العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

«جونسون» يهدر الأموال على «أوكرانيا» بينما البريطانيون يعانون من التضخم!

تعد‭ ‬الحكومةُ‭ ‬البريطانيَّةُ‭ ‬برئاسةِ‭ (‬بوريس‭ ‬جونسون‭) ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المتحمسين‭ ‬للحربِ‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وأكبر‭ ‬الداعمين‭ ‬ماليًّا‭ ‬وعسكريًّا‭ ‬للرئيسِ‭ ‬الأوكراني‭ (‬زيلينسكي‭) ‬بعد‭ ‬أمريكا‭ ‬طبعا‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬يجزمون‭ ‬بأن‭ (‬بريطانيا‭) ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمسكُ‭ ‬حاليا‭ ‬بقرارِ‭ (‬الحربِ‭ ‬والسلام‭) ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬أفشلت‭ ‬محادثاتِ‭ ‬السلام‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ (‬إسطنبول‭) ‬بوساطةٍ‭ ‬تركيةٍ‭ ‬بين‭ ‬الوفدين‭ ‬الروسي‭ ‬والأوكراني،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬وحكومة‭ (‬جونسون‭) ‬تغدق‭ ‬على‭ (‬زيلينسكي‭) ‬السلاحَ‭ ‬والعتادَ‭ ‬والمنظوماتِ‭ ‬العسكرية‭ ‬المتطورة‭ ‬والأموال‭ ‬لكي‭ ‬يستمرَّ‭ ‬في‭ ‬الحربِ،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬التقدمَ‭ ‬العسكري‭ ‬الروسي‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬إحرازه‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وتحديدًا‭ ‬في‭ ‬إقليمِ‭ ‬الدونباس‭ ‬جعل‭ ‬رئيسُ‭ ‬الوزراءِ‭ ‬البريطاني‭ (‬جونسون‭) ‬يفقدُ‭ ‬أعصابَه،‭ ‬حيث‭ ‬صرَّح‭ ‬منذ‭ ‬يومين‭ ‬قائلا‭: (‬إن‭ ‬الغربَ‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يواصلَ‭ ‬الدعمَ‭ ‬للأوكرانيين‭ ‬فيما‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬استعادةِ‭ ‬مناطق‭ ‬سيطرت‭ ‬عليها‭ ‬روسيا‭) ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ (‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬كارثةً‭ ‬إذا‭ ‬تمكَّن‭ ‬الرئيسُ‭ ‬الروسي‭ ‬بوتين‭ ‬من‭ ‬الانتصار‭)!! ‬وفي‭ ‬زيارة‭ ‬خاطفة‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ (‬كييف‭) ‬التقى‭ ‬فيها‭ ‬بالرئيسِ‭ ‬الأوكراني‭ (‬زيلينسكي‭) ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬الماضي‭ ‬اتفق‭ (‬جونسون‭) ‬مع‭ ‬حكومةِ‭ ‬كييف‭ ‬بأن‭ ‬تقومَ‭ ‬بريطانيا‭ ‬بتدريبِ‭ ‬آلاف‭ ‬الجنود‭ ‬الأوكرانيين‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬أوروبية‭ ‬كل‭ ‬4‭ ‬أشهر،‭ ‬وتأهيلهم‭ ‬لاستخدامِ‭ ‬الأسلحةِ‭ ‬البريطانيَّةِ‭ ‬والأوروبيَّةِ‭ ‬والأمريكيَّةِ‭ ‬المتطورةِ‭ ‬في‭ ‬حربِ‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لمنعِ‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬الانتصارِ‭ ‬في‭ ‬الحرب‭!‬

وفي‭ ‬الوقتِ‭ ‬الذي‭ ‬تتحمسُ‭ ‬فيه‭ ‬حكومةُ‭ (‬جونسون‭) ‬للحربِ‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وتمنعُ‭ ‬أيةَ‭ ‬فرصةٍ‭ ‬للسلامِ‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭.. ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الحكومةُ‭ ‬البريطانيَّةُ‭ ‬مكترثةً‭ ‬كثيراً‭ ‬بالأزماتِ‭ ‬الاقتصاديَّةِ‭ ‬والمعيشيَّةِ‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬المواطنُ‭ ‬البريطاني‭ ‬بسبب‭ ‬العقوباتِ‭ ‬الأمريكيَّةِ‭ ‬والبريطانيَّةِ‭ ‬والأوروبيَّةِ‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬وخصوصا‭ ‬ارتفاعَ‭ ‬الأسعارِ‭ ‬والتضخم‭ ‬في‭ ‬الموادِ‭ ‬الغذائيَّةِ‭ ‬والطاقةِ‭ ‬والبنزين‭ ‬والكهرباء‭!‬

وقد‭ ‬حذَّر‭ ‬تقريرٌ‭ ‬بريطاني‭ ‬نُشر‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي‭ ‬من‭ ‬ارتفاعِ‭ ‬أسعارِ‭ ‬الموادِ‭ ‬الغذائيَّةِ‭ ‬في‭ ‬المملكةِ‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭  ‬15‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬وهو‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬20‭ ‬عاماً،‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اللحومُ‭ ‬والحبوب‭ ‬ومنتجات‭ ‬الألبان‭ ‬والفواكه‭ ‬والخضراوات‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬تضرراً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع،‭ ‬بسبب‭ ‬التأثير‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬ووقف‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬المتأثر‭ ‬بإجراءات‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا،‭ ‬ووقف‭ ‬تصدير‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الرئيسية‭ ‬مثل‭ ‬زيت‭ ‬النخيل‭ ‬من‭ ‬إندونيسيا،‭ ‬والقمح‭ ‬من‭ ‬الهند‭.‬

وأشار‭ ‬التقريرُ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنتجاتِ‭ ‬التي‭ ‬تعتمدُ‭ ‬على‭ ‬القمح،‭ ‬مثل‭ ‬الدجاج‭ ‬ولحم‭ ‬الخنزير‭ ‬ومواد‭ ‬المخابز،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬أسرع‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬حيث‭ ‬تضافرت‭ ‬مشاكل‭ ‬الصادرات‭ ‬والإنتاج‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وهي‭ ‬منتج‭ ‬كبير‭ ‬للحبوب،‭ ‬مع‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬روسيا،‭ ‬وهي‭ ‬منتج‭ ‬رئيسي‭ ‬آخر‭.. ‬وأشار‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬حتى‭ ‬الصيف‭ ‬المقبل،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬مثل‭ ‬اضطراب‭ ‬التجارة‭ ‬المرتبط‭ ‬بخروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ (‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭)‬،‭ ‬والطقس‭ ‬غير‭ ‬المواتي‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الشمالي،‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬الإضعاف‭ ‬للجنيه‭ ‬الإسترليني‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية‭ ‬للمواطن‭ ‬البريطاني‭ ‬لا‭ ‬تحرك‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬جونسون‭ ‬قيد‭ ‬أنملة‭ ‬لتصحيح‭ ‬مسارها‭ ‬السيئ،‭ ‬بقدر‭ ‬حماس‭ (‬جونسون‭) ‬لاستمرار‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬سبب‭ ‬رئيسي‭ ‬لارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬بعد‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬والتجارية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬وتخبط‭ ‬حكومة‭ ‬جونسون‭ ‬تجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ (‬مطار‭ ‬هيثرو‭) ‬وهو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬مطارات‭ ‬العالم،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬منذ‭ ‬يومين‭ ‬أزمة‭ ‬بسبب‭ ‬فشل‭ ‬كارثي‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الأمتعة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تكدس‭ ‬الحقائب‭ ‬في‭ ‬منظر‭ ‬مروع‭ ‬‭ ‬بحسب‭ ‬تقارير‭ ‬الوكالات‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬وتظهر‭ ‬الصور‭ ‬المذهلة‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬تكديس‭ ‬مئات‭ ‬الحقائب‭ ‬معاً،‭ ‬فيما‭ ‬وصفه‭ ‬المتفرجون‭ ‬بـ‭(‬سجادة‭ ‬الأمتعة‭)! ‬كما‭ ‬اشتكى‭ ‬ركاب‭ ‬المطار‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬طوابير‭ ‬طويلة‭ ‬وحافلات‭ ‬النقل‭ ‬المزدحمة،‭ ‬وانتظار‭ ‬طويل‭ ‬للانتقال‭ ‬بين‭ ‬مباني‭ ‬الركاب‭.. ‬ووفقاً‭ ‬لصحيفة‭ (‬ديلي‭ ‬ميل‭) ‬البريطانية‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬أحدث‭ ‬حالات‭ ‬الفوضى‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬البريطانية،‭ ‬التي‭ ‬ابتليت‭ ‬بنقص‭ ‬الموظفين،‭ ‬وطوابير‭ ‬طويلة‭ ‬مزعجة‭ ‬عدة‭ ‬أسابيع‭.‬

ويبقى‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭: ‬ألا‭ ‬تعد‭ ‬الأموالُ‭ ‬الضخمةُ‭ ‬التي‭ ‬تقدر‭ ‬بالمليارات‭ ‬من‭ ‬الجنيهات،‭ ‬الإسترلينية،‭ ‬والتي‭ ‬تتبرع‭ ‬بها‭ ‬حكومةُ‭ ‬جونسون‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬والأسلحة‭ ‬والمعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬الغالية‭ ‬الثمن‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬شحنها‭ ‬إلى‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬وكتائب‭ (‬آزوف‭) ‬النازية‭ ‬المتطرفة‭.. ‬ألا‭ ‬تعد‭ ‬تبذيراً‭ ‬سيئا‭ ‬لأموال‭ ‬الشعب‭ ‬البريطاني؟‭!! ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬الأكثر‭ ‬حكمة‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬صرفها‭ ‬لجعل‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬البريطانيين‭ ‬أقل‭ ‬سوءاً‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬كارثة‭ ‬التضخم‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬بريطانيا؟‭!‬

قد‭ ‬يعتقد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬خروج‭ (‬جونسون‭) ‬من‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية،‭ ‬واستبداله‭ ‬برئيس‭ ‬وزراء‭ ‬آخر،‭ ‬وهو‭ ‬حل‭ ‬يتحمس‭ ‬له‭ (‬حزب‭ ‬العمال‭) ‬المعارض‭ ‬لحكومة‭ ‬المحافظين،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬حلاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬للأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والمعيشية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬الحل‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتخلص‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬دولتها‭ ‬العميقة‭ ‬من‭ ‬العقلية‭ ‬القديمة،‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬العالم،‭ ‬وتشعل‭ ‬الحروب‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬بتحالفها‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أفغانستان‭ ‬وحروب‭ ‬العراق،‭ ‬وحرب‭ ‬ليبيا،‭ ‬وحرب‭ ‬سوريا‭ ‬وحرب‭ ‬يوغسلافيا‭.. ‬وتفعل‭ ‬ذلك‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ (‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬للمواطن‭ ‬البريطاني‭ ‬سوى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬المعيشية‭ ‬والبطالة‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والطاقة،‭ ‬بينما‭ ‬القادة‭ ‬السياسيون‭ ‬يفكرون‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تمجيد‭ ‬أسمائهم‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬عبثية‭!‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news