‬تتعلم‭ ‬أصول‭ ‬المهنة‭ ‬بعد‭ ‬التخرج‭.‬

وشخصياً‭ ‬لم‭ ‬أدرس‭ ‬الإعلام‭ ‬ولا‭ ‬الصحافة،‭ ‬ولكنني‭ ‬ظللت‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬المجالين‭ ‬معظم‭ ‬سنوات‭ ‬حياتي،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬فرص‭ ‬مهنية‭ ‬طيبة‭ (‬بدون‭ ‬واسطة‭) ‬لم‭ ‬تتهيأ‭ ‬للكثيرين‭ ‬ممن‭ ‬درسوا‭ ‬الإعلام‭ ‬وحصلوا‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬شهادات‭ ‬طنانة‭ ‬ورنانة‭. (‬وبالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬وضعوا‭ ‬أصول‭ ‬علم‭/ ‬فن‭ ‬الإعلام‭ ‬كمنهج‭ ‬أكاديمي‭ ‬لم‭ ‬يدرسوا‭ ‬الإعلام‭ ‬بل‭ ‬مارسوه‭ ‬فقط،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬ينال‭ ‬الدكتوراه،‭ ‬منحه‭ ‬إياها‭ ‬أشخاص‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يحملون‭ ‬تلك‭ ‬الدرجة،‭ ‬ولكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬حتما‭ ‬أكثر‭ ‬علما‭ ‬منه‭ ‬ويتحلون‭ ‬بالتواضع‭).‬

أبي‭ ‬بدأ‭ ‬حياته‭ ‬العملية‭ ‬عاملاً‭ ‬بسيطاً‭ (‬بحارا‭) ‬في‭ ‬النقل‭ ‬النهري‭ (‬البواخر‭ ‬النيلية‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬أمياً‭ ‬بجدارة،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬حتى‭ ‬كيف‭ ‬يكتب‭ ‬اسمه‭ ‬المكون‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬حروف،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬عقلية‭ ‬تجارية،‭ ‬فاستغل‭ ‬عمله‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتطلب‭ ‬السفر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬جنوب‭ ‬السودان‭ ‬ووسطه،‭ ‬للمتاجرة‭ ‬في‭ ‬سلع‭ ‬بسيطة،‭ ‬ولكن‭ ‬أساسية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يعبر‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬يوغندا‭ ‬ويأتي‭ ‬ببضائع‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوافر‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬السودان‭ ‬الأوسط،‭ ‬ثم‭ ‬دخل‭ ‬مجال‭ ‬المطاعم‭ ‬حتى‭ ‬امتلك‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬نحو‭ ‬ستة‭ ‬مطاعم،‭ ‬ولولا‭ ‬أن‭ ‬المرض‭ ‬أقعده‭ ‬عن‭ ‬إدارتها‭ ‬فأفلست‭ ‬المطاعم‭ ‬الواحد‭ ‬تلو‭ ‬الآخر،‭ ‬لكان‭ ‬اسم‭ ‬عباس‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬شهرة‭ ‬ماكدونالز،‭ ‬ولعاش‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬معززاً‭ ‬مكرما‭ ‬وتخطب‭ ‬الحكومة‭ ‬وده‭ ‬كي‭ ‬يتبرع‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬و«أرفض‮»‬‭.‬

أقصد‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬كون‭ ‬أولئك‭ ‬النسوة‭ ‬أميات‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنهن‭ ‬جاهلات‭ ‬أو‭ ‬فاشلات‭ ‬كسيدات‭ ‬أعمال،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬كون‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬جامعياً‭ ‬ودرس‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬سينجح،‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬الاستعداد‭ ‬الذهني‭ ‬والفطري‭ ‬وامتلاك‭ ‬الرؤية‭ ‬والشجاعة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬والاستعداد‭ ‬للمخاطرة‭ ‬هي‭ ‬الذخيرة‭ ‬الأساسية‭ ‬لرجل‭ ‬أو‭ ‬سيدة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وهذه‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬توفرها‭ ‬الجامعات،‭ ‬وما‭ ‬يؤكد‭ ‬صدق‭ ‬كلامي‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬الذين‭ ‬كونوا‭ ‬ثروات‭ ‬في‭ ‬الأزمنة‭ ‬الصعبة‭ ‬كانوا‭ ‬أميين‭ ‬أو‭ ‬أنصاف‭ ‬أميين،‭ ‬ونجحوا‭ ‬لأنهم‭ ‬يملكون‭ ‬الأدوات‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر‭ ‬واستعانوا‭ ‬لاحقا‭ ‬بالمتعلمين‭ ‬المتخصصين‭. ‬نعم،‭ ‬العلم‭ ‬يعزز‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجال،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬علوماً‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والمدارس،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬شاب‭ ‬درس‭ ‬في‭ ‬جامعات‭ ‬الغرب‭ ‬وعاد‭ ‬متحمساً‭ ‬ليقنع‭ ‬الوالد‭ ‬بأن‭ ‬أساليبه‭ ‬التي‭ ‬جمع‭ ‬بها‭ ‬الملايين‭ ‬بدائية‭ ‬وغير‭ ‬علمية،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تغييرات‭ ‬ثورية‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬للشركة،‭ ‬وخلال‭ ‬سنة‭ ‬ينسف‭ ‬الولد‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬العلم‭ ‬الحديث‮»‬‭ ‬ما‭ ‬بناه‭ ‬أبوه‭ ‬في‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭ ‬بالـ‭ ‬‮«‬بصمة‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news